العدد (4510) الخميس 19/09/2019 (كتب وكتبيين)       ذكريات الكتب والمكتبات.. اول دخولي لسوق الكتبيين       من تاريخ شارع المتنبي.. ذكريات الكتبي الاول       مكتبات شارع السعدون ..ذكريات       كيف تأسست مكتبة الخلاني العامة؟       من مذكرات كتبي .. هكذا عرفت سوق الكتب       من تاريخ معارض الكتب ببغداد       العدد (4509) الاربعاء 18/09/2019 (مارغريت آتوود)       مارغريت أتوود تفاوض الموتى       مارغريت آتوود هل تخطف نوبل هذ العام ؟    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :43
من الضيوف : 43
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27369803
عدد الزيارات اليوم : 8211
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


الجواهري في ذكرياته..عندما اصبحت نائبا سنة 1947 حفلة ام كلثوم في بغداد تمهد لنيابتي

فى الأربعينات بدأ غزل الحاكمين  وغزل المحكومين. فإذا ما كنت قد مشيت في الشارع تدافعت الناس نحوي تعبيرا  عن حبها لي. وإذا رآنى الأمير عبد الإله وجماعته تراكضوا نحوي يعرضون  خدماتهم وحبهم لى.
وألطف عهد في حياتي كان في الأربعينات: حب الناس  وتلهفهم علي من جهة، ومن جهة أخرى حب الحاكمين لأنفسهم وكيف أنهم كانوا  يعتبروننى قماشة جيدة لواجهة وطنية حلوة.


 كنت أجمع بين حب الجماهير العاجزة عن إنقاذي ساعة أقع، وبين سعي الحاكمين لكسبي كواجهة وطنية. علما أن الحكام يعرفون كيف يبرزون حبهم.وأستطيع القول إنه ما من إنسان جمع بين هذا التناقض العجيب: حب الحاكمين والمحكومين في آن واحد. وهل هناك أجمل من ذلك؟ الماء والنار في يد واحدة.

المرة الأولى التي ترشحت فيها للانتخابات كانت في عام 1936. يومها كنت المرشح الأول في بغداد والعراق. وكان من غير الممكن أن لا أفوز. وفى اليوم الذي كانت ستصدر نتائج الانتخابات، وقع انقلاب بكر صدقي.
وفي العام 1946 ابتدأ الاستعداد للانتخابات. وكنت يومها مرشحا عن منطقة الكرخ مع عبد الرحمن البزاز وشخص آخر لم أعد أذكر من اسمه سوى عائلته وهي الوسواسي.وكان من الطبيعي أن يتم الفوز في الانتخابات عبر الحكومة ومن تساندهم. ورغم أن الجماهير كانت معنا، لكن الحكومة كانت في واد آخر مع مرشحها الذي اعتمدته.وقد كنت رافعًا علم المعارضة العنيفة ضد الحاكمين من ناحيتين: شعرًا وآراء بواسطة «الرأي العام» التي كانت تعبر عن الجماهير. ورغم ذلك كانت الدولة ترسل إلي أحيانا دعوة لحضور حفل ميلاد أو تتويج. وهذه الدعوات لا ترسل إلى كل الصحف بل إلى قلة قليلة من الصحافيين.

قبل تلك الانتخابات (1946) بنحو أسبوع، وصلتنى دعوة لحضور حفلة تحييها أم كلثوم بمناسبة ذكرى التتويج. وأثناء الحفلة صادف جلوسي – عن غير قصد – قرب الأمير عبد الإله. بعد لحظات عرفت أن الأمير عبد الإله يومئ إلي. وفي بادئ الأمر تجاهلت الموضوع، لكن الإلحاح في ذلك أخجلني مما اضطرني إلى الاقتراب منه. فسألني عن أحوالي مستفسرًا عما إذا كنت سألقي شيئًا في الحفلة. فشكرته على اهتمامه بي، وأبلغته أنني غير مستعد لإلقاء أية قصيدة.
معركة الانتخابات كانت حامية. تذكرت عبد الإله، وكيف أنه حاول استمالتي إليه أثناء الحفلة. ومن المعروف آنذاك أن الكلمة الأولى والأخيرة كانت له. كما أن النيابات والحكومات كلها يتم تعيينها عبره.
من هنا خطر لى الذهاب إليه في الديوان. دقائق ودخلت لمقابلة الأمير، فاستهل حديثة قائلا: «كان علينا إحضار أم كلثوم كي نراك؟ ما هو مطلبك؟». فقلت له: لقد كونا جبهة شعبية ونريد خوض الانتخابات. لكن مرشح حكومتك معه مسدسات وخناجر، وهذه ليست من عاداتنا، فنحن لسان حال الناس والشعب لا أكثر ولا أقل. عندها قال الأمير: «هذا الشخص الذي ذكرته صارت رجلاه على حافة القبر. ما له وللنيابة؟ سامحك الله يا مهدي. ألم تستطع الحضور قبل الآن؟ ومع ذلك، فاذهب من قبلي إلى المتصرف في محافظة النجف».
كانت المعركة حامية، دخل فيها نوري السعيد من جهة والأمير عبد الإله من جهة أخرى.
وفي الأخير استدعاني ظاهر القيسي – رحمه الله – رئيس بلدية النجف وقال: «لماذا لا تحل الموضوع مع هذين اللذين فوق؟ فالأمير عبد الإله يهتف لى من أجلك، ثم نوري السعيد يهتف من أجل الآخر. قل لهما أن يتفقا».
ومن كثرة الأخذ والرد، اشمأزت نفسي ولم أعد أغادر المنزل. إلى أن دعيت مع وفد صحافي إلى لندن، مما اضطرني إلى وداع الأمير قبل المغادرة من قبيل البروتوكول. وما إن رأني حتى بادرني قائلا: «وما الخطب إذا تأخر الواحد شهرًا أو شهرين لكي يدخل المجلس النيابى؟». وكان ردي: سمو الأمير، صدقنى وبأمانة.. كان عندي هوس في النيابة، ولكن الآن عفت نفسي كل النيابات وحضوري إلى هنا، هو من أجل استئذانكم بالسفر إلى لندن فقط.
وفي لندن، تعرفت على عبد الكريم قاسم، ويومها كان ضابطا في الملحقية العسكرية في السفارة العراقية. وقد احترمني وأكرمني كثيرا. وكان عبد الكريم قاسم يحاول البقاء معي أطول مدة ممكنة. ورغم أنه أكرمني كثيرًا لكن لم أكن أعرف اسمه. ويوم فجر «ثورة تموز» لم أعرفه إلا من صوره. وللحديث عن عبد الكريم صلة في ما بعد.
وأثناء وجودي في لندن كتب إلي صادق البصام رسالة يقول فيها: «أبو فرات، لماذا العناد وكأنك صنعت من خشب؟ يجب أن تتحلى باللين والنعومة». وكان جوابي: ما قلته للأمير حول النيابة لم يكن مجرد كلام. والآن، كل ما أتمناه هو أن أرسل في بعثة دراسية حيث أرتاح وأكسب لغة جديدة. وثق أن كسب لغة أحلى وأجمل من كل النيابات.
وأثناء وجودي في لندن، أقام الأمير زيد بن الحسين، شقيق الملك فيصل الأول وسفير العراق آنذاك في لندن، حفل استقبال دعا إليه كبار الإنجليز ومن بينهم كورنوالس الذي كان يلقب في العراق بالملك غير المتوج.
وأثناء الحفل إذ بالأمير زيد ومعه شخص جليل قدمه إلي قائلا: «أقدم لك السير ماكماهون أبو القضية العربية». وبكل شعوري الوطني قلت له: سيدي أنا أعرف أن أبا القضية العربية هو والدكم. عندها قال لى: «دع والدي ووالدك جانبًا».
وخلال إقامتي في لندن، قيل لى إن الأمير عبد الإله يريدني. لكني لم أهتم بالموضوع إلى أن جاءني أحد الضباط يقول لي إن الأمير ينتظرني في فندق «الكلاريدج». فقلت له: سأذهب فيما بعد. قال: الأوامر صدرت إلينا أن نحملك – إذا اقتضى الأمر – حملا إلى الفندق.
وفي الفندق، قال لي الأمير: «أين أنت؟ هات حوائجك وتعال إلى هنا لتقيم بيننا». وشعرت بالحرج. أنا في ذلك الوقت «معبود الجماهير» في العراق، فما معنى رجوعي مع الأمير؟ وبكل براءة قلت له: أنا آسف.. لقد حجزت. نظر إلي مليًا وأجابني: «أهذا عذر؟ ألغ الحجز». فكان جوابي: يجب أن أعود إلى بغداد، وفي أقصى سرعة.
ولدى وداعه قال: «لقد كتبت لصالح جبر، رئيس الوزراء آنذاك، بخصوص النيابة».
وبالفعل انتخبت نائبًا في المجلس النيابى. وكان ذلك في أواخر عام 1947.
بعد فترة بسيطة، أعلن عن «معاهدة بورتسموث» وقامت قيامة الجماهير ضد الحكومة والحكم. وقامت المظاهرات والمعارك حيث استشهد أخي جعفر في معركة الجسر الباسلة.
وجن جنوني. ولم أعد أميز بين الأبيض والأسود. ونظمت قصيدتي الشهيرة وهي رثاء لأخي جعفر  ثم قدمت استقالتي من المجلس النيابي:
بعد الاستقالات في المجلس النيابى، حل المجلس وبدأت معارك الانتخابات من جديد. واشتد الصراع بين الإنجليز والأميركان. والإنجليز لم تكن لديهم الرغبة في عودتي إلى المجلس النيابي عكس الأميركان. ودخل الأمير عبد الإله المعركة. لقد كان الأمير يخطط لشيء آخر. كان يريد أن يكسبني ويكسب معي جماهير غفيرة. وبإنصاف أقول: كان عبد الإله من القلائل الذين يعتزون بكرامتهم، وكان يعتبر أنه أمير بحق ويجب أن يمارس دوره في الإمارة. كان الأمير صلبًا. وكان يعرف أن الإنجليز يريدون مقاسمته السلطة في بلاده. وهناك حقيقة سيكشفها المستقبل، وهي أن الإنجليز هم أول من عمل على إزاحة عبد الإله، لأنه – كما قلت – كان عنيدا وقويا وذا كرامة. ولا ينسى أنه أمير وابن الملك علي بن الحسين وأن السلطان عبد الحميد كان عندما يحضر إلى مجلس الملك يقبل يد جده الحسين لأنه شريف مكة.
وحاول الأمير، كما قلت، إدخالي إلى المجلس النيابي. وفي أحد الأيام قال لي: «مهدي. لقد فرغ مكان في المجلس النيابي فاستعد لذلك». وبدل أن أشكره على عرضه. كان ردي نابيًا. إذ قلت له: لا أريد نيابة عن طريقك بل أريدها عن طريق الشعب. لقد تصرفت مع الأمير التصرف غير اللائق. وما زلت حتى الآن نادما على تصرفي ذاك. ورفضي للنيابة كان رفضا غير لائق ودفعت ثمن ذلك غاليا.
من أعلى المراكز طلب مني أن أكون في المجلس. والجماهير كانت تطالب بي لأمثلها. والأمير عبد الإله يخوض معركة مع الإنجليز من أجلي. وأنا! حضرتي أرفض عرض الأمير. لماذا؟ وما هي الأسباب التي من أجلها أرفض النيابة؟ نعم لأنني أريد الوصول عبر الشعب. وليس بمؤازرة الأمير.
صحوت على نفسي بعد خمسة أيام. فوجدت أنني أخطأت الخطأ الفادح. وبالطبع دفعت ثمن غلطتي – كما قلت – غاليا: عشر سنوات. من عام 1948 إلى عام 1958.كنت خلال هذه الفترة شبه جائع. كما أنني لم أستطع أن أخدم شعبى ولا حتى كلمتي. هذه من أخطائي الكبرى. ولا أغفرها لنفسي حتى اليوم .

(من ذكريات الجواهري التي املاها على
 الصحفية هدى المر في مجلة المجلة 1982)



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية