العدد(4527) الاثنين 14/10/2019       في ذكرى تأسيس الاتحاد العراقي لكرة القدم سنة 1948       في ذكرى رحيلها في 9 تشرين الاول 2007..نزيهة الدليمي وسنوات الدراسة في الكلية الطبية       من معالم بغداد المعمارية الجميلة .. قصور الكيلاني والزهور والحريم       من تاريخ كربلاء.. وثبة 1948 في المدينة المقدسة       من تاريخ البصرة الحديث.. هكذا تأسست جامعة البصرة وكلياتها       مكتبة عامة في بغداد في القرن التاسع عشر       في قصر الرحاب سنة 1946..وجها لوجه مع ام كلثوم       العدد (4525) الخميس 10/10/2019 (عز الدين مصطفى رسول 1934 - 2019)       العدد (4524) الاربعاء 09/10/2019 (سارتر والحرية)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :22
من الضيوف : 22
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27951469
عدد الزيارات اليوم : 3811
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


إلى حسين الرحال في ذكراه

قاسم طلاع
كتب حنا بطاطو " وجدت الأفكار ذات الطبيعة المساواتية في المشرق العربي والعثماني قبل اندلاع الثورة البلشفية في روسيا " . وإذا صح هذا ، فهذا يعني أن مسألة الوعي الطبقي كانت موجودة لدى الجماهير الفقيرة في ذلك الوقت ، وإلا لما كانت الأفكار الماركسية قد وجدت طريقها إلى الوطن العربي ، وخصوصا العراق .


إن ما يهمنا من هذا هو دراسة جذور الحزب الشيوعي العراقي تاريخيا والمراحل التي أجتازها منذ دخول الأفكار الماركسية للعراق.
يحدد حنا بطاطو في كتابه ، مفترضا ، إن بذوره الأولى قد بدأت في العشرينيات من القرن الماضي عام 1924 ، حينما قامت أول حلقة ماركسية ، شارك فيها كل من حسين الرحال ، وكان فـي حينها طالبا في مدرسة الحقوق ومحمد سليم فتاح ، طالب طب ومصطفى علي وهو معلم ، وعبد الله جدوع ، موظف بريد ، وعوني بكر صدقي ، صحفي ، ومحمود أحمد السيد . ويعود الفضل في تأسيس هذه الحلقة ، كما أكد بطاطو ، إلى حسين الرحال ، الذي وصفه بأبي الماركسية ، معللا ذلك من تجربته الثرية التي اكتسبها من خلال جولاته عندما كان والده منخرطا في سلك العسكرية العثمانية ، وما رافقته من تنقلات في أنحاء اللأمبراطورية العثمانية ومن ضمنها الولايات العراقية ، مما أتاح له إلقاء نظرة على الواقع العراقي آنذاك وخصوصا الأوضاع الاجتماعية . وحينما حصل والده على بعثة عسكرية إلى ألمانيا أثناء الحرب العالمية الأولى، طال مكوث حسين الرحال هناك ودخل إحدى المدارس الثانوية وحصل على شهادة الإعدادية. وأثناء مكوثه هناك ، وقد لعب هذا دورا مهما في تطور وعيه السياسي ، عايش أحداث الثورة التي اندلعت في ألمانيا في كانون الثاني من عام 1919 ، بقيادة عصبة سبارتكوس الشيوعية ،  التي انتهت باغتيال روزا لكسمبورغ وكارل ليبكنخت ، إذ رأى لأول مرة ، وبصورة مباشرة ، ثورة يقودها العمال . وقيل أن الرحال قد سأل عن الذي يحدث ، فكان الرد " أن العمال يريدون تأسيس حكومة لهم ."  وقد ترك هذا القول أثر في نفسه ، ويبدو أن الرحال شارك في الكثير من النقاشات التي كانت تجري بين طلبة المدرسة التي كان يدرس فيها حول هذه الثورة . ومن جراء هذا فإن اهتمام الرحال بمثل هذا الحدث دفعه إلى تقصي الحقائق عن هذه الحركة وتاريخها والظروف التي أحاطتها عن طريق مطالعة الصحف والمجلات اليسارية وخاصة صحيفة الحرية ( Die Freiheit ). أما سفره إلى الهند عام 1921 ، الذي كان مجرد محطة عبور إلى أوربا[2] ، كما أكد عليها الرحال ، وعدوله بعد ذلك وبقائه في الهند مدة سنة وربما أكثر ، مبررا هذا " لأسباب شخصية " ، حالت الاستمرار في سفره ، وكانت واحدة من هذه الأسباب ، كما أعتقد ، تعرفه على الصحفي الهندي ، الذي كان يحمل أفكارا يسارية ثورية، وربما قد يكون نفس الصحفي ، البريطاني الجنسية ، ورئيس تحرير المجلة العمالية الشهرية ( The Labour Monthly ) وواحد من مؤسسي الحزب الشيوعي البريطاني ، الذي ألف كتابا ، بعد استيلاء النازية على السلطة في ألمانيا ، حمل عنوانا ( الفاشية والثورة الاجتماعية ) ، الذي حلل فيه ، وبصورة علمية ، كيفية وصولها ( أي الفاشية ) إلى السلطة ، حيث كتب " إنها تأتي نتيجة لازمة ثورية تعجز البروليتارية فيها عن الاستيلاء على السلطة وتعجز البرجوازية عن الحفاظ على سلطتها ... ". فكانت مرافقته له فسحت المجال أكثر بالاطلاع على الفكر الماركسي ، وخصوصا بعد أن تعلم اللغة الإنكليزية هناك ، إذ سهلت له أمر الحوار وقراءة الأدب الثوري ، وبهذا يكون حسين الرحال قد عايش الجانبين العملي والنظري . الأول تمثل في الثورة الألمانية ، كما نوهت عنها أعلاه ، والثاني الجانب النظري وهي الأيديولوجية التي كانت تعتنقها هذه الثورة . إضافة إلى هذه العوامل ، التي أسميها عوامل خارجية ، فقد كان للعامل الداخلي التأثير الأكبر في حياة حسين الرحال ، ألا وهي تلك الأوضاع التي تمخضت على أثر نتائج الحرب العالمية الأولى بالنسبة للعراق ، حيث أحتل من قبل القوات البريطانية وما نتج عنه من رد فعل تتوج بقيام ثورة 1920 والقمع الذي مورس ضدها ونقض الوعود التي منحتها بريطانيا للشعب العراقي بالاستقلال وتأسيس نظام ديمقراطي يتناسب وتلك المرحلة ، ويعبر في نفس الوقت عن رغبات  الشعب بكافة اتجاهاته ومعتقداته ومختلف قومياته .
ولكن كيف دخلت الماركسية إلى العراق ليعتنقها الرحال ويكون حلقته التي ذكرنا أسماء أعضائها أعلاه ..؟
في الفصل الأول من كتاب حنا بطاطو ، في دراسته للحزب الشيوعي العراقي ، يذكر الكاتب وبصورة مختصرة جدا عن حياة الرحال وخصوصا تلك الفترة التي كان فيها طالبا في المدرسة السلطانية ، عام 1914 ،  ومدرسه في مادة التاريخ أرسين كيدور . ويفترض بأن علاقة قد تكونت بينهما .
فمن هو أرسين كيدور ..؟
لقد كان ماركسيا ، وواحدا من مؤسسي حركة " الهنشاق " التي تأسست عام 1887 في جنيف ، وكان هدفها " توحيد الشعب الأرمني تحت ظل دولة اشتراكية " ، وقد ألقي عليه القبض في تلك السنة التي كان فيها مدرسا في المدرسة السلطانية ، وظهر ثانية في عام 1917 ، بعد أن تمكن من الهروب من السجن والاختفاء في مدينة النجف ، وتركه العراق مع القوات الروسية والعودة ثانية بصفة قنصلا لجمهورية أرمينيا ، واستمر بهذا المنصب حتى بعد انضمام أرمينيا إلى الجمهوريات السوفيتية عام 1920 . والجدير بالإشارة هنا أن تاريخ تأسيس الحلقة المار كيسة يرتبط وتلك الفترة الزمنية التي كانت اللقاءات تجري بين كيدور وممثلي الكومنترن اللذين أرسلوا إلى الشرق الأوسط إلا أن هذه اللقاءات قد انقطعت ، بعد أن ألقيت السلطات العراقية القبض على شاؤول سلطانوف ، وهو واحد من المبعوثين الذين كان يلتقي معهم كيدور . وإذا كان أعضاء حركة الهنشاق قد لعبوا الدور الرائد في تأسيس الحزب الشيوعي في لبنان وسورية ، فإنه لن يكون من المستبعد أن يكون كيدور قد ساهم في تأسيس هذه الحلقة ، كمشروع أولي في بناء الحزب الشيوعي العراقي . إلا أن هذا المشروع قد أجل ، لسبب ، وكما أعتقد ، عدم قناعة حسين الرحال بالالتزام ، أولا ، وثانيا قناعته الشخصية ، بأن كل نظرية تفقد حرية حركتها في تفسير الحدث ، إذا ارتبطت بحزب معين لتصبح إيديولوجية له ، ولهذا نرى أن الرحال وجماعة الحلقة قد بدءوا مبادراتهم بالمطالبة بحرية الفكر ، وتوظيف النظرية الماركسية في نشر الوعي ، محاولة منهم في تحرير المجتمع من الموروث القديم ( علمانية المجتمع وجعل الدين مسألة شخصية يحق لكل إنسان ممارسة طقوسه الدينية ، تحرير المرأة ... الخ ). إذن فقد كان همه الأول هو محاولته ( أي الرحال ) في جعل حرية الفكر قضية شرعية تمارس بشكل علني وضمن حدود القانون. وكان صدور " الصحيفة " دليل لمحاولته هذه ، إذ أنه لم يتوجه فيما كتبه إلى طبقة معينة ، ولم يتصدر هذه الصحيفة أي شعار ، بحيث إنها تعطي انطباعا للقارئ ، بأنها تنتمي إلى حزب معين ، إضافة إلى إنها لم تتوجه بالانتقاد إلى النظام القائم مباشرة ، بل توجهت بمقالاتها نحو الجيل الذي أدرك الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتردية ، واعتبرت أي تقدم للمجتمع لا يتم إلا بالتخلص من التقاليد البالية والتوجه نحو حداثة العصر . ولأول مرة طرحت هذه الصحيفة مشكلة التراث والمطالبة بإعادة تقيمه مستعينة بالتفسير المادي للتاريخ على ضوء النظرية الماركسية .
ومن صدور عددها الأول تبين ، وبدون شك ، نهجها في نشر الفكر الماركسي ، فتصدى لها الفكر " السلفي " ورموزه الدينية المتمثلة بأصحاب العمائم وخطبهم من على منابر الجوامع ، إضافة إلى العرائض التي رفعت إلى المسؤولين ، التي طالبت فيها غلق هذه الصحيفة ومعاقبة أصحابها . وما كاد العدد الخامس منها يرى النور ، حتى أغلقت هذه الصحيفة .
إلا أن حسين الرحال وجماعته لم تثنى عزيمتهم في محاولاتهم لبلورة هذه الأفكار، رغم محاولتهم الثانية في إصدار هذه الصحيفة عام 1927 وفشلها، فقام، مشاركا، بتأسيس نادي التضامن جمع فيه تيارات فكرية مختلفة. وكان هدف هذا النادي :
•1. نشر الوعي والمعرفة بين الشباب
•2. المطالبة بتشجيع الصناعة الوطنية.
•3. بث المبادئ والافكار التي تهدف إلى تحسين الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية .
وكان للرحال الدور الرائد في تنظيم أمور هذا النادي وقيادته ، إذ شارك في تنظيم مظاهرتين ، كانت الأولى احتجاجا على فصل المدرس أنيس النصولي ، لكونه أصدر كتابا عن الدولة " الأموية في الشام " في كانون الثاني عام 1927 ، حيث تعرض فيه لنقد الأمام علي بن أبي طالب متحزبا لمعاوية بن أبي سفيان " وعلى شكل مقارنة تتميز بالسطحية ، ودون تحليل للعوامل الاجتماعية والسياسية التي كانت تحيط بهما ".
 أثار هذا الكتاب حفيظة رجال الدين . وأشترك في هذه المظاهرة مجموعة من الطلبة " طالبت بحرية الفكر " وإعادة أنيس النصولي إلى وظيفته . وكانت هذه أول مظاهرة في تاريخ العراق الحديث وشكلا جديدا من أشكال الاحتجاج ضد النظام القائم . ثم نظم النادي مظاهرة ‘احتجاجا على الزيارة التي قام بها الفرد موند في اليوم الثامن من شهر شباط عام 1928 وكان مؤيدا للحركة الصهيونية . ويذكر حنا بطاطو في كتابه عن تاريخ الحزب الشيوعي العراقي ، بأن حسين الرحال كان متصدرا هذه المظاهرة ، التي ضمت عشرون ألف شخص ، حيث اتجه نحو جسر الخر لمنع دخول موند إلى بغداد . وكان المتظاهرون ينددون بوعد بلفور وسقوط الصهيونية .
من المؤسف حقا حين نجد أن أكثر الذين كتبوا عن تاريخ العراق الحديث قد تجاهلوا دور نادي التضامن ، وخصوصا ما قام به الرحال في تنشأت جيل من المثقفين لعبوا دورا بارزا في مجمل الحركة الوطنية العراقية .
ففي نادي التضامن تعرف زكي خيري على الرحال ، وتعلم منه الماركسية ، وكذلك عاصم فليح الذي لعب دورا بارزا في تأسيس الحزب الشيوعي وأصدر أول صحيفة حملت اسم الحزب . إضافة إلى هذه الأسماء ، فقد كانت هناك أسماء أخرى شاركت هي الأخرى في تأسيس أحزاب وطنية . 
وإذا كانت أكثر المصادر التاريخية قد أهملت ذكر الرحال ودوره في الحركة الوطنية ، فإن هناك مصادر أخرى قد جردته من دوره كمثقف " عالمي " لعب دور حلقت الوصل بين الماركسية والحزب الشيوعي من جهة ، والأحزاب الوطنية الأخرى من جهة ثانية ، ودوره كمنور اجتماعي اعتقد ، بأن المهمة التي تقع على عاتقه ليس بناء أو تأسيس حزب ، وإنما المسألة الملحة والآنية هي توعية شريحة واسعة من المجتمع تأخذ على عاتقها " تحديث " مؤسساته السياسية والاقتصادية والاجتماعية على ضؤ متطلبات الواقع ، وأن مثل هذا " التحديث " لا يمكن أن يأخذ طابعه " الواقعي " إلا من خلال صياغة الأفكار التي تربط بما يعانيه الفرد / المجتمع من مشاكل وإيجاد الحلول لها .
 ولا يمكن أن يتم هذا إلا من خلال الأحزاب التي تتبنى مثل هذه الأفكار .  ولا أعتقد بأن ما ذكره زكي خيري في كتابه صدى السنين صحيحا : بأن الرحال كان رجلا لا يحب الانضباط الذاتي وأنه كان ضعيفا تجاه ملذات الحياة ، ومعاقرته للخمرة ، رغم اعترافه مسبقا ( أي زكي خيري ) بأنه تعلم الماركسية منه .
صحيح أن الرحال رفض ذاتيا أي التزام أو انتماء إلى أي مؤسسة سياسية أو حزبية ، لسبب بسيط ، وقد أشار إلى هذا حنا بطاطو " ... نظرا لأن كل خطوة من خطواته كانت خاضعة للرقابة، فإنه تراجع بحذر إلى الخطوط الخلفية ... "إلا أنه بقى ، ومن قناعته الشخصية ، على علاقة مع كل الأحزاب الوطنية وكان يقدم لها خدماته ، التي تمثلت في محاولاته ، بعد غلق نادي التضامن ، بتأسيس المجلات الثقافية، التي كانت تتخذها المعارضة الوطنية واجهة لنشر ما كانت تكتبه حول أوضاع البلاد .     



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية