العدد (4436) الخميس 23/05/2019 (هاشم الوتري)       شيخ الأطباء الدكتور هاشم الوتري       الدكتور الوتري .. بين الوزير ونوري السعيد       الدكتور كمال السامرائي يتحدث عن رحيل الوتري       عندما حضرت حفل تكريم الدكتور الوتري سنة 1949       عندما أصبح الوتري عميداً لكلية الطب       مع الجواهري في قصيدته عن الوتري.. الأكاديمية العراقية بين التنوير والتحجير       هاشم الوتري       العدد (4435) الاربعاء 22/05/2019 (الطيب تيزيني)       تيزيني والسيرة الذاتية المفتوحة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :32
من الضيوف : 32
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 25430863
عدد الزيارات اليوم : 7409
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


في ذكرى رحيله في 15 مايس 1944 ابراهيم صالح شكر وايام الوداع الاخير

رفعة عبد الرزاق محمد
عندما   قامت الحرب العراقية البريطانية سنة 1941 وهو بمنصب قائم مقام خانقين اعلن  ابراهيم صالح شكر  تاييده لها ببرقيتين مشاركا الناس في امنياتهم الوطنية  البعيدة عن الاعيب  السياسيين . وبعد انتهائها نقل الى قائمقامية قلعة صالح  . ثم فصل من وظيفته  في تشرين الثاني 1941 عقابا له ، وهو في حالة نفسية  سيئة ، اذ اسلم نفسه  الى الهواجس والخوف ، ولعل شبح الاعتقال والنفي كان  يهدده في كل لحظة ، فضلا عن الامراض التي تناوبت عليه وفقره .


 لكنه حاول الاستدراك على ذلك ، فما ان اعلنت وزارة نوري السعيد الحرب على دول المحور عام 1943 ، اهتبل الفرصة وكتب برقية الى السعيد ، فاعيد الى الخدمة الحكومية بوظيفة في مكتبة الاوقاف العامة براتب قدره ثلاثون دينارا . وكانت تلك من الايام السود في حياته وتاريخه الوطني .

 يذكر الاستاذ عبد الحميد الرشودي : ولكنك اذا نظرت اليه  من زاوية اخرى وتأملت رجلا اتى الطاعون في الماضي فاردى اباه وامه وجدته ، ودبّ مرض السل في جسمه وبدأ يزحف الى اولاده وزوجه ، ونظرت اليه وهو يتأمل سجل حياته بين طفولة بائسة وشيخوخة يائسة ، التمست له العذر ، ومهدت له سبيل العفو ، يضاف الى ذلك انه ما أراد من برقيته الا متاقاة خصومه لا تقواهم ، ولا عجب في مثل هذه المواقف اذا طاشت الاحلام وزلت الاقدام .
  هل استولى عليه الشعور بالذنب ؟ وقد بلغته اخبار استياء اصدقائه المعتقلين في الفاو والعمارة ممن شايعوا حركة مايس 1941 ؟.
  عندما فصل من الوظيفة كان يقضي ساعات طويلة في مخزن مكتبة المثنى وهو يطالع كتب التصوف واخبارالصوفية ، ولعلها كانت تداوي جروحه النفسية وتخفف من ازمة الضمير وتبعد عنه شبح الاعتقال . ذكر الاستاذ خالد الدرّة : رأيته صدفة في مكتبة المثنى يقلب احد الكتب ، فسألته مداعبا هل تقرأ يا ابا رياض ما يفيدك في الشتم والسباب ؟ فبدى عليه الانفعال والتأثر وقال وقد اغرورقت الدموع في عينيه : يا خالد انني لااستحق هذا الشتم ... .
ويذكر المرحوم الكتبي قاسم محمد الرجب في مذكراته : بقي الاستاذ شكر مدة طويلة على هذه الحال ، حتى نشر اسمه ذات يوم في الصحف الصباحية ، واذيع من محطة الاذاعة من جملة المعتقلين . تألمت وتشوشت عليه ، ولم اتمكن من ان اسال احدا عنه لما اصاب الناس من هلع وخوف . ولكنني بعد يومين رأيته يأتي كعادته ، ففرحت بافلاته من الاعتقال اي فرح ، وسألته كيف نجا من ذلك ؟ فقال اسمع لاقول لك سرا وارجو ان تخبر عن لساني باني مدين بحياتي هذه التي ساحياها الى نوري السعيد ، نعم الى نوري السعيد ، فعلى الرغم مما كان قد حصل بيني وبينه ، وتناولته بالنقد والشتم في الجرائد والمجالس ، فعفا عني وطلب من وزارة الداخلية والمعنيين بالامر ان يشطبوا اسمي ، وانت ترى ان سائر المعتقلين قد اودعوا قطار الصباح وابعدوا عن بغداد ، فلو اعتقلوني لما عشت يوما واحدا وانا على ما ذكرت ، فاحمد الله على ذلك ,.
شعر ابراهيم صالح شكر بدنو اجله فكتب الى صديق له في بيروت رسالة ينعى بها نفسه ويطلب الى صديقه امين نخلة ان يستعد لرثائه وقد جاء في الرسالة ( .. وصل كتابك الاخير والشمعة تذوب والذبالة ترتجف وما ادري ! اهذه الكلمات هي اخر ما امليه على ولدي رياض ام اني قادر على ان استقبل مشرق الشمس ومشهد الغروب في مستقبلي المكتظ بالمحن والاكدار . وما ادري اتهز الفاجعة اخي الحبيب امين نخلة فينشد مرثية الفجر في مأتم الشفق .. .
 وقد ابتلى في سنواته الاخيرة بمرض السكري وداء السل ، وقد اجتمعا وسارا به الى الموت في مساء الخامس عشر من مايس 1944 . ووري الثرى في مقبرة الغزالي ببغداد ، ليسدل الستار على حياة نابغة عاش بين المأساة والاحلام وحب الوطن وعشق الصحافة .
واود هنا بيان امر له صلة يالهزيع الاخير من حياة ابراهيم صالح شكر. فقد سمعت من العديد من الافاضل ان نفسية شكر ازدادت سوءا بعد ان اعدم صديقه يونس السبعاوي الوزير في حكومة الكيلاني في حركة مايس 1941. ولهذا قصة مؤلمة. فقد كان السبعاوي من اشد اصدقاء ابراهيم صالح شكر، وحدث يوما ان دار بينهما جدل حاد تاثر له ابراهيم من كلمة صدرت من السبعاوي اعتبرها ماسة وتحملها على مضض. وقاما سوية وذهبا الى مجلس محمود صبحي الدفتري (صالون الجمعة). وعندما وصلا محلة الحيدرخانة حيث بيت الدفتري امسك شكر بتلابيب السبعاوي وقال: اذهب الى دارك واجلب مسدسك لانني اريد قتلك لانك اهنتني.... ولكن السبعاوي لاطفه واعتذر منه وخفف من عصبيته. وبعد ان انتهت المشكلة حدث ان اغمي على شكر في مجلس الدفتري، حتى اذا استفاق التفت الى السبعاوي يقول:.. يا يونس اني اراك اليوم تصعد على سلم المجد فهل يكتب ان اراك على المشنقة قبل ان اموت؟.
  ومضت الايام واصبح السبعاوي وزيرا في وزارة رشيد عالي الكيلاني، وتطورت الاحداث فهرب السبعاوي الى الاراضي الايرانية. ولم ينس وهو في طريقه الى الحدود ان يزور صديقه ابراهيم صالح شكر قائمقام خانقين ليودعه ويقول له مداعبا: امنيتك يا ابراهيم في رؤيتي معلقا بحبل المشنقة قد خابت... غير ان العمر امتد بشكر ليشهد اليوم الذي شنق فيه صديقه السبعاوي، وكان ذلك اشد ما كان يؤلمه ويحز في نفسه. وقد ظل شبح السبعاوي يطارده في نومه ويلاحقه في يقظته، لاعتقاده ان تلك الكلمة التي قالها في ساعة الغضب قد بقيت عالقة في ذهن السبعاوي وترن في اذنيه عندما صعد الى المشنقة. بقي شكر يتذكر ذلك بالم وبكاء ويردد امام اصدقاء له: ليتني لم اقل تلك الكلمة. وقد انحدرت صحتة كثيرا بعد اعدام السبعاوي حتى اسلم الروح.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية