العدد (4436) الخميس 23/05/2019 (هاشم الوتري)       شيخ الأطباء الدكتور هاشم الوتري       الدكتور الوتري .. بين الوزير ونوري السعيد       الدكتور كمال السامرائي يتحدث عن رحيل الوتري       عندما حضرت حفل تكريم الدكتور الوتري سنة 1949       عندما أصبح الوتري عميداً لكلية الطب       مع الجواهري في قصيدته عن الوتري.. الأكاديمية العراقية بين التنوير والتحجير       هاشم الوتري       العدد (4435) الاربعاء 22/05/2019 (الطيب تيزيني)       تيزيني والسيرة الذاتية المفتوحة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :28
من الضيوف : 28
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 25439405
عدد الزيارات اليوم : 5450
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


من تاريخ التعليم قبل ظهور المدارس الحديثة.. التعليم الشعبي ( الكتاتيب )

د . وسام هادي عكار
الكتاتيب  أو ما يُعرف بـ(الملالي) في العراق هي المعاهد التعليمية الأولى التي  يدخلها الأطفال في الغالب بعد إتمامهم سن الثالثة أو الرابعة من العُمر،  وكانتْ تلك المعاهد البسيطة قائمة في مختلف أنحاء الدولة العثمانية وفي  البلاد العربية كافة حتى أواخر القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، رغم  ما طرأ عليها من تحوير وتطوير على نظام العمل فيها، إذ كانتْ الكتاتيب  بصورة عامة ملحقة بالمساجد والجوامع أو مستقلة عنها في مباني مشيدة لهذا  الغرض.


كانت الغاية الأساس من تأسيس تلك الكتاتيب في البلاد هو تحفيظ آيات القرآن الكريم وتلقينهم أصول الدين وأحكامه فكان الطفل بعد إتمامه الثالثة أو الرابعة من عمره يدخله أبوه في الكُتاب، وليس ذلك الكُتاب في العادة إلا حجرة أو سرداباً تغلب على جوه الظُلمة والحرمان من ضياء الشمس، ويضم ذلك المكان الضيق عدداً من الأطفال، إذ لا توجد صفوف منتظمة؛ بل يفترشون الأرض واضعين بين أيديهم القرآن الكريم أو أحد أجزائه وهو عادة( جزء عُّم) للمبتدئين من الأطفال، ويزودون بألواح خاصة بالكتابة ومحبرة وبعض أقلام من القصب كي يكتبوا عليها الحروف الأبجدية في دراسة الخط والحساب.

وكان للخط مكانة مهمة جداً في طريقة التعليم الماضية ،لأن الدقة في رسم الكلمة تؤدي إلى الوضوح في صورتها الذهنية ثم إلى الصحة في لفظها.
يُدير الكُتاب شيخ قارئ للقرآن وحافظه، أو إمراءة مُسنة تُسمى(المُلاية)، حفظتْ القرآن الكريم وأحسنتْ تلاوته، وأحياناً يشترك أكثر من (شيخ) في إدارة الكُتاب وتعليم الأطفال قراءة القرآن إذا كان عددهم كبيراً، وقد يشرف على البعض من تلك الكتاتيب(هيئات إسلامية)، اعتقاداً منها إن المدارس الحكومية الأولية التي أُنشئتْ في أواخر الحُكم العثماني في العراق، لا تُعنى العناية الكافية بدراسة القرآن والدين الإسلامي، لذلك تنفق على تلك المدارس جمعيات غرضها المحافظة على القرآن من هبات الأفراد وأموال الوقف ومن مصالح تعليمية تابعة للأوقاف أو الهيئات الخيرية الخاصة، لأن ما تتلقاها تلك المدارس(الكتاتيب) من الدولة مبالغ ضئيلة نسبياً.
والشيخ كُتابه يحتل مقعداً في صدر الغرفة ماسكاً بيده عصا طويلة يؤشر بها تارة، وليضرب الأولاد المخلين بالنظام تارة أُخرى، فلم يكن من المستغرب أن يتكلم بعض الأطفال أو يلهون أو يكتبون بينما البعض الآخر يقرأ، لاسيما وأن النشاط في الكتاتيب كثيراً ومتنوعاً، إذ ينتقل الأطفال من مكان إلى مكان في الغرفة التي يتلقون القراءة فيها، وبما إن الشيخ لم يكن يستطيع أن يُعلم الأطفال لكثرة عددهم، فإنه كان يختار فرداً منهم فيعنى بهم عناية كبيرة في تعليمه القراءة والكتابة ويطلق عليه (الخلفة)، ثم يشركه بين سائر الأطفال الذين لا يستطيع الشيخ أن يعلمهم بنفسه.
وعن نظام التعليم في تلك الكتاتيب ذكر الباحث (عبد الرزاق الهلالي) " لقد كان الأب يقود ابنه إلى الكُتاب في العهد العثماني، وبعد أن يتفق مع المُلا على الأجور يخاطبه بقوله هذا ابني لك من اللحم ولي منه العظم، أي إن الآباء في ذلك العهد كانوا يرون في المُلا المهذّب الأول لأولادهم، فهم يخولونه حق تأديبه ومعاقبته بأقسى العقوبات، إن هو أساء التصرف والأدب أو قصّر في أداء واجباته".
في السياق نفسه، كان للمُعلم وسائل للتأديب، فكان العقاب في الكتاتيب نوعين: العقاب المثقف والعقاب المؤلم، أما العقاب المثقف فكان بأن يأمر المُلا الصبي، بأن يكتب قطعة من النثر أو الشعر بخط صحيح أو بأن يحفظها، وكثيراً ما يأمر المُلا بعمل خدمة في الكُتاب ككنس الغرفة وإدامتها. أما العِقاب المؤلم، فكان أما نفسياً يمنع الطفل من الخروج إلى اللعب في وقت الاستراحة، وأما بدنياً بالضرب أو بالركوع أو رفع اليدين، أو الوقوف على رجل واحدة ولمدد مُختلفة أو وضع أرجلهم في الفلقة، والمُلا يهوي عليها بالخيزرانة، والخلفة يضبط بصوت عالٍ عدد الضربات حتى بلوغها العدد المطلوب، والمحكوم بتلك العقوبة يصيح ويبكي من شدة الألم وجميع الصبية ساكتون خائفون.
كما كان للمُلة طمغة(ختم) يختم فيه بالحبر على أذرع الصبية أو على سيقانهم يوم الخميس من كل أسبوع في موسم الصيف ليردعهم من السباحة في النهر ويجنبهم عواقب الغرق لصغر سنهم، ومن أراد الاغتسال منهم فلابدّ أن يتقدّم احد ذويه إلى المُلا طالباً إذنه في ذلك حتى يعفوه من طمغة الأسبوع .
 
بدأتْ الكتاتيب تضمحل وتتناقص شيئاً فشيئاً، لاسيما في الحقبة الأخيرة من الحُكم العثماني للبلاد، بعد أن حلتْ محلها المدارس الحديثة والتي سارتْ على النهج الغربي في أنظمتها ومناهجها في أوائل القرن التاسع عشر، إذ باشرتْ الدولة بفتح المدارس الأولية والابتدائية والرشدية في بعض أجزاء العراق، كي تحل محل الكتاتيب لأنها غدتْ غير ملائمة للمبتدئين وتسير وفق أساليب قديمة لم تتغير وتتطور منذ قرون عديدة، ولم تُساير روح العصر؛ بل بعكس ذلك فقد تقهقرتْ إلى الوراء، لأنها تجردتْ بالتدريج عن جميع العلوم العقلية وصارتْ تكاد لا تهتم بشيء غير العلوم النقلية.
كان من الطبيعي أن يُلفتْ أنظار المفكرين إلى عدم كفاية ذلك النوع من التعليم، فكان أمام الولاة أو الحُكام الذين أدركوا بضرورة اقتباس بعض العلوم العصرية والنُظم الحديثة لمسايرة ركب الحضارة والمدنية، طريقان الأول: هو في إصلاح تلك المعاهد التعليمية الموجودة(الكتاتيب)، ولو بصورة تدريجية بإدخال العلوم العقلية والنُظم الحديثة فيها. والثاني ترك تلك المعاهد القديمة جانباً وإنشاء معاهد تعليمية جديدة لتدريس العلوم العصرية وفق النُظم الحديثة.
بيدَ إن تطور الأحوال الاجتماعية السائدة اضطرتْ رجال الحُكم والإصلاح إلى اختيار الطريقة الثانية بترك المعاهد التعليمية القديمة تسير على سيرتها المعتادة واخذوا ينشئون بعض المعاهد التعليمية الجديدة كلما شعروا بالحاجة إليها، ولم تزدد العناية والاهتمام بها إلا بعد هيمنة (جمعية الاتحاد والترقي) على مقاليد الحكم في الدولة العثمانية في تموز عام 1908، بيد إن انتشار المعاهد الحديثة لم يوقف مهمة الكتاتيب وعملها في ميدان التعليم الأهلي، بل ظلتْ مستمرة في أداء مهمتها؛ لأنه لغة التدريس في المكاتب كانتْ تجري باللغة التركية.
برغم ذلك تعرضت تلك الكتاتيب لنقد عدد من خبراء التربية والتعليم وكان في مقدمتهم (ساطع الحصري) ، إذ ذكر ما نصه: "اعتقد إن أحداً ممن يقدرون مصالح الشعب على وجوهها الصحيحة لا يأسف على زوال تلك المؤسسات التي تجمع بين أسوأ الظروف الصحية، مع أسخف الطرائق التعليمية".
لذلك يمكن القول بأن السير بأسلوب التعليم الحديث لم يغير في حالة الكتاتيب في العراق، لذلك أخذت تلك الكتاتيب تتضاءل باستمرار، برغم إن السلطات الحاكمة لم تتعرض إلى المدارس الدينية كافة؛ بل تركتها تعمل وفق نظمها الخاصة وتقاليدها في العتبات المقدسة في مختلف مناطق العراق، إذ حرصتْ السلطة العثمانية على أن تظل تلك الكتاتيب كما كانتْ مؤسسات أهلية لا تتدخل في شانها إلا بمقدار يسير، حرصاً منها على أن تظل محتفظة بثقة السكان، وحتى تكون في يد الحكومة وسيلة شعبية بسيطة لنشر قسط من التعليم الأولي وأن يكون بسيطاً؛ إلا إنه يجدي نفعاً في مُكافحة الأُمية ونشر المعرفة بين الناشئة.

عن بحث : ( جذور التعليم الأهلي في العراق حتى عام 1914)



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية