العدد(4394) الاثنين 18/03/2019       أدب الرسائل بين مؤرخ العراق الحسني واعلام عصره       في ذكرى رحيله في 16 آذار 1945 الرصافي .. مواقف وذكريات       صفحات غير معروفة عن اذاعة قصر الزهور       عندما أصبح حسين جميل مديرا للدعاية والنشر سنة 1936 كيف عين .. وكيف استقال ؟       في ذكرى عزله في 17 آذار 1911 الوالي ناظم باشا .. هكذا نصب وهكذا عزل       دار المعلمين العالية.. تأسيسها وأيامها الاولى في العشرينيات       ذكريات مسرحية: بين "الفرقة الشعبية للتمثيل" وجماعة "جبر الخواطر"       العدد (4392) الخميس 14/03/2019 (فاطمة المحسن)       فاطمة المحسن وتمثّلات الحداثة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :33
من الضيوف : 33
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 24514663
عدد الزيارات اليوم : 5652
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


دستويفسكي .. تأملات فلسفية

أ.د. ضياء نافع
 هل كان  دستويفسكي أديباً دخل عالم الفلسفة , أم فيلسوفاً دخل عالم الأدب , وذلك  لأن الأدب والفلسفة في مسيرتهما الإبداعية متداخلان مع بعض بشكل يكاد أن  يكون عضوياً ؟ الإجابة عن هذا السؤال الفكري الكبير مازالت غير واضحة  المعالم تماماً ليس فقط في روسيا, وإنما في كل انحاء العالم المتمدن من دول  وبلدان وتيارات فكرية متنوعة , رغم أن دستويفسكي – واقعيا - ابتدأ أديباً  اعتيادياً بكل معنى الكلمة ,


 وإن روايته القصيرة الأولى المعروفة وهي ( المساكين ) وجدت مكانتها اللائقة بها في مسيرة الأدب الروسي بالذات , ولم يحاول أن يطرح نفسه فيلسوفاً حتى في ( مذكرات كاتب ) الشهيرة في تراثه , والتي ابتدأ بكتابتها في نهاية حياته , و التي يمكن القول عنها ,إنها آخر كتاب أصدره دستويفسكي , وسجّل فيه انطباعاته الفكرية حول تلك الظواهر التي كانت تحيط به من كل جانب في مسيرة الحياة الروسية وأحداثها آنذاك.
توفي دستويفسكي في القرن التاسع عشر عام 1881 , ولم تبحث الأوساط الفكرية الروسية هذه المسألة مباشرة بشكل جديّ وحقيقيّ ومعمّق ( أي العلاقة المتبادلة في إبداعه بين الأدب والفلسفة ) لا أثناء حياته ولا بعد وفاته رأساً, ولكن دستويفسكي أصبح في الوقت الحاضر ( في روسيا وفي كل العالم أيضاً!) أكثر الأدباء الروس قرباً من الفلسفة , بل , إن صح التعبير , حتى أكثرهم التصاقاً واندماجا ووحدة عضوية مع طروحات الفلسفة ومفاهيمها ومذاهبها, أو بتعبير وجيز ومركّز – إن دستويفسكي الآن أكثر الأدباء الروس فلسفة , حتى مقارنة بتولستوي نفسه ( انظر مقالتنا بعنوان – تولستوي فيلسوفاً ), وتوجد الآن سلسلة من اسماء الفلاسفة الروس الكبار ( منذ بداية القرن العشرين فصاعداً ) ترتبط – قبل كل شيء – بدراسة مفاهيم وطروحات فلسفة دستويفسكي استناداً الى نتاجاته الادبية وتحليلها, وهذه الاسماء معروفة وشهيرة مثل بيرديايف ( التي تتمحور قيمته الفكرية بالأساس في تلك الآراء والأقوال والكتابات حول فلسفة دستويفسكي , والتي انعكست في كتابه ( رؤية دستويفسكي للعالم ) المترجم الى العربية – انظر مقالتنا بعنوان بيرديايف ودستويفسكي ) , وميرشكوفسكي ( انظر مقالتنا بعنوان الكاتب والفيلسوف الروسي ميرشكوفسكي , وبالذات حول كتابه – دستويفسكي وتولستوي ) , وروزانوف ( الذي أطلق على ( المفتش الأعظم ) لدستويفسكي تسمية ( ملحمة فلسفية ) , والتي أشار روزانوف فيها الى أن دستويفسكي قد مزج هناك ( حرية الإرادة مع القانون المطلق للأخلاق ) , وشيستوف ( انظر مقالتنا بعنوان تشيخوف والفيلسوف شيستوف) , و سولوفيوف ..الخ , ويطلق هؤلاء الفلاسفة كلهم على دستويفسكي تسمية - الكاتب الفيلسوف , وهناك كذلك اسماء فلاسفة من أوروبا يؤيدون هذه الآراء ويتوحدون معهم في هذا الاتجاه , بل ويرون إنه حتى توجد عند دستويفسكي بدايات الملامح الأولية والأساسية للفلسفة الوجودية في العالم , التي بدأت تظهر في أوروبا في أواسط القرن العشرين , وذلك ( لأن فلسفة دستويفسكي هي فلسفة الوجود الإنساني قبل كل شيء) كما يؤكد أحد هؤلاء الفلاسفة الأوروبيين.
لقد تناول الفلاسفة كافة نتاجات دستويفسكي الادبية بالتحليل , ووصلوا الى أن ( الفكرة الروسية ) في تلك النتاجات هي صفة إنسانية مشتركة بين المجتمع الروسي والمجتمعات الأوروبية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر , وإن هذه ( الفكرة الروسية ) هي (تجسيد لقانون الأخلاق) في هذه المجتمعات الإنسانية بغض النظر عن قومية تلك المجتمعات وثقافتها ومستوى تطورها, ولهذا أصبحت هذه المجتمعات تتقبل نتاجات دستويفسكي , وأخذت تعتبرها نتاجات تعبر عن الإنسان بشكل عام في كل تلك المجتمعات قاطبة, وقد أشار دستويفسكي مرة في إحدى رسائله الى أخيه قائلاً , الى أن الإنسان ( سرّ) , وإنه يحاول أن يسبر أغواره ( كي يفهمه ) طوال حياته , وذلك لأنه ( اي دستويفسكي نفسه) ( يريد أن يكون إنساناً ) , وكان دستويفسكي يتكلم هنا عن ( الانسان ) بشكل عام , ولم يحدد قومية ذلك الإنسان أو جنسيته طبعاً .
ويربط بعض الباحثين هذه الافكار مع المفاهيم الدينية المسيحية الواضحة المعالم عند دستويفسكي , والتي تكمن في تأكيده على الكنيسة الروسية الارثذوكسية والدور الذي يجب عليها أن تؤديه عالمياً باعتبار أن موسكو هي – ( روما الثالثة ) كما كان يدعو دستويفسكي , ولهذا , فان ( الفكرة الروسية ) التي بلورها دستويفسكي لا تفقد ( عالميتها !) , أو ملامحها الأممية , رغم ارتباطها ب (الصفة الروسية ) تلك , ولهذا أيضاً , فإن القراء في العالم يتقبلون دستويفسكي ونتاجاته الأدبية ذات الروح الفلسفية بغض النظر عن قوميتهم واجناسهم .
موضوعة دستويفسكي فيلسوفاً – مسألة كبيرة في تاريخ الفكر الفلسفي الإنساني , وهذه التأملات هي تذكير بالملامح الأساسية فيها ليس إلا , وكم اتمنى أن يتناول أحد الفلاسفة العرب هذه الموضوعة يوماً , ويدرسها بالتفصيل العميق...



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية