العدد (4505) الخميس 12/09/2019 (مصطفى جواد 50 عاماً على الرحيل)       اللغوي الخالد مصطفى جواد..شرّع قوانين اللغة والنحو وصحح اللسان من أخطاء شائعة       قراءة في بعض تراث الدكتور مصطفى جواد       مصطفى جواد .. شهادات       مصطفى جواد وتسييس اللغة       مصطفى جواد البعيد عن السياسة .. القريب من العلم والعلماء       من وحي الذكريات.. في بيت الدكتور مصطفى جواد       طرائف من حياته..مصطفى جواد بين الملك فيصل الثاني وعبد الكريم قاسم       العدد(4504) الاثنين 09/09/2019       تسمية كربلاء واصلها    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :56
من الضيوف : 56
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27283961
عدد الزيارات اليوم : 11695
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


الباب الوسطاني ومنطقته في العهد العثماني

د . عماد عبد السلام رؤوف
كان  الباب قد عرف في القرن التاسع للهجرة (الخامس عشر للميلاد)باسم جديد هو  (اغجه قابو) ويعني الباب الأبيض ويظهر أن سبب هذه التسمية يعود إلى لون  الجَص الذي شيد به، وتمييزاً عن باب كلواذى، الذي عرف في هذا العصر أيضا  بقرانلق قبوسي، أو قره قابي، أي باب السواد، أو الباب الأسود وذلك لحريق  وقع فيه -فيما يظن- فأسوَد لونه بتأثير الدخان.


 وفي العصر العثماني عرف الباب بتسمية جديدة، هي (باب سفيد)، وتعني الباب الأبيض أيضاً . وقد شهد الباب، كما شهد السور نفسه، ترميمات مختلفة في القرون التالية، فلاحظ الرحالة بكنكهام أن السور الذي يحيط ببغداد يحمل من الدلائل ما يبرهن على انه قد تم تشييده وإصلاحه في فترات عديدة متباينة، وإن أقدم جزء فيه هو أفضل الأجزاء،وكان قد ذكر بأن أفضل تلك الأجزاء هو بُرجا من الباب الوسطاني وباب الطلسم.

ومن ناحية أخرى، شهد القرن الذي أعقب احتلال المغول بغداد اهتماماً متزايداً بمرقد الشيخ السهروردي المجاور للباب الوسطاني، ففي سنة 735هـ/1335م جدد الوزير غياث الدين محمد بن الوزير فضل الله الخواجة رشيد الدين عمارة هذا المرقد تجديداً شاملاً، ولا يعلم على وجه اليقين ما إذا كانت القبة المخروطية من بنائه، أم انه اكتفى بتجديدها، ولكن من الراجح أن الجامع الكبير الذي بجواره أضيف إلى المرقد في عهد تال، وان هذا الجامع شهد معظم توسعاته وإضافاته في العهود العثمانية، ومنها أن أميراً من سلالة عباسية، هو إسماعيل باشاأ مير العمادية وأعمالها، أضاف إليه طارمة في الجهة الشمالية منه، وطاق مرتفع مشرف على الصحراء، والذي نذهب إليه إن هذا الطاق هو واجهة الجامع الخارجية التي لما تزل قائمة اليوم. وفي سنة 1320هـ/1902م أعيدت عمارة الجامع وأقيمت منارته الحالية، ثم تعددت تعميراته في السنين التالية ومازال يحظى بنوع من اهتمام.

ومن المنشآت المهمة التي شهدها المكان، في أوائل عهد الدولة العثمانية في العراق مشروع كبير لمياه الشرب، أنشأه سنة 1084هـ/ 1673م والي بغداد حسين باشا السلحدار (1083-1085هـ)، وكان هذا المشروع يتمثل في رفع قناة على عقود عديدة تتصل بدولاب تحركه الدواب (كَرْد) يرفع المياه إليها من عند شريعة الميدان (بين نادي الضباط الأعوان المندثر وبيت الحكمة حالياً)، وتمضي هذه القناة المرفوعة فوق محلات بغداد، لترفد في الماء عدداً من السقايات المنتشرة في القسم الشمالي من بغداد، حتى تنتهي إلى جامع السهروردي، فتغذي سقايته بالماء، وما يتبقى يذهب إلى بستان وارف الظلال كان عند الجامع، أنشأه هذا الوالي، وكان هذا البستان يمثل المساحة الخضراء الوحيدة في تلك المنطقة التي خلت من العمران إلاّ من المقابر، وآخر ما يمر به من الخارج من بغداد، قبل أن يجتاز الوسطاني، متخذاً طريقه إلى نواحي شرقي بغداد وما بعدها، وورد الإشارة في وقفية حسين باشا السلحدار إلى الباب الأبيض (وهو الباب الوسطاني نفسه) بوصفه أحد حدود الأرض التي أوقفها على الساقية المذكورة، وقد ظهر البستان في صورة لبغداد رسمها السائح الهولندي دابر، في أواخر القرن السابع عشر، ولبثت بقايا هذه القناة ماثلة حتى أواخر القرن التاسع عشر.

اتخذ العثمانيون من موضع قريب من الباب الوسطاني مخزناً للبارود، عرف(بالبارود خانة)، ووردت الإشارة إليه في وقفية حسين باشا السلحدار المؤرخة في سنة 1084هـ، وفي خارطة بغداد سنة 1324هـ/1908م للسيد رشيد الخوجة، تعيين لموقع (البارود خانه)، فإذا بها قريبة من سور بغداد الشمالي، إلى الغرب من جامع الشيخ عمر.
زود الباب في العصر العثماني بعدد من المدافع، قدر عددها بين 6-7 مدافع، وكان من بينهما مدافع ضخمة لها دور في الدفاع عن بغداد في أثناء حصار نادر شاه لها سنة 1156هـ/1743م، ولكن جرى سحبها في ما بعد لتحتل مواضع دفاعية أخرى.

وتشير النصوص التاريخية المرتقية الى العصر العثماني الى وجود عدد من )الربايا (التوابي) العسكرية قرب الباب الوسطاني، أهمها تابية الفتح، وتعرف أيضاً بتابية الشيخ عمر، وهي تبعد عن جامع الشيخ السهروردي بمسافة تسعين متراً، على الطريق الموازي للسور الشمالي، ومنها ايضاً تابية الآغا، وتابية التراب، وكانت على بعض هذه التوابي بطارية مدفعية أقامها والي بغداد أحمد باشا بن حسن باشا (حكم من 1136 إلى 1147هـ/1723-1747م للدفاع عن بغداد لتلك الناحية. وقد وردت مواقع هذه التوابي في خوارط السياح ابان العهود العثمانية.

ونتيجة لتوسع الدفن حوالي جامع السهروردي، وعدم اتخاذه شكلاً منتظماً، ربما لعدم وجود مناطق سكنية مجاورة، فقد أخذ الناس بدفن موتاهم حوالي الباب، وعلى اكتاف خندقه، وفوق بقايا السور المتصل به، ومع أن وجود آجر هذه المنشآت كان يوفر مادة بناء متاحة دائماً لبناء الأضرحة، إلاّ أن دفن الموتى في هذه الأماكن أدى، من جهة أخرى، إلى حفظها من النقض والهدم، على خلاف ما حدث لأجزاء السور الأخرى التي نقضت بأمر من والي بغداد مدحت باشا سنة 1288هـ/ 1870م. لأن وجود القبور عليها كان يمنع الطماعين بالتنقيب عن قطع الآجر ونقلها لاستخدامها في بناء المساكن، وهو ما كان يجري في عادة المدن والأحياء التي يتصادف وجودها قرب مدن أثرية داثرة، ولذا فليس غريباً أن تبقى أجزاء من السور ماثلة حتى يومنا هذا تحت ركام من بقايا القبور، ففي وسعنا ان نقول أن الأموات نجحوا في حفظ ما عجز عن حفظه الاحياء!.

على الرغم من توقف الدفن على بقايا سور بغداد، حوالي الباب الوسطاني، منذ عدة عقود من السنين، إلاّ أن المنطقة لم تكتسب من مظاهر التطور شيئاً، اللهم إلاّ بعد أعمال الصيانة المتقطعة التي قامت بها مديرية الاثار القديمة، منذ الثلاثينات، لجسم الباب نفسه، والتي استمرت في مواسم تنقيبية مختلفة، واتخاذ الباب متحفاً عسكرياً بعض الوقت، بيد ان هذه الأعمال انصرفت- بالضرورة- إلى ترميم الباب ومسناته وخندقه، ولم تشمل العناية بالمقتربات الاخرى فضلاً عن المنطقة بصورة شاملة. وبالمقابل فان هذه المنطقة فقدت، إبان العقدين الأخيرين، الكثير من ملامحها الجمالية، فقد أقيم على مبعدة عشرات الامتار من الباب طريق سريع مرفوع على أعمدة خرسانية، فبدد هذا الطريق من هدوء المكان، وقضى على ما كان يحيط بالباب من فضاءات تمنح المشاهد مجالاً رحباً لتأمل الباب والشواخص المختلفة من حوله. كما أن هذا الطريق، بثنياته وقواعده، أوجد امكنة جديدة استغلتها فئة من الناس لجمع القمامة أو فرزها، مما حول المنطقة الى مكان موحش تجمع فيه مختلف المواد التي يتم الحصول عليها عن هذا السبيل وغيره.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية