العدد (4487) الخميس 08/08/2019 (خزعل مهدي)       يِلعبْ أبو جاسم حلوة مَلاعيبه…!       الإيقاعُ في أغنية ((جوز منهم))       خزعـل مهدي.. الذي يستحق تمثالا من عسل!       جوانب أبداعية لخزعل مهدي       خزعل مهدي .. شهادات وذكريات       مع رحيل خزعل مهدي.. الذاكرة البغدادية بين مطرقة غياب روادها وسندان الراهن البذيء       خزعل مهدي الشمولية في الفن       خزعل مهدي.. سطور من ذهب       من هو خزعل مهدي ؟    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :46
من الضيوف : 46
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 26777203
عدد الزيارات اليوم : 4277
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


من تاريخنا الصحي .. عندما كانت البلهارزيا تفتك بالعراقيين

في الخمسينيات.. كان (20%) من سكان العراق مصابين بالبلهارزيا

د . حيدر حميد رشيد
تعد  البلهارزيا المشكلة الصحية الثانية في العراق بعد الملاريا من حيث   الأهمية ، ان النوع السائد في العراق هو بلهارزيا الجهاز البولي ، وأن "  قواقع البولاينس " هي الناقل للمرض، ويعيش في المياه الراكدة ، وينتقل إلى  جسم الإنسان عن طريق السباحة في الجداول والأنهر والترع والبرك والمستنقعات.


وعلى وفق تقديرات "مديرية معهد الأمراض المتوطنة"  كان هناك نحو مليون إصابة بالمرض بين سكان الأرياف في المنطقتين الجنوبية والوسطى من العراق في أوائل خمسينيات القرن الماضي ، أي أن نحو (20%) من سكان العراق كانوا مصابين بالبلهارزيا . ان هذه التقديرات بنيت في الأساس على ما أخذ من جداول المرضى الشهرية التي كانت تسجل وقائعه استناداً إلى الفحص السريري ، وما يدعيه المرضى ، فضلاً عن مراجعاتهم المتكررة من أجل العلاج والتداوي ، إذ كان تسجل كل واحد منهم وكأنه حالة مرضية جديدة ، الأمر الذي يدعونا إلى الشك في هذه التقديرات،  وتكمن صعوبة المرض أن معظم المصابين لا يراجعون المؤسسات الصحية لتلقي العلاج اللازم، ولاسيما النساء ، وخصوصاً أن أعراضه لا تظهر على الأشخاص المصابين الا بعد مرور مدة طويلة يفتك خلالها بالمثانة والكبد والأمعاء وبقية الأعضاء الحيوية في جسم الإنسان. والملاحظ أن البلهازريا تصيب عادة فئة عمرية معينة تحددت بين (21-50) ، وهذه الفئة هي التي يقع عليها عبء العمل والإعالة ، ولاسيما العمال والفلاحين وربات البيوت . وليس بغريب ان توصف البلهارزيا بانها من الأمراض المنهكة لقوى الشعب .
تركز انتشار البلهارزيا بصورة خاصة في المناطق الواقعة جنوب ووسط البلاد ، ويقل انتشاره كلما تقدمنا من مدينة بغداد باتجاه الشمال فهو يكاد ينعدم في الألوية الشمالية الأربعة (الموصل ، أربيل ، السليمانية، كركوك) ، وعلى العكس من ذلك تزداد معدلات انتشاره كلما تقدمنا من مدينة بغداد حتى نصل إلى شمال مدينة البصرة، وتنعدم تماماً في جنوب المدينة لملوحة شط العرب وتبلغ البلهارزيا ذروتها في مناطق الأهوار، إذ تشكل المياه العذبة والقليلة الملوحة والسواقي البطيئة الجريان، والمياه الراكدة ، وحقول الشلب ومبازلها بيئة مناسبة لمعيشة قواقع " البولاينس ".
لم تولِ " مديرية الصحة العامة " قبل تأسيس وزارة الصحة اهتماماً يذكر بمكافحة البلهارزيا نظراً لقلة التخصيصات المالية ، وقلة الأيدي العاملة المدربة على أعمال مكافحة البلهارزيا ، ألا أن الاهتمام بهذا المرض بدأ منذ عام 1948 ، إذ تلمّست المديرية المذكورة آنفاً اولى خطواتها في طريق بناء قاعدة يمكن الاستناد عليها في أعمال المكافحة ، فاستقدمت في ذلك العام ولأول مرة خبيراً في مكافحة البلهارزيا.
وفي العام 1949 باشرت هذه المديرية بتدريب عددٍ من ملاكاتها الفنية على أصول التحري والكشف على مرض البلهارزيا في المناطق الموبوءة بها ، من أجل تهيئتهم للقيام بأعمال المكافحة في المستقبل ، ومن أجل تنظيم أعمال مكافحة البلهارزيا استحدث في العام نفسه شعبة خاصة بالبلهارزيا في "مديرية معهد الأمراض المتوطنة"، واستقدمت خبيراً يحمل الجنسية البريطانية للعمل في مديرية معهد الأمراض المتوطنة متخصصاً في شؤون الأمراض المتوطنة ، وقد انيطت به مهمات عدة ، من بينها تدريب عدد من الملاكات الطبية الوسطى على أعمال التحري والمكافحة لمرض البلهارزيا .
وأصدرت الحكومة عام 1952 قانون " مكافحة البلهارزيا والقواقع الناقلة له"، وقد هدفت الحكومة من إصدار القانون إلى الاهتمام بمكافحة هذا المرض ، والحد من انتشاره .
وفي مطلع عام 1953 باشرت "شعبة البلهارزيا" في "مديرية معهد الأمراض المتوطنة" حملة واسعة لمسح المناطق الموبوءة بقواقع " البولاينس " الناقلة لطفيلي البلهارزيا ، والقواقع الأخرى غير الناقلة للمرض ، من أجل دراستها وتصنيفها ، كما أجرت الفرق الصحية المساهمة بالحملة عمليات رش واسعة بمادة كبريتات النحاس وكاربوناته في المياه الملوثة بالقواقع ، وكذلك انهت في الوقت نفسه عملية تحريك المياه الراكدة ، وتنظيف مجاري الأنهار وقلع الحشائش والنباتات المائية من الترع والقنوات، بدأ بعدها خبراء من المعهد بجولات استطلاعية في مناطق المكافحة للوقوف على مدى نجاحها.
اولت الحملة لواءي البصرة والعمارة قدراً أكبر من اهتمامها وذلك لوفرة المستنقعات والبرك والأنهر فيهما ، مما يشكل بيئة ملائمة لتكاثر قواقع " البولاينس " على نطاق واسع . ففي لواء البصرة بدأت الحملة في شهر تموز في العام نفسه وامتدت ثلاثة اشهر شملت أعمال المكافحة فيها ابادة القواقع في جميع أنهر مدينة البصرة والعشار والقرنة، وأجرت الفرقة الصحية فحوصاً مختبرية على (1671) نموذجاً من الأدرار ، فظهر من نتيجة الفحص أن (1042) منها كان مصاباً بالبلهارزيا ، أي بنسبة (62%) من مجموع النماذج المفحوصة.
طالت الحملة مدارس لواء البصرة التي فتكت البلهارزيا بتلاميذها فتكاً ذريعاً ، وحسب الفحوص المختبرية التي أُجريت على (1056) طالباً وطالبة ، فإن (330) طالباً وطالبة كانوا مصابين بمرض البلهارزيا ، أي بنسبة (32%)، وعلى وفق التقارير الإحصائية لوزارة الصحة ، بلغت نسبة الإصابات بمرض البلهارزيا بين طلاب المدارس العراقية في عام 1956 ما يقارب (26%) أي ان نحو ربع الطلاب كانوا مصابين بالمرض واتبعت الإجراءات نفسها في سائر الألوية.
وقد تبين ان طرق المكافحة التي أُتبعت في هذه الحملة وفي الحملات التي تبعتها لم تود إلى تحقيق النجاح المنشود في السيطرة على مرض البلهارزيا في العراق، الأمر الذي اضطرت فيه وزارة الصحة ان تطلب المعاونة الفنية من " منظمة الصحة العالمية" ، وقد جاءت موافقة المنظمة المذكورة على شكل اتفاقية عقدت بين الحكومة العراقية و"منظمة الصحة العالمية" عام 1956 للعمل على إنشاء مشروع يقوم بدراسة وافية للمرض في العراق لمدة سنتين ، من أجل ايجاد طرق جديدة في مكافحة البلهارزيا تكون أكثر فاعلية ، واجدى نفعاً من الطرق التي كان معمولاً بها.
ووفقاً لاقتراح خبراء منظمة الصحة العالمية اختيرت ناحية الطارمية شمال بغداد لتكون موقعاً أولياً لتنفيذ مشروع مكافحة البلهارزيا ولإجراء التجارب الميدانية ، وجاء اختيارها لكون هذه المنطقة موبوءة بالبلهازريا بسبب كثرة الجداول ومسطحات ماء البزل فيها.
بدأت إدارة مشروع الطارمية تطبيق طرق جديدة في مكافحة البلهارزيا ، فلأول مرة جرت وبنجاح تجربة استخدام ماديتين كيماويتين جديدتين ، هما مادة الصوديوم بنتوكلوروفينيت  كقاتل للقواقع في اقنية الري في الطارمية ، ومادة خلاصة الكيروسين كقاتل للأعشاب المائية .

ويبدو ان الجهود التي بذلتها الإدارة الصحية في هذه المرحلة للسيطرة على مرض البلهارزيا لم تكلل بالنجاح ، بل أن أعمال المكافحة التي نفذت في السنوات الأخيرة من العهد الملكي لم تكن ذات فاعلية كبيرة ، فقد ازدادت أعداد الإصابات المسجلة لدى الدوائر الصحية ، وقد أدى ازدياد اقبال الأهالي على مراجعة المؤسسات الصحية إلى الكشفت عن الكثير من الإصابات . وينطوي الأمر المذكور، في الوقت نفسه، على دلالات عميقة ، إذ يؤشر ذلك ان الأهالي ، ولاسيما في الريف بدأوا يقدرون أهمية المؤسسات الصحية ، وأهمية الطب في معالجة المرض، وأدت أعمال مكافحة البلهارزيا إلى الكشف عن عدد كبيرٍ من الإصابات وخصوصاً في المناطق الريفية . أخذالمكافحة بالتصاعد حتى عامي 1956 و 1957 بسبب ازدياد فعاليات الوحدات العلاجية ، وأعمال التحري والكشف عن المرض بين طلاب وطالبات المدارس بصورة خاصة ، وبقية السكان بصورة عامة.

((االأوضاع الصحية في العراق
 1945- 1958 دراسة تاريخية))



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية