العدد (4551) الثلاثاء 2019/ 20/11 (انتفاضة تشرين 2019)       ساحة التحرير تابعت مباراة "أسود الرافدين".. جماهير حاشدة كانت تتمنى الفوز       محفل الآباء المؤسسين "فاقد الشرعية" في دارة الحكيم ..!       شعارات ساحات الاحتجاج: شتم الطائفية وتعزيز الهوية الوطنية       مواطنون يساندون المحتجين بدعم عوائلهم       مشاهدات من ساحة الاحتجاج : يكتبها سعدون محسن ضمد       التكتك سلاحنا       "جهات مجهولة تتحدى القانون"..حقوق الإنسان لعبدالمهدي: أُوقفْ اختطاف الإعلاميين والمحامين!       "ماكو وطن.. ماكو عمل": أسواق كربلاء تخلو من مرتاديها تضامناً مع الاحتجاجات       يوميات ساحة التحرير..سينما الثورة تفتح الأبواب أمام المتظاهرين قرب ساحة التحرير    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :31
من الضيوف : 31
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 28659528
عدد الزيارات اليوم : 17562
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


هكذا عرفت بغداد عند سقوطها بيد الانكليز سنة 1917

امين المميز
لعل أكثر أيام  بغداد اسودادا وحلكة هي الايام الكائنة بين دخول تركيا الحرب العالمية  الاولى سنة 1914 وبين سقوط بغداد بيد الانكليز في شهر مارس سنة 1917، فقد  قاست بغداد والبغداديون الامريّن في هذه الفترة، وخاصة ليلة 10-11اذار، اذ  توالت عليها الاهوال والنكبات والفواجع والجوع والقحط وشقاء الزمان مما لم  تشهد مثله منذ اجتاحها هولاكو سنة 1258 م، يوم جعل من رؤوس أهلها جبالا  وجعل من نهر دجلة نهرا اسود من كثرة ما رمي فيه من كتب ومخطوطات.


أذكر بغداد يوم جند الالاف من خيرة شبابها وأرسلوا الى جبهة القفقاس فهلكوا في جبالها وثلوجها ولم يعد لبغداد (نفاخ نار).
اذكر بغداد وفي كل بيت يتيم ينتحب وأرمل تنوح وثكلى تندب وتلطم لفقد وحيدها.

اذكر بغداد يوم رافقت والدي وأنا احمل علاكة ملأى بالليرات التركية الورقية لنشتري من سوك المولة خانه أوكية شكر أو ربع (جاي) أو نصف كيلو  جبن أو حفنة تمر أو(لطعة كيمر).
اذكر بغداد يوم رافقت والدتي الى فرن في باب الآغا جوار حمام كجو في يوم من أيام القحط، فرأيت عشرات النسوة يمددن أذرعهن نحو الفرّان وباليد الواحدة شهادة من المختار تؤيد عدد افراد العائلة، وفي اليد الاخرى ثمن صمونة واحدة للفرد الواحد في اليوم الواحد، ولغطهن وعياطهن وتوسلاتهن تطحن القلوب وتصم الاذان.
اذكر بغداد في تلك الليلة المشؤومة، ليلة انسحاب الجيش التركي ودخول الجيش البريطاني في 11 مارس 1917
اذكرها ساعة انفجار مستودع البارود في الطلسم، عندما اهتزت بغداد من اقصاها الى أدناها، واذكر تلك الساعة الرهيبة التي سمعت فيها ذلك الدوي الهائل، فخبأت رأسي تحت اللحاف وأنا أرتجف وارتعد وأبكي من هول ما سمعت، ظناً مني بأن اللحاف سيحميني من الخطر.
اذكر بغداد بعد يوم أو يومين من ليلة السقوط عندما أصلحت السلطات العسكرية الجسر وأخذت طلائع الرتل القادم من الغرب تعبر الى جانب الرصافة وتخترق قلب بغداد مارة بعكد الصخر، والاطفال والصبيان يصفقون للخيالة الذين كانوا من الهنود المسلمين والهندوس والسيك والكركه وكنا نميزهم من شكل عمائمهم وطريقة لفها، وقد توجهوا نحو باب المعظم ومنها الى بستان الصرافية حيث عسكروا هناك.
اذكر بغداد عندما أخذت سلطات الاحتلال تسوق بعض البغداديين من رجال وشباب الى جزيرة هنجام وتعتقلهم  هناك لانهم أخذوا يقاومونها ويتحدون امرها.
اذكر بغداد لما اجتاحها مرض الكوليرا أو الهيضة (أبو زوعة) في خريف ذلك العام، فصار الناس يموتون بالمئات وليس فيها من يلقحهم أو يعالجهم ولا حتى من يتولى دفنهم.
وأذكر بغداد لما اجتاحها فيضان دجلة والفرات في آن واحد، فأحدقت المياه بالكرخ والرصافة وجعلت كثيرا من بيوتها عاليها سافلها، فهلك الحرث والنسل والزرع والضرع.
أذكر بغداد يوم 30 تشرين الاول عندما أعلن وقف اطلاق النار بين الجيش البريطاني والتركي في جبهة العراق، وأذكر يوم 11 تشرين الثاني عندما وقعت الهدنة بين الحلفاء وبين تركيا والمانيا، فبدأت المهرجانات والزينات والألعاب النارية تقام في كل محلة من محلات بغداد، فعاد اليها شيء من رونقها الذي فقدته طوال أربع سنوات، فأخذ الضباط والجنود يعودون الى وطنهم، باستثناء الذين هلكوا في القفقاس أثناء (السفر بر)، فمنهم من وجد افراد عائلته على قيد الحياة ومنهم من لم يجد احدا يستقبله أو يرحب به، فكل افراد عائلته قد طحنتهم الحرب بشكل أو بآخر.
أذكر بغداد يوم كان السفر منها واليها بدائيا يتم بواسطة الخيل والبغال والجمال وحمير (المجارية) ثم تطور نحو الافضل فصار يتم بواسطة الكجاوة و(التخت روان) وهي محفة يحملها زوج من البغال، أو الهودج وهو محفة يحملها بعير، ثم تطور نحو الاسرع فصار يتم بواسطة العربات ذوات اربعة دواليب.
وأذكر اني سافرت على عربة (أبو سبع) من بغداد الى الفلوجة في العهد العثماني وهي عربة أقرب الى (برجقة) منها الى عربة سفر، وقد استغرقت السفرة من كهوة (العكامة) في صوب الكرخ الى الفوجة قرابة ثلاثين ساعة، مع مبيت ليلة واحدة في خان ضاري في (أبو منيصير) لانعدام الامن في السفر الليلي وخطر (دك) الطريق وسلب المسافرين من قطاع الطرق، ثم تطور السفر نحو الافضل والاسرع عندما صارت السيارة (أم اللوكيه موديل فورد أو أوفر لاند) واسطة السفر.
وأذكر ان السفرة نفسها التي قطعناها في عربة أبي سبع بثلاثين ساعة قد قطعناها بعد عشر  سنوات في سيارة السائق الارمني (تيزاب) بأقل من خمس ساعات والمسافة بين بغداد والفلوجة لا تزيد على الخمسين كيلومتراً، مع التوقف لتبريد السيارة واصلاح (البنجر) والاستراحة من ضعضعة الضلوع جراء سوء حالة الطريق الترابي الممتعرج والمتعثر.
هذا فيما يخص السفر البري اما السفر النهري بين الشمال والجنوب فيتم بواسطة (الجلاج) ويستغرق مدة أطول من المدة التي يستغرقها السفر البري بواسطة الدواب والكروان والعربات.
بينما يتم السفر اليوم من بغداد واليها بسرعة خيالية، فان نفس المسافة بين بغداد والفلوجة تقطع بالسيارة الحديثة بساعة واحدة أو أقل، وان السفر بين بغداد والبصرة بواسطة قطارات (الديزل الكهربائية) الحديثة ولمسافة تقرب من أربعمائة كيلومتر يستغرق أقل من عشر ساعات بينما كان يستغرق بواسطة الباخرة (مركب حميدي) قرابة الاسبوع.

عن كتاب (بغداد كما عرفتها)



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية