العدد (4436) الخميس 23/05/2019 (هاشم الوتري)       شيخ الأطباء الدكتور هاشم الوتري       الدكتور الوتري .. بين الوزير ونوري السعيد       الدكتور كمال السامرائي يتحدث عن رحيل الوتري       عندما حضرت حفل تكريم الدكتور الوتري سنة 1949       عندما أصبح الوتري عميداً لكلية الطب       مع الجواهري في قصيدته عن الوتري.. الأكاديمية العراقية بين التنوير والتحجير       هاشم الوتري       العدد (4435) الاربعاء 22/05/2019 (الطيب تيزيني)       تيزيني والسيرة الذاتية المفتوحة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :28
من الضيوف : 28
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 25431110
عدد الزيارات اليوم : 7656
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


أحلامٌ في زمن الحرب.. مذكّرات طفولة

* ترجمة وتقديم لطفية الدليمي
نغوغي  وا ثيونغو Ngugi Wa Thiongo : كاتب كيني بارز يكتب في حقول الرواية والقصة  القصيرة والمقالة ، وتتناول أعماله مساحة واسعة من الاشتغالات تمتد من  النقد الاجتماعي والانثروبولوجيا الثقافية و حتى أدب الأطفال . اعتاد  واثيونغو على الكتابة باللغة الإنكليزية ولكنه أحجم عنها في مرحلة ما من  تطوره الثقافي وانبرى للكتابة بلغة (Gikuyu) المحلية .


ولد واثيونغو في قرية من قرى كينيا عام 1938 وعُمّد باسم (جيمس نغوغي) جريا على تقاليد الكنيسة التي تخلع أسماء قديسين على أسماء المواليد تيمناً بهم وطلباً لبركة مرجوة ، ثم أكمل دراسته وحصل على شهادة البكالوريوس في اللغة الإنكليزية من كلية محلية في العاصمة الأوغندية كمبالا ، وحصل خلال فترة تعليمه الجامعية أن عُرِضت مسرحية له بعنوان “الناسك الأسود The Black Hermit” عام 1962 . نشر واثيونغو روايته الأولى “لا تنتحب يا طفلي Weep Not , Child” عام 1964 عندما كان يكمل دراسته الجامعية العالية في جامعة ليدز البريطانية وكانت الرواية الأولى التي تنشَرُ بالانكليزية لكاتب من شرق أفريقيا ، ثم نشرت روايته الثانية “النهر الذي بيننا The River Between” التي يحكي فيها عن تمرد قبائل الماوماو ، وقد وصفت الرواية بأنها حكاية رومانسية حزينة للعنف الذي ساد بين المسيحيين وغير المسيحيين في تلك الأصقاع الأفريقية النائية ، وقد اعتمِدَت هذه الرواية ضمن مناهج الدراسة الثانوية في كينيا . جاءت رواية “حبة قمح A Grain of Wheat” لتؤشر تعلق واثيونغو بالماركسية الفانونوية ( نسبة الى فرانز فانون ) ، وبعد نشر هذه الرواية تخلى واثيونغو عن كل من اللغة الإنكليزية والديانة المسيحية وعن اسم ( جيمس ) الذي ألحِقَ به عند العماد معتبرا هذه كلها رموزا كولونيالية . واعتمد منذ ذلك الحين اسم ( نغوغي وا ثيونغو ) وابتدأ يكتب بلغة الكيكويو واللغة السواحلية . كان العمل المسرحي الذي كتبه واثيونغو ( سأتزوج عندما أرغب ) وقدَم عام 1977 رسالة سياسية واضحة دفعت نائب الرئيس الكيني آنذاك ( دانييل أراب موي ) الى سجن واثيونغو في سجن يخضع لحراسة مشددة وقيود صارمة ما دفع واثيونغو إلى الكتابة داخل السجن على ورق التواليت !! . بعد اطلاق سراحه من السجن تم فصل واثيونغو من عمله كأستاذ في جامعة نايروبي و كان للمضايقات الوقحة التي تعرضت لها عائلته بسبب نقده الحاد للحكومة الديكتاتورية أثر بارز في خروجه مع عائلته الى المنفى ولم يعودوا الى كينيا إلا عقب 22 عاماً و بعد أن تمت إزاحة ( أراب موي ) عن السلطة .
تضم أعمال واثيونغو عناوين كثيرة نذكر منها : ( معتقل Detained ) عام 1981 وهي يومياته عندما كان رهن الاعتقال ، ( التخلص من استعمار العقل : السياسات اللغوية في الادب الافريقي Decolonizing Mind : Politics of Language in African Literature ) عام 1986 وهي محاولة في الدعوة الى أن يكتب الافارقة بلغاتهم المحلية بدل اللغات الاستعمارية الاوربية ابتغاء لبناء هوية محلية في الادب الافريقي ، ( ماتيكاري Matigari ) عام 1987 وهي واحدة من اهم اعماله وتتبنى أسلوب هجاء صارخ مؤسس على حكاية فلكلورية كينية . نشر واثيونغو عام 1993 كتابه المهم ( زحزحة المركز : الكفاح من أجل الحريات الثقافية Moving the Center : The Struggle for Cultural Freedoms ) وهو الكتاب الذي وضعته على قائمة الأعمال التي أطمح لترجمتها قريباً .
عمل واثيونغو عام 1992 أستاذا للأدب المقارن ودراسات المسرح في جامعة نيويورك ويشغل اليوم منصب أستاذ اللغة الإنكليزية و الأدب المقارن ومديرا للمركز العالمي للكتابة والترجمة في جامعة كاليفورنيا في إرفين Irvine . نشر واثيونغو سيرته الذاتية في عملين : ( أحلام في زمن الحرب : مذكرات طفولة Dreams in Time of War : A Child Memoirs ) عام 2010 ، واتبعها بعمله الثاني والمكمل ( في بيت مفسر الاحلام : مذكرات In the House of the Interpreter : Memoirs ) عام 2012 . ينبغي الإشارة أن واثيونغو من المرشحين الساخنين لجائزة نوبل في السنوات الأخيرة .
 
المترجمة
______
* ليس ثمّة شيءٌ مثل الحلم له القدرة على خلق المستقبل .
فيكتور هوغو ، البؤساء
* تعلّمتُ
من الكتب : صديقي العزيز
أنّ ثمّة أفرادا يحلمون و يعيشون
متعطّشين توقاً ،،، في غرفةٍ بلا بارقة ضوء
الذين لم يدركهم الموت لأنّه كان يقفُ عاجزاً أمامهم
الذين لم يكونوا ليناموا ابتغاءً للأحلام ، بل حلموا بتغيير العالم ،،،
مارتن كارتر ، أن تنظر في راحة يديك
* في الأوقات الحالكة
هل سيكونُ ثمّة غناء ؟
بلى ، سيكون ثمّة من يغنّي
عن تلك الأوقات الحالكة !!
برتولت بريخت ، موتو
عندما غدوتُ قادراً في سنواتي اللاحقة لطفولتي على قراءة ذلك السّطر من عمل تي. إس. إليوت الذي يقولُ فيه أنّ شهر نيسان هو أقسى الشّهور ( إشارة إلى افتتاحية قصيدة الأرض الخراب ، المترجمة ) بات ممكناً أن أستذكر بعد كلّ قراءة على الفور ما حصل لي في يومٍ نيسانيّ صقيعيّ عام 1954 بمقاطعة ليمورو، التي كان أحد سليلي آل إليوت وهو سير تشارلس إليوت – الذي صار لاحقاً حاكماً لكينيا في العهد الكولونياليّ البريطانيّ – قد جعلها عام 1902 مقاطعة معزولة قائمة بذاتها تحت مسمّى ( الأراضي المرتفعة البيضاء ) ، ومازالت ذكرى ذلك اليوم النيسانيّ تبعثُ الإشراق في نفسي كلّما جالت بخاطري .
لم أكن قد تناولتُ الغداء بعدُ ذلك اليوم ونسيت أحشائي أن تتناول حصّتها المقرّرة من عصيدة الشّعير ذلك الصّباح قبل أن أمضي في مسيرة الرّكض اليوميّة لمسافة ستّة أميالٍ نحو مدرسة كينيوغوري المتوسّطة ، وبالطبع توجّب عليّ قطع المسافة ذاتها في رحلة عودتي إلى البيت ، وحاولتُ بكلّ جهدي أن أكبح جماح نفسي في التطلّع إلى لقمة مشتهاة ليلة ذلك اليوم . كانت والدتي ماهرة في تحضير وجبتنا اليوميّة الرئيسيّة ، ولكن متى ماكان أحدنا يشعرُ بالجوع فإنّ أفضل المتاح أمامه هو أن يجد شيئاً ، أيّ شيء ، يشغلُ باله و يبعدهُ عن التفكير بأمر الطّعام ، وذلك بالضبط ما كنتُ أفعله في العادة وقت الغداء في المدرسة عندما كان الأطفالُ الآخرون يتناولون طعامهم الّذي جاءوا به من بيوتهم وكان ثمّة قلّة قليلة من الأطفال الساكنين قريباً من المدرسة ممّن كانوا يتسلّلون خارجها نحو بيوتهم لتناول الغداء أثناء فترة استراحة الظهيرة . كنتُ أتظاهرُ أمام الأطفال بذهابي إلى مكانٍ ما ولكنّي في حقيقة الأمر كنتُ ألتمسُ الجلوس تحت ظلّ شجرة أو غصنٍ وارف الظلّ بعيداً عن الأطفال الآخرين وبحثاً عن خلوة تعينني على قراءة كتاب ، أيّ كتاب ، رغم ندرة الكتب آنذاك ، وكانت ملاحظات كراريسي الصفّيّة توفّرُ لي بديلاً مرحّباً به و ملاذاً آمناً مغلّفاً بعزلة محبّبة تستطيبُ لها روحي . قرأتُ في خلوتي نهار ذلك اليوم النيسانيّ مقاطع من النسخة المختصرة لرواية ديكنز ( أوليفر تويست ) و كان ثمّة مقطعٌ يرسمُ صورةً لأوليفر وهو يحملُ وعاءً في إحدى يديه وينظرُ إلى الأعلى نحو شخصيّة تبدو مترفّعة وذات سطوة ، وراح أوليفر يخاطبها : “أرجوك ، سيّدي ، هل يمكنني تناول المزيد ؟ ” ، وبالنسبة لي فإنّ سؤالاً مثل سؤال اوليفر لم أكن لأطرحه على كائنٍ من كان عدا والدتي : المتفضّلة و صاحبة الكرم التي أبدت أريحيّة روحٍ فائقة نحوي ولم تكن لتبخل عليّ بشيء متى ماوجدت سبيلاً لتحقيق ذلك .
كان سماعُ القصص والحكايات من الأطفال الآخرين نوعاً آخر من الإلهاء المهدّئ لي وبخاصّة أثناء رحلة العودة من المدرسة إلى البيت والتي كانت محنة أقلّ سطوة من رحلة الصّباح حيث لم يكن ثمّة بديلٌ عن الرّكض ونحن حفاةٌ طول الطريق والعرق يتصبّبُ من ذقوننا تجنّباً للتأخير وما ينجمُ عنه من عقاب حتميّ يناله المتأخّر بجلد ظهره ، وبالتأكيد كانت رحلة عودتنا إلى البيت أكثر إمتاعاً لنا ولم يكن أيٌّ من الأطفال مستثنىً من تلك المتعة فيما خلا هؤلاء الذين توجّب عليهم العودة إلى قرى ( نديّا ) أو ( نغيكا ) اللتين تبعدان ما يزيدُ على العشرة أميالٍ عن المدرسة ، وفي الحقيقة كان من الأفضل لنا دوماً قتل الوقت في رحلة العودة بدل المكوث انتظاراً لوجبتنا المسائيّة من الأكل – و التي ماكانت أبداً منتظمة أو مؤكّدة – ، أو التسكّع هنا وهناك حول مجمّع البيوت الّتي نسكن فيها.
كنّا أنا وكينيث -  صديقي في الصفّ الدراسيّ -  بارعين في قتل الوقت وبخاصة عندما كنّا نتبارى في صعود التلّة الواقعة أمام بيتنا ونحن نتلاعبُ بكراتٍ هي في الغالب ثمرات من التفّاح . ولم تكن طريقة لعبنا بتلك الثمرات بالطريقة الأكثـر يسراً وسرعة في الوصول إلى قمّة التلّة ، ولكن كانت لها فضيلةُ جعلِنا ننسى العالم من حولنا . كنّا في ذلك اليوم النيسانيّ أكبر من الإقدام على ذلك النّوع من الألعاب الطفوليّة إلى جانب أنّ تلك الألعاب لم تكن تتخلّلها أيّة حكاياتٍ يمكن لها أن تحوز على انتباهنا.
كان من عادتنا تلك الأيّام أن نتجمهر حول كلّ من يستطيعُ قصّ حكايةٍ على مسامعنا ، وكان البارعون وحدهم من رواة الحكايات يغدون أبطال اللحظة في أنظارنا ، وغالباً ماكان يحصلُ أثناء تدافعنا للحصول على مكان قريب من راوي الحكايات أن كان هذا الراوي يترنّحُ يميناً وشمالاً بفعل الدفع والدفع المقابل من المجموعات المتزاحمة فكان يبدو مثل خروف تائه !! .
لم يكن مساء ذلك اليوم النيسانيّ ليختلف كثيراً عن باقي المساءات فيما عدا الطّريق الّذي سلكناه رجوعاً من المدرسة نحو بيوتنا : كان طريق عودتنا يبدأ من ( كينيوغوري ) حيث تقع مدرستنا باتّجاه قرية ( كوا نغوغي ) أو ( كغامبا ) وماجاورها من القرى ، وكنّا في العادة نجتازُ طريقاً يخترقُ التلال و النتوءات الصخريّة التي لم نكن نعيرها - هي وحقول الذرة والبطاطا و البازلاء والفاصولياء -  أدنى انتباهةٍ منّا وبخاصّة في الأوقات التي كنّا نستمعُ فيها إلى حكايةٍ ما .  كان كلّ حقلٍ من الحقول التي نمرّ بها في طريق عودتنا محاطاً بأشجارٍ عالية تمتدّ فروعها المعرّشة بعيداً . وكانت ثمّة أطواقٌ من الأغصان الشوكيّة المائلة إلى اللون الرماديّ تتشاركُ مع الأشجار المعرّشة في حماية تلك الحقول ، وكان طريقنا في العودة يقودُنا نحو منطقة كيهينغو قريباً من مدرستي الإبتدائيّة القديمة ، ثمّ نمرّ ببلدة مانغو ، وبعدها كنّا ننحدرُ أسفل وادٍ عميق ثمّ نتسلّقُ تلّة معشوشبة تنمو فيها الأشجار المعرّشة الداكنة ، ولكن حصل ومضينا في ذلك اليوم في تتبّع خطى قائدنا راوي الحكايات المدهشة - مثلما تفعل الأغنام مع راعيها - فسلكنا طريقاً آخر غير ذلك الطريق الّذي ألفناه من قبل . كان طريقنا الجّديد هذا أطول قليلاً من سابقه ويمرّ حول سياج مصنع باتا للأحذية في ليمورو حيث كان ثمّة موقعٌ لطمر مخلّفات المطّاط والجلود غير الصالحة ، ومضينا في طريقنا نحو تقاطع السكك الحديديّة مع الطرقات البرّية الرئيسيّة في المنطقة وكانت إحدى تلك الطرق تقودُ إلى السوق الرئيسيّة ، وفي تلك التقاطعات وجدنا تجمّعاً لجمهرة من الرّجال والنساء - ربّما كانوا عائدين من السوق - وهم منخرطون في مناقشة حامية ، ثمّ سرعان ماصار الجّمع أكبر عدداً بعد أن انضمّ إليه عددٌ من عمّال مصنع الأحذية القريب . تمكّن واحدٌ أو اثنان من الأولاد معرفة بعضٍ من أقاربهم في ذلك الحشد ، ورافقتُ الأولاد في الاقتراب من الحشد و الإصغاء إلى ما سيُقال .
" ألقي القبض عليه ويداه مخضّبتان بحمرة الدم"  كان يردّد بعض الحشد .
" تخيّلوا ، رصاصاتٌ بين يديه ، وفي وضح النّهار " ،،،،
كان الجميعُ يدرك - بمن فيهم نحن الصّغار - أنّ الإفريقيّ سيوصمُ بجرم الخيانة لامحالة متى ما وجدت رصاصاتٌ ( أو حتّى أغلفة رصاصات فارغة فحسب ) بين يديه ، وسينتهي به الأمر حتماً جثّة مدلّاة من حبل مشنقة .
" سمعنا صوت إطلاق عيارات ناريّة " قال البعض
" رأيتهم يطلقون النار عليه بأمّ عيني"
" و لكنّه لم يمُت !! "
"يموت ؟ هممممممممممم ! الرّصاصات تطايرت على من كانوا هم يطلقون عليه النار"
"لا ، لقد طار نحو السّماء و اختفى بين الغيوم" .................
ساهمت اختلافات الرأي الجليّة بين ناقلي الحكايات بشأن ما حصل في تفريق الجّمع إلى جماعات صغيرة تضمُّ كلٌّ منها ثلاثة ، أو أربعة ، أو حتّى خمسة افرادٍ ، وتحلّقت تلك المجاميع الصغيرة حول السّارد الرئيسيّ للحكاية الذي روى وجهة نظره الخاصّة بشأن ماحصل عصر ذلك اليوم . وجدتُ نفسي أتجوّلُ بين مجموعة وأخرى وأنا أجمعُ شذراتٍ من المعلومات هنا و هناك ، وصار ممكناً شيئاً فشيئاً ربط حلقات السلسلة التي شكّلت حقيقة الحكاية : شخصٌ مجهول الهويّة ألقي القبض عليه في موضعٍ قريب من الحوانيت الهنديّة .
كانت الحوانيت الهنديّة قد شيّدت على حافّة نتوء صخريّ بهيئة صفوف من الأبنية التي يقابلُ أحدها الآخر على نحوٍ أوجدَ في نهاية الأمر مساحة مستطيلة واسعة الأرجاء تسعُ العربات والمُتبضّعين معاً ، وكان ثمّة منفذ لها نحو الخارج عند كلّ ركنٍ من أركانها . كان النتوء الصخريّ ينحدر نحو الأسفل حيث تنبسط أرضٌ سهليّة أقيمت عليها أبنيةٌ مملوكة للأفارقة على الهيئة ذاتها التي شيّدت بها الأبنية الهنديّة ، وكانت ثمّة فسحة واسعةٌ فيها تستخدمُ كسوقٍ شعبيّة أيّام الأربعاء والسبت من كلّ أسبوعٍ : كانت الخراف و الماعز المعروضة للبيع في ذينك السّوقين تُقادُ بحبالٍ مربوطة بأعناقها في مجموعات كبيرةٍ عبر المنحدر الرابط بين مُجمّعي الأبنية . كانت تلك المنطقة هي ذاتها التي انقلبت مسرحاً لما حصل وتجمّع فيها الرّواة والمستمعون الذين أجمعوا على أنّ الرّجل المجهول ذاك قد اقتادته الشّرطة بعد أن قيّدت يديه بالأصفاد وطوّحت به في مؤخّرة عربتها الضخمة ، ثمّ حصل أن قفز الرّجل على نحوٍ مفاجئ من تلك العربة وهرب بعيداً فما كان من أمر الشّرطة إلّا أن تطارده في كلّ مكان وأسلحتها مصوّبةٌ نحوه . اختفى الرّجل المُطارَدُ بين جموع المتبضّعين ثمّ وجد له منفذاً بين حانوتين للهرب بعيداً نحو الفسحة الواسعة الممتدّة بين الحوانيت الهنديّة والإفريقيّة ، وفي تلك الحالة لم يكن أمام رجال الشّرطة مفرّ من إطلاق النار وكانت النتيجة أن أصيب الرّجل وسقط أرضاً لكنّه عاود النّهوض والهرب بين جهة وأخرى ثمّ اختفى بين قطعان الاغنام والماعز حتّى انتهى به المطاف قريباً من شركة باتا للأحذية في ليمورو ثمّ اختفى عن الأنظار تماماً وهو غير مُصابٍ - على ما يبدو - بين مزارع الشّاي الخصبة المملوكة للأوربيّين ، وهكذا انتهت تلك المطاردة على نحوٍ جعل رجلاً مُطارَداً مجهول الهويّة يبدو أسطورة تتداولها الألسن وتروى عنها حكاياتٌ عديدة في معرض الإطراء على بطولتها وسحرها بين المجاميع التي شهدت حقيقة ما حصل بذاتها أو بين هؤلاء الّذين استمعوا إلى الحكاية من آخرين .
كنتُ قد سمعتُ حكاياتٍ مثل هذه عن مقاتلي حركة الماو ماو* وبخاصّة عن ( ديدان كيماثي ) ، ولغاية ذلك اليوم المشهود كان السحر الملازم لحكاياتٍ كهذه يسمَعُ عنه في مناطق بعيدة عنّا في ( نيانداروا ) أو سلسلة جبال كينيا و لكنّ تلك الحكايات لم تكن تُروى أبداً من قبل شاهد عيان ، وحتّى صديقي ( نغاندي ) الذي كان الأكثر دراية وبراعةً بين قصّاصي الحكايات لم يقل أبداً يوماً ما أنّه رأى بذاته أيّاً من تلك الأفعال التي كان يحكي لنا عنها بكلّ حرفيّة ودقّة ، وعلى الرغم من أنّني أميلُ بطبعي إلى الإستماع للحكايات أكثر من روايتها فإنّ حكاية ذلك اليوم ملأتني لهفة وتشوّقاً لروايتها على مسامع من أعرفُ قبل تناول وجبتنا من الطعام أو بعد الفراغ منها بقليل .
كانت العوارض الحديديّة ذات شكل x قد رُفعت بمواجهة الطريق المتقاطع مع مسار السكّة الحديديّة ، وتناهى إلى أسماعنا صوت صافرة القطار ثمّ مرّ القطارُ سريعاً عبر التقاطع مذكّراً إيّانا بأنّ ثمّة أميالاً أمامنا حتّى نبلغ بيوتنا . كنّا أنا وكينيث نتتبّعُ أثر مجموعتنا وعندما لم نكن رفقة أحدٍ من تلك المجموعة كان كينيث يفسدُ الأجواء بمحاولته اختبار صحّة الحكايات التي كنّا سمعناها أو في الاقلّ التشكيك في الطريقة الّتي رُوِيت بها ؛ إذ لطالما أحبّ كينيث رسم حدٍّ فاصلٍ شديد الوضوح بين الحقيقة والخيال ولم يكن يرغبُ في شيء من الخلط بينهما - ولو بمقدار جدّ ضئيل مثلما تفعل التوابل في تحسين نكهة الطّعام - ، و كنّا في العادة نفترقُ قريباً من موضع سكنه ونحنُ لمّا نتّفق على درجة المبالغة التي خالطت ما سمعناه من حكايات.

هوامش المترجمة

*   الماوماو Mao Mao : حركة سرّيّة ضمّت الأفارقة الذين رغبوا في إنهاء الحكم الكولونياليّ البريطاني في كينيا ، وكان معظم من تعاهدوا على الاتحاد هم قبائل الكيكويو التي تقطنُ مناطق ذات كثافة سكّانية عالية. بدأت الحركة في أواخر الأربعينات من القرن العشرين وشرعت القوات البريطانية في شن هجمات لقمع الحركة بعد سلسلة من الاغتيالات والأحداث الإرهابية الأخرى التي قامت بها الحركة عام 1952 ، وقد حُوكم جومو كنياتا - الذي أصبح رئيساً لكينيا فيما بعد - بتهمة قيادة الحركة الثورية ونُفي في منطقة نائية حتى عام 1961 ، وأسفر القتال الذي توقف عام 1956 عن مصرع 10,000 شخص من الكيكويو وما يقرب من 2,000 إفريقي آخرين مع 95 أوروبياً و 29 آسيوياً من المؤيدين للحكومة الكولونياليّة



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية