العدد (4457) الاربعاء 26/06/2019 (إمام عبد الفتاح إمام)       إمام عبد الفتاح إمام.. العيش مع الفلسفة والديمقراطية       إمام عبد الفتاح إمام.. هموم الهيجلي الأخير       إمام عبد الفتاح إمام ونظرية الحاكم المستبد       إمام عبد الفتاح إمام في الخالدين       خدام الفلسفة: إمام عبد الفتاح إمام       إمــــــام.. فيلسوف هيجلي عربي       العدد(4455) الاثنين 24/06/2019       الملكة عالية واسرتها وفاة الاميرة جليلة .. إنتحار ام ماذا ؟       في 26 حزيران 1948 عندما اصبح مزاحم الباجه جي رئيسا للوزراء    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :35
من الضيوف : 35
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 25941257
عدد الزيارات اليوم : 2115
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


طرائف من مذكرات اللاعب الدولي جمولي عباس

أحببت النهر منذ الطفولة لأن  والدي كان يستعين بمياهه وبماكينة أصحاب المزارع ليسقي لهم بساتينهم , كنت  أقف إزاء نهر دجلة في المنطقة التي تحاذي اليوم جسر الصرافية وأتأمل , كانت  تحركني أشياء كثيرة , الأمواج مثلا تجعلني أفكر بالمستقبل ..مستقبل مجهول  في مكان فقير .. إلا إنني من خلال طفولة حية كنت أتسلل إلى منطقة شارع  الزهاوي لألعب مع أولاد أمين العمري ألعابا مختلفة منها كرة القدم والركض  وألعاب الطفولة المعروفة آنذاك ,


 وكان أولاد العمري يرتدون الأحذية الرياضية المناسبة وأنا ( حافي القدمين ) لأنني كنت أخشى على حذائي من التلف لأن أبي فقير لا يمتلك القدرة على شراء غيره بين فترة وأخرى .. دخلت مع صبية الحارة إلى ( الملا ) وكان أسمه سيد حيدر , لا أحبه ولا أحب تعليمه ومضيت أهرب منه حتى ألعب في ساحة الكشافة أو المنطقة القريبة لبيت أولاد العمري . في البداية تميزت عن زملائي بالضربة القوية والركض السريع وأنا حافي القدمين في اللعب , كنت لا أطيق لبس الحذاء حيث إنه يضايقني حتى في المشي , ومرت الأيام وانتقلنا إلى شارع الزهاوي بعد أن تعاون أبي مع عمي وتم نقلنا من منطقة خان الحاج محسن , وبذلك اقتربت إلى ملعب الكشافة وإلى زملاء الطفولة أولاد العمري ... ومن هنا تبدأ قصتي ورحلتي مع كرة القدم ..في البداية اتفقنا على صناعة كرة من الورق ( ومربوطة ) بقماش متين ولكن سرعان ما كانت تتمزق ونصنع غيرها وهكذا , ثم تطور الحال وأخذنا نصنع كرة القماش التي توضع داخل ( فردة جوارب) إلى أن وصلت الرغبة عند أولاد العمري أن يشتروا لنا تجهيزات رياضية وملابس ومنها الكرة الصغيرة التي تستعمل للتنس اليوم .. أول لقب حصلت عليه من أقراني كان لقب ( الطيارة ) وهذا اللقب جاء بسبب سرعتي بالجري مع الكرة وبدونها .. وذات يوم جاء الملا السيد حيدر يشكو لأهلي انقطاعي عنه وحصلت في حينها على توبيخ من أمي وعلقة من أبي واتفقنا على أن لا أغيب عن الملا .. ولكن حب الكرة ملك كل جوانحي مما جعلني لا أبر بوعدي وساقتني قدماي لملعب الكشافة من غير أن أشعر !! وأخذ السيد حيدر يراقبني إلى درجة إنه تسلل في أحد الأيام من على جدار ملعب الكشافة للجهة المحاذية لمنطقة الكسرة ودخل الملعب , وما أن رأيته هربت من خوفي وتركت ( الدشداشة ) التي كنا نصنع منها عوارض للهدف ولم أقف إلا عند باب المعظم أمام متوسطة الغربية وأنا بالفانيلة والسروال القصير !! فأخذ الملا الدشداشة وذهب بها إلى البيت ليؤكد لهم مخالفتي وهروبي من دروسه وتعاليمه.
مرت السنون وحان موعد الدخول إلى المدرسة وتم قبولي بمدرسة العسكري الابتدائية عن ميلاد سجل خطأ بزيادة سنتين بينما سن ولادتي في الأصل هي سنة 1927 .. وطبعا دخلت المدرسة وأنا لاعب معروف على مستوى الأزقة والحارات المتداخلة فيما بينها في ذلك الوقت , ولم ألعب لفريق المدرسة في البداية خوفا من أهلي ولكي لا تضيع السنون كما ضاعت عند (الملا ) السيد حيدر , ولم يطل بي الوقت حتى أجبرني معلم الرياضة باللعب مع فريق المدرسة, وجاءت مشكلة الحذاء فأنا لا أتمكن من ارتدائه ولا يجوز اللعب بدون حذاء مع فرق المدارس فأضطر معلم الرياضة أن يشتري لي حذاء مصنوعا من القماش ( يشبه الكيوة القديمة ) ولعبت في فريق المدرسة بهذا الحذاء , أما في محلتي فلعبت بدونه وعندما كنت أعود إلى البيت كنت أغطي قدمي بملابسي لكي لا يكتشف أهلي الجروح والكدمات التي تصيبني جراء اللعب بدون حذاء , ولكنني لم أبال يوما بها ولم أشك لأحد آلامها .. لعبت بمركز خارج يسار في المدرسة وتميزت باللعب الجيد وازدادت سرعتي وتطورت موهبتي وباتت كرة القدم تتحكم بكل تصرفاتي حتى صرت أدخل ملعب الكشافة ولا أخرج منه حتى غروب الشمس وأحيانا نلعب في الظلام , ولولا الحارس الليلي وصرامته لبقينا حتى منتصف الليل في الملعب.
كان أهلي يبدون اهتماما زائدا بأخي مسعود لأنه ( شاطر ) ولا يرسب في الامتحانات , وكنت أعاني من هذا الحب والاهتمام به لكن حب الكرة جعلني لا أبالي بحب غيرها فهي الغادة الحسناء التي لا أشكو جراحها .. في منطقة الكسرة برز حميد جبر وزوده وهما اللاعبان اللذان لا يحسنا ارتداء حذاء اللعب أيضا فانضممت إليهما وكنا نسمى ب ( حفاة الكسرة ) !! ومن قوة أقدامنا تعلمنا الضربة القوية المتقنة وكانت بعض الفرق المعروفة في ذلك الوقت يطلبون منا أن نقف خلف الهدف حتى نعيد الكرات إلى الملعب .. كانت السعادة تغمرني تماما عندما يتدرب فريق القوة الجوية وغالبا ما أتبرع بالوقوف خلف الهدف لأعيد لهم الكرات .. وفي أحد الأيام أقترب مني الملازم معروف ضابط ألعاب القوة الجوية وهو لاعب في الفريق أيضا وعرض عليّ فكرة اللعب معهم مقابل مخصصات نقدية لأنه أعجب كثيرا بقوة ضربتي وطريقة توجيهها , لكنني رفضت على الرغم من ضيق اليد وأتساع حجم عائلتنا , والوالد بلا معين في حين كنت أقتل الوقت باللعب , حتى بالمدرسة توقفت عند الصف السادس إلى أن جاء موعد سوقي للخدمة العسكرية !! لكن والدي باع معظم حاجيات البيت ليدفع لي البدل النقدي , وهكذا أعفيت من الخدمة العسكرية لكنني لم أستفد من فرصة معاونة أبي وذهبت ثانية إلى ملعب الكشافة وأزداد شغفي بنجوم القوة الجوية وتعلقت كثيرا بالمرحوم طه عبد الجليل وناصر جكو وهادي عباس وغازي وتوما وغيرهم من أفذاذ الكرة في تلك الفترة ..وأخذت أرقب تحركاتهم خصوصا المرحوم طه عبد الجليل حيث كان متميزا بالقوة وقطع الكرة بالرأس وله إمكانية عالية السيطرة وضربات الجزاء وكان رحمه الله ماردا ضخما يخشاه اللاعبون كثيرا .. بعد أن تم إعفائي من الخدمة العسكرية طلب مني الأستاذان سعدي الدوري وإبراهيم حلمي حسن أن ألعب لفرق نادي الأعظمية , في البداية شعرت بالانكماش ولكنني استجبت للطلب بعد أن تعهدوا في مساعدتي وكانت تلك هي بدايتي في اللعب مع الفرق المنظمة , وبنادي الأعظمية ذاع صيتي وأخذنا نلاعب الفرق العسكرية المعروفة , ومن خلال هذه المباريات كان هناك الكثير ممن يرصد تحركاتي بالملعب حتى جاءني العرض الجديد للدخول إلى الجيش مع المغريات الكبيرة .. فرفضت وأنا أفكر بأني أجبرت أهلي أن يبيعوا أعز حاجياتهم حتى يدفعوا البدل النقدي وها أنا اليوم أذهب برجلي لكي أتطوع بالجيش ..!! سخرت من نفسي وقررت أن لا أستجيب للطلب .. لم تستأثر العروض المغرية اهتمامي لكي أنضم للقوة الجوية أو فريق الحرس الملكي لأن ظروف وطريقة دفع البدل النقدي بعد أن خسر أهلي أعز لوازمهم البيتية كانت تجعلني وكأنني أتنكر لذلك المعروف السخي !! ..لكنني عن طريق من أعرفهم تم تعييني معتمدا لتوزيع الكتب الرسمية في وزارة الشؤون الاجتماعية آنذاك .. لم تنفك عني ملاحقة مسؤولي الفرق العسكرية فتارة يأتي الضابط بنفسه وأخرى يبعث بوسيط أو مندوب لأجل إحراجي واستغلال خجلي وقد بذل السيد سعدي جاسم واللاعب صابر لطيف جهودا كبيرة لإقناعي بالعدول عن هذا الإصرار والمقاطعة بالالتحاق لصفوف الفرق العسكرية .. ولكنني كنت أرفض دائما !!.. انتقلت إلى الصحة العامة بنفس الاستخدام السابق , ولكن سرعان ما كنت أذهب بعد عودتي من الدائرة إلى ساحة الكشافة وصرت أرقب طريقة تدريب المدرب الانكليزي ( رينر ) المنتدب للعمل بالعراق في ذلك الوقت .. ورينر يعمل مدربا بالمعهد العالي للتربية الرياضية وطلابه إسماعيل محمد وإسماعيل حمودي وعلي محسن ومحمود القيسي وغيرهم من الرعيل الأول للرياضيين البارزين في المعهد العالي , وقد عهد بمهمة تدريب المنتخب إلى رينر وألتحق زميل الطفولة حميد جبر إلى صفوف المنتخب وكنت أعيش المتعة وأنا أشاهد تدريباتهم في ساحة الكشافة ولأول مرة في حياتي الرياضية أتابع بدقة طريقة التدريب الحديثة في ذلك الوقت , فنحن عشنا ولعبنا على الفطرة والموهبة وبمثل ما كان نبات الأرض يتسع بما وسعت كانت عيوننا تزداد رؤيتها حجما ومسافة لملاحقة ومشاهدة كل ما هو جديد في عالم اللعبة التي أصبحت زادنا لرحلة العمر والمستقبل المجهول .. 
بلغ الإلحاح درجة لا تطاق من المسؤولين لكي أدخل صفوف الجيش حتى وصلت الملاحقة من البيت إلى الدائرة إلى الحارة إلى ساحة الكشافة !! وعندما ضاقت بي المسالك إضافة إلى قلة الأجور التي كنت أتقاضاها مما جعلني أستسلم للأمر الواقع ودخلت الجيش برتبة جندي مطوع بعد أن دفعنا البدل النقدي عن الخدمة الإلزامية !!.. التحقت بفريق الحرس الملكي يوم 4 شباط 1947 ولعبت أيضا بمركز خارج اليسار وصادف في فترة التحاقي أن أقيمت مباراة الكأس بين نادي الأعظمية الذي كنت ألعب له وفريق السينما والتمثيل , وكان يلعب معنا في نادي الأعظمية على ما أتذكر إسماعيل حمودي وعدنان أمين زكي وعبد الودود خليل وأخوه سميع واحمد عبد الرزاق وهاشم عبد الجليل .. ولكن المسؤولين عن فريق الحرس لم يسمحوا لي باللعب مع نادي الأعظمية , وتم رجاء المرحوم ناظم الطبقجلي من قبل مسؤولي نادي الأعظمية فوافق ولعبت مع الأعظمية ولكننا خسرنا الكأس إلى فريق السينما والتمثيل !!.. انقطعت علاقتي بنادي الأعظمية وبدأت الحياة الجديدة تبتسم لي وأزداد تفاؤلي بعد أن سمعت أكثر من رأي خبير يتحدث عن المستقبل الكبير الذي ينتظرني لأنني أجمع بين الموهبة والتعلم السريع مع الطاعة وضبط النفس !!.. في البداية تعرفت على الوسيط الذي بذل جهودا كبيرة لإقناعي اللاعب صابر لطيف وكان هناك إسماعيل مهدي ومحمد مرهون وعلي إحسان وبعد أيام قليلة ألتحق فخري محمد سلمان المعروف بأبي ليلى .. واصلت تدريبي المستمر في فريق الحرس الملكي بإشراف الأستاذ إسماعيل محمد وانتقلت لمركز شبه اليسار لإصابة أحد لاعبينا وأديت واجبي بالتمام في هذا المركز ..وذات مرة أصيب لاعبنا حسن جواد الذي كان يشغل مركز شبه الوسط عن جدارة فلعبت في هذا المركز في عام 1949 وهذا التاريخ حدده بالضبط الأستاذ إسماعيل محمد ومنذ ذلك الوقت وحتى يوم اعتزالي عام 1966 لم أتخل عن هذا المركز وبرعت في أداء المهمة به وفي حينها قال الأستاذ إسماعيل إن جمولي يصلح للعب في جميع المراكز .. وفي عام 1950 زار بغداد منتخب الباكستان لكرة القدم ليلعب مع فريق الحرس الملكي مباراة ودية ويومها كنا نسمع عن مستوى الباكستان الجيد فاستعان فريقنا باللاعبين ناصر جكو وعادل بشير .. وفي يوم المباراة فوجئنا بنزول اللاعبين الباكستانيين ( حفاة ) ومن غير أحذية للعب وكانوا يربطون أمشاط أقدامهم ب ( لفاف )..
مرت الأيام وتعرض فريقنا الحرس الملكي إلى هزيمة قاسية أمام الفريق العسكري في كركوك حيث خسرنا وفي ملعبنا بهدف واحد مقابل لاشيء , وأثارت هذه الهزيمة حفيظة النقاد و المراقبين لأنها غريبة ومفاجئة .. لأن من الصعب أن نعطي خسارة مع فريق أقل منا شأنا ومستوى فقد تأثر المسؤولون عن الفريق تأثرا بالغا وتزعزعت الثقة بنا وكانت نكبة وكبوة مثقلة بالألم .. والمباراة التي أحدثكم عنها كانت ضمن بطولة الجيش السنوية ومبارياتها كانت تقام على طريقة التسقيط المزدوج , فالذي يخسر مرتين يخرج من البطولة .. وعليها عندما خسرنا صممنا أن نهزم جميع الفرق الأخرى ونلاعب فريق كركوك على الكأس .. وحل موعد المباراة الختامية ومع حلول موعدها أطلقت الإشاعات عن خسارتنا ثانية وإن اللاعب عادل عبد الله من كركوك مصمم على تسجيل أكثر من هدف برغم وجود جمولي في الدفاع !!.. خضنا المباراة بعزيمة راسخة وتصميم لكي نثار لهزيمتنا السابقة ونرد اعتبار فريقنا وفي ضوء الإشاعات قررت أن ألقي القبض على عادل عبد الله لأمنعه من الوصول إلى الهدف وفعلا وضعت الحواجز الصعبة أمامه وسجلنا في مرمى فريقه ستة أهداف نظيفة مقابل لاشيء لهم .. وبعد هذا الفوز تأكد للجميع إن المباراة الأولى كانت تحت تأثير ظروف غامضة لا تلتقي والنتيجة التي حققها الفريق في مباراة الختام .. كانت روح التفاهم الودي هي الشائعة في علاقاتنا وأتذكر مرة وفي إحدى المباريات المحلية سجل ضدنا فريق الكلية العسكرية هدفا مبكرا وسريعا أثار دهشة الحاضرين , وقبل أن نضع الكرة في اللعب لاستئناف المباراة همست في أذن اللاعب الجماهيري المعروف عمو بابا وقلت له ( عندما تعاد الكرة لي من حركة البداية انطلق أنت بكل طاقتك وسترى الكرة أمامك ) .. وبالفعل انطلق عمو بابا وأعيدت الكرة لي فرفعتها عالية أمام منطقة الجزاء وهناك ألتقي بها عمو بابا وقذفها قوية سريعة ليسجل هدفا ثأريا خلال أقل من 30 ثانية , وكان هذا الهدف يمثل ذروة التفاهم ويؤكد جدارة عمو بابا في استغلال الفرص وتسجيل الأهداف .. ومع أحداث الكرة المثيرة ومع همومها وأفراحها رزقت السيدة قرينتي بمولودتنا الأولى ( مها ) وقد ملأت عليّ حياتي , وكانت مها وجها خيرا لحياتي الرياضية ولنجاحاتي في المستقبل..
مجلة ( الاذاعة والتلفزيون ) لسنة 1977



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية