العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :63
من الضيوف : 63
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31727192
عدد الزيارات اليوم : 2390
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


الروائي منتحرا .. فرجينيا وولف الساحرة

إبراهيم سبتي
في بداية ظهور موجة الرواية الحديثة، ظهر ملازما لها مصطلح تيار الوعي او المونولوج الداخلي. المصطلح الذي غير مفاهيم الرواية تغيرا مهما سيما ان الكتاب الذين مارسوا كتابة الرواية جعلوا من تيار الوعي شاخصا امامهم لابد من الوصول اليه في رواياتهم، فاوغلوا في تصوير اعماق الشخوص وخباياها وجعل مكنونات الذات في متناول التشريح والتفصيل في السرد مما يعد خرقا للمألوف الروائي الذي كان سائدا.


 ويبدو ان جماعة الرواية الجديدة الانكليز، جددوا في شكل واسلوب الرواية في عصر كانت الرواية في اشد تمسكها بالمدرسة الكلاسيكية المعتمدة على السرد الواقعي لكن جيمس جويس وهنري جيمس وفرجينيا وولف، وضعوا لشخوصهم وصفات جديدة كالاغراق في الكآبة والدوافع النفسية المؤدية الى الانفعال الشديد والحافز الانساني والعاطفي منضوية تحت زمن آخر لم يكن معهودا وهو الزمن المتجدد او فكرة تحطيم الزمن والغاء التراتبية المعروفة له. لقد شعرت وولف في بداية حياتها الروائية، بانها قد لا تصل الى موهبة جويس مثلا.. ولذا كان لزاما عليها ان تنظر له بعين الغيرة سيما انه استطاع ان ينجز مطولته (عوليس) ويقدمها للطبع عام 1918الى دار النشر (هوجارت) او هوغاربريس التابع لها والذي اسسته مع زوجها في عام 1916، ولكنها بدلا من ان تاخذ الامر على محمل الجد وتطبع الرواية، انهالت بالسخرية على موضوع الرواية وراحت تتندر على شخوصها وتستهين بقدرات جويس نفسه. واعتقد جازما بان وولف كانت تخشى من سطوة جويس الروائية في الوسط الادبي الانكليزي مما يؤثر عليها كروائية عرفت طريقها الى الفضاء الروائي الجديد بصدور روايتها الاولى رحلة الى الخارج عام 1915 والتي وصفت بالتقليدية الى حد ما ويبدو ان تأثير عملها الصحفي كان واضحا فيها والمعروف انها بدأت صحفية في ملحق التايمز الثقافي. وبذا لزم عليها ان تواصل السير الروائي بمحنة الوصول الى مستوى كبير يضاهي ما وصل اليه روائيي عصرها. كانت دار النشر الخاصة بفرجينيا وولف قد طبعت ديوانا شعريا لاليوت (الارض اليباب) عام 1922ولم يكن معروفا بعد في الاوساط الشعرية انذاك وحقق الكتاب شهرة عالمية بعد سنوات قليلة. وطبعت روايات وقصصا لاسماء مغمورة ومواهب شابة انكليزية مثل كاترين مانسيفيلد. كما قامت بطبع جميع اعمال فرويد وطبعت مجموعة قصصية خاصة بها.. اما من الادب الاجنبي فقد طبعت لمكسم غوركي والشاعر الالماني ريلكه وبايلر وهنري مود..
وجاء في اسباب رفضها لنشر رواية جويس انها كانت غارقة في الرتابة !! مع ان الرواية عند طبعها خرجت من حدود دبلن مدينة جويس الى كل العالم فاصاب وولف صدمة عنيفة اضيفت الى صدماتها التي كانت تتوالى عليها سواء العائلية او العاطفية ومن ثم الادبية. ويبدو ان وولف اقتنعت بتفوق موهبة جويس عليها، فاتخذت قرارها القاسي بعدم نشر الرواية كرد فعل للتفوق الروائي والمهارة العالية والاسلوب الفني الجديد الذي كتب به. ولم تكن تسخر من جويس بقدر ماكانت تسخر وتشتم روائيين آخرين كانت لهم حظوة في المجال الروائي وخاصة اولئك الذين كانوا يكتبون بالانكليزية. في العشرينيات، فيما كانت لندن تعيش ايام الازدهار الروائي والشعري مقارنة بالمدن الاوروبية الاخرى، بدأت حركة القراءات والنقد القاسي لجميع الاعمال الادبية التي ظهرت لكتاب معروفين او ناشئين على حد سواء.. وكانت فرجينيا وولف تنتقد بكثرة الاعمال الروائية خاصة تلك التي تأخذ حظها الجيد من النقد في الصحافة اللندية.. فكانت ترد ساخرة على اغلب الاعمال المنقودة والناجحة بكلمات تطلقها في جلسات او حلقات نقاشية ادبية بحذلقة وقدرة عجيبة كي لا تثير الاخرين لحساسيتها المفرطة تجاه تلك الاعمال الناجحة فنيا.. ولما كانت وولف لم تنتج طوال حياتها الادبية القصيرة غير واحد وعشرين كتابا في الرواية والقصة والشعر والمقالات الصحفية والنقدية، فانها تعد نفسها من المقلين في الانتاج الادبي الانكليزي عامة اضافة الى اعتقادها بانها لم تشتهر كالاخرين الكبار الذين كتبوا في زمنها.. تلك الوساوس اثرت كثيرا في حياتها الخاصة التي اثارت نوعا من النزعة التصغيرية والنظر للاشياء بغير حجومها.. فهي تنظر للادباء الشباب كقمم ادبية وتنظر الى كبار الكتاب بان اعمالهم رتيبة وغير مفهومة. ويبدو ان ما اصابها من هوس وخوف من عدم بلوغ المجد الذي كانت تحلم به، انه ادى بها الى رفض الحياة برمتها باعتبارها غير مجدية وغير نافعة لها مهما بلغ انتاجها الادبي من آفاق ومراتب رغم انها جددت كثيرا في الرواية وتركت بصمة مؤثرة في التقنية الحديثة من سرد متدفق ومتغير وزمن متداخل وهوس الشخوص وانفعالاتهم والغور في دواخل لم تكن معروفة ولم يتسن لاحد الابحار فيها لصعوبتها ولانها تحتاج الى ثقافة نفسية خاصة. كتبت فرجينا وولف اول اعمالها وهي في الثلاثين من عمرها واول نشر لها كانت رواية رحلة الى الخارج او في ترجمة اخرى (نهاية الرحلة) وهي في الثالثة والثلاثين من عمرها وهكذا انطلقت في عالمها الروائي والادبي بعد استيعابها لمفهوم الرواية التي كان لابد لها ان تكتب في عصرها.. وهذا مايفسر لجوءها الى عوالم الانسان المكبوت والمستفز والغارق في الاحباطات النفسية بعد ان انتشرت في عصرها نظريات علم النفس لفرويد وتأثر جميع الكتاب بها على نحو واضح. وكان من الطبيعي ان تكتب وولف متاثرة باجواء علم النفس الجديد الغائر في وعي الانسان وبواطنه وخفاياه كما هو حال روايتها (السيدة دالاواي) التي تبدأ وتنتهي باسترجاع ذكريات واسترسال مباشر للاحداث في لحظة قيام السيدة دالاواي بالتسوق والسير في شوارع لندن لاعداد حفلة المساء.
 وفي رواية لاحقة هي اورلاندو تتخطى وولف السائد المطلق كليا الى عالم الرواية الاكثر انقلابا في المسيرة الرواية المتعلقة بتيار الوعي بمعرفة تامة بعوالم التخيل الانفلاتي وهي عوالم من الرمزية لبطل ذكوري سرعان ما يتحول الى امرأة. وعن رواية "اورلاندو" كتب خورخى لويس بورخيس يقول: "يبرز فى هذه الرواية – يقصد اورلاندو – الانشغال بالزمن. وأعتقد أنها الرواية الأكثر تميزا بين كل الروايات التى كتبتها فرجينيا وولف، واشدها غرابة ويأسا، وبطلتها تعيش 300 سنة، وتصبح فى بعض الأحيان رمز انجلترا، وشعرها بالخصوص. وفى هذه الرواية المدهشة تمتزج المرارة بالفرح والسحر. " وتلجأ وولف الى العبث بالزمن في رواية اخرى هي (الامواج 1931) التي تدور احداثها في يوم واحد من خلال ذكريات وحوارات داخلية تتعلق بشخص ميت ويتناوب الزملاء الستة بعرض مونولوج داخلي واستظهار المبطن المكتف تحت عباءة السرد، فتداخلت الازمة وتكسر السرد وهكذا تتعامل وولف مع جميع الزملاء بنفس التقنية المؤثرة.. لقد اعتبر بعض النقاد الانكليز ان تيار الوعي عند وولف يتجلى واضحا في تلك الرواية التي اقتطعت لها مكانا مهما بين روايات عصرها وهي ترجمة بالغة لعذابات واجلاء الدواخل الانسانية المكبوتة. وربما ايقنت فرجينا وولف بأن الرواية الانكليزية قدرها ان تسير وفق معايير جديدة اكثر بعدا عن الرواية الكلاسيكية، فاتخذت لنفسها تابو روائي مختلف كليا عن الاخرين الذين ربما سبقوها الى عالم الحداثة، الا انها كانت اجرأ كاتبة نسائية في خوض تفاصيل الحبكة المتداخلة ذات الالتواءات المختلطة بالمكان المتغير والزمن المتداخل. وهي مهمة صعبة لكاتبة ورثت تلالا من الروايات القديمة التي صارت تاريخا يعلوه الغبار ليس الا.
اصيبت الروائية فرجينا وولف بمرض الهوس الاكتئابي وهو مرض الشعراء والكتاب والقت بنفسها في نهر اوزو منتحرة بعد أن أثقلت جيوب معطفها بالحجارة الثقيلة في 28 اذار عام 1941. وتركت اعمالا روائية وشعرية وكتب مقالات نقدية واهم رواياتها كانت :
نهاية الرحلة 1915،الليل والنهار 1919، غرفة يعقوب 1922، السيدة دالواي 1925، اورلاندو 1928، المنارة 1925، الأمواج 1931، فلاش 1933، بين الفصول 1941.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية