العدد(4354) الاثنين 21/01/2019       اســطورة مئذنة جامع سـوق الغزل       انقلاب بكر صدقي والتصفيات السياسية       ذكريات آثارية.. رحيل عالمة الآثار لمياء الكيلاني       هكذا عرفت بغداد عند سقوطها بيد الانكليز سنة 1917       في ذكرى تأسيسها في 22 كانون الثاني 1932 .. جمعية الهلال الاحمر ومنكوبي الفيضانات       عندما اصبحت المس بيل مديرة لاثار العراق       الملك غازي يطرد يونس بحري من الاذاعة ثم يعيده       العدد (4352) الخميس 17/01/2019 (علي الشوك 1929 - 2019)       علي الشوك، الضَّعفُ حين يتحوّل إلى قوّةِ خلقٍ وإعادة وعي..    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :39
من الضيوف : 39
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 23792618
عدد الزيارات اليوم : 8168
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


محاكمة كافكا الأخرى: الوجه الغرائبي لشخصية الكاتب

كه يلان محمد
إشارات تشدّد  يطلقها"اللقاء التشاوري".."ثابتون على موقفنا"ترددات الأزمة تتفاعل سلباً..  وبروز مخاوفبري: الحل واضحالمزيدقد لا يمانع قارئُ النصوص الأدبية في  البحث عن الخيوط الواصلة بين حياة المؤلفِ وما يتابعهُ، وهذا عنصر في عملية  القراءة أيّاً كانت درجة التحايل والإلتفاف، فإنَّّ ذلك لا يثني المتلقي  عن المضي بحثاً عن مؤثرات حياة الكاتب وتجاربه الشخصية في عمله الإبداعي.


إنّ عدداً من الكتاب لا ينكرون بدورهم ما يرشحُ إلى تضاعيف أعمالهم من واقعهم المعيشي، غير أن تفوّق غرابة شخصية الكاتب وتوتّراته على ما تجده في أعماله المُصنّفة في أدب اللامعقول والكابوسي. فهذا أمر غير متوقع حتى بالنسبة لشخصية كاتب مثل فرانز كافكا الذي يُعدّ رائداً للأدب الغرائبي والكابوسي لكن مايضمّهُ كتاب «محاكمة كافكا الأخرى رسائل كافكا إلى فيلس»، الصادر من دار جداول- من تأليف الكاتب الألماني إلياس كانيتي، يضعك أمام عالم صاحب «المسخ»، وهو صاخبٌ بالقلق وبالوساوس الداخلية إذ يدرس المؤلف حياة كافكا إنطلاقاً من علاقته الغريبة مع فيلس بوير.

اللقاء الأول
تعرّف كافكا على الأخيرة في شقّة تخصّ عائلة ماكس برود سنة 1912 ويتأثر بتلك الفتاة لأول وهلة إذ يفصح بذلك في مراسلاته لماكس برود ومن ثم يبدأُ بمراسلتها مباشرة في أيلول هذه السنة. ويذكّرها بكلامهما حول زيارة إلى فلسطين والصوَر التي أخذها في رحلته إلى تاليا. يسردُ الكاتبُ تفاصيل الأيام التي أمضاها كافكا برفقة ماكس فايمار وزيارته إلى بيت غوته ومعرفته بإبنة القيّم على البيت، ويمرّر تلميحاً إلى إعجاب كافكا بتلك الفتاة. غير أنّ الأخيرة فضّلت مصاحبة الطلّاب. يعودُ كافكا من جديد إلى الحديث عن اللقاء الأول ويذكّر فيلس بمرور خمسة وسبعين يوماً على رؤيتهما للبعض. مؤكّداً لها بأنَّه ما فاتته أيّ تفصيلة صغيرة في شخصيتها، لافتاً إلى أنه مثل فلوبير الذي يهمّه توصيف دقائق الأمور. وفي سياق ذلك، يشير إلياس كانيتي إلى تجربة كافكا في المصحّة في «يونجبورن"وشروعه بكتابة اليوميات التي يعتبرها المؤلّف أفضل يوميات لرحلات كافكا. مُلاحظاً وجود صلة قوية بينها وبين رواية «أميركا». ويرى صاحب «أصوات مراكش» أنَّ كافكا قد أصبح جاهزاً في هذه الفترة لإكمال كتابه الأول «تأملات"بتشجيع من برود، إذ أعجبته مُصاحبةُ أسرة برود وارتاح بهم كما إندهش عندما ذكرت فيلس بأنها درست العبرية وأبدت ملاحظتها حول الطعام، مستعيدة ذكرى الطفولة وتعرّضها للضرب المبرح. تطوّرت المراسلةُ بين كافكا وفيلس إلى درجةٍ أنهما كانا يومياً يتبادلان الرسائل بينهما، وتظهر محتوياتها عن شكاوى كافكا من أحواله الجسدية، إلى جانب كتابة الرسائل بإنتظام. يُنجز بعض أعماله القصصية مثل الحكم والسكتة دون التسويف ويُضيفُ فصولاً جديدة إلى رواية «أميركا». لايقفزُ الكاتبُ على شخصية فيلس بل يصفها بأنها كانت بسيطة بناءً على ملاحظاتها التي يقتبسها كافكا في رسائله.أكثر من ذلك فإنَّ مايخلص إليه القارئُ أنّ كافكا يغارُ على فيلس وأنّ متابعة الأخيرة للكتّاب الآخرين أثارت تحفّظَ صاحب «المحاكمة». وهذا مايعني أيضاً أنَّ فيلس قارئةُ مميزة. لذلك يعبّرُ كافكا عن سعادته عندما يرسل إليها كتابه «تأملات"- كم سعيد للتفكير أنّ كتابي على الرغم ممّا أجده فيه من خطأ هو الآن في حوزتك- تنمُ الكلمات عن الحب الكامن والإعجاب الشديدين لفيلس.

تقلّبات
لاتشهدُ حياةُ كافكا إستقراراً على الصعيد النفسي، فهو يظلُّ نهب قلقه وهواجسه الكابوسية. صحيح أنَّ تواصله مع فيلس إنعكس إيجاباً على نشاطاته الإبداعية، ما يلفتُ النظرَ إلى أنّ زواج أخته وإرتباط صديقه ماكس برود زاد من حدّة توتره. ويفسّرُ إلياس كانيتي الأمر بأنَّ ترتيبات ما قبل الزواج قد أفزعت كافكا وخلّفت لديه الشعور بالنفور. عليه تتخذُ فليس صورة الخطر في ذهن كافكا وتختفي تلك المرأة التي إعتبرها سنداً تحت مخاوفه المُتصاعدة من الحياة الزوجية. ويكشف في أحد خطاباته لفيلس ماتعني له الكتابة وضرورة القيام بالمناورة في ظل حياةٍ يعوزها الوضوح. «أسلوب حياتي موجّهٌ للكتابة..الوقت ضيق، مقدرتي محدودة والمكتب مرعب» كما يبوحُ لها بأنَّه أصبح منحلّاً من كل مَن يعرف مشيراً إلى أيامه في المصحات. يستفيدُ ألياس كانيتي بما تتضمنهُ رسائل كافكا لماكس برود ويومياته لإستبطان شخصية كافكا أكثر والإبانة عن صراعه مع تكوينه الجسدي والآخر في آن واحد. يشغل موضوع الجسد وهواجسه بشأن نحوله كافكا ويتطرّقُ إليه ضمن رسائله، إذ يسرُّ لماكس برود برغبته بأن يكون سميناً. والغريب في الأمر أنَّ رائد الإتجاه الغرائبي يصفُ هذه الفكرة بالسخيفة. كما يتوقف عند هذا الأمر في رسالة إلى فليس موضحاً ما كان يشعر به في الحمّامات المُختلطة، وما يسبّبُ له نحوله من الإحراج. يصل به التوتر إلى حدٍ يشكُ بمَن لديه المواصفات الجسدية المماثلة لتركيبته يحكي عن زيارته للطبيب في رسالة أخرى لفيلس مُبدياً ارتياحه بحسّ الدعابة لدى الطبيب لكن مايثير قلقه أنّ هذا الشخص يتّصفُ ببنية جسمانية مماثلة من حيث الطول والنحافة لما عليه جسم كافكا. ولا يتجاهل الموضع ذاته عندما يراسلُ والده مقارناً بين الأخير وبينه على المستوى الجسدي. إذاً يخلصُ الكاتبُ إلى أنّ الموت ونحول الجسد مطابقان لدى كافكا. جانب آخر من شخصية كما يتبدى في رسائله هو نفوره من الإختلاط مؤكداً على أنَّه لايمكنُ أن يعيشَ مع الناس ولايحبذُ وجود زوار في غرفته.ويعلنُ بالوضوح تبرمه من مُحادثة الآخرين واصفاً نَفْسَهُ بأنَّه شخص ميئوسُ منه بالنسبة للعلاقات الإجتماعية. ضفْ إلى ذلك تخوفه من أن يكون أباً مع أنَّه يعترفُ مايعيشهُ الإنسان من التعاسة دون الأطفال بيدَ أنَّه لن يتجرّأَ على إختبار هذه التجربة. مايذكرك بأبي علاء المعري وأميل سيوران. لن يكتفي كافكا بِمُراسلة فيلس بل يلحُ على اللقاء إلى أن تحتفلَ أسرة بوير بخطوبة إبنتها بكافكا. وما أن يمرُ كثيرٌ من الوقت حتى تُفسخُ الخطبةُ ويُحاكمُ كافكا في فندق أسانيش ويعتقدُ ألياس كانيتي أنّ هذا الموقف قد ألهم كافكا بكتابة روايته الذائعة الصيت (المحاكمة) ومفهوم المحاكمة ليس عبارة فقط عن مؤسسة قانونية تعاقبُ المُخالفين للقوانين إنما المحكمة عند كافكا هي القوة التي تحاكم لأنها قوة على حدّ تعبير ميلان كونديرا. وعقب فسخ الخطوبة لاينقطعُ كافكا عن مراسلة فيلس فضلاً عن دراسة وتتبّع ما كان قائماً بين كافكا وفيلس يتناولُ ألياس كانيتى رؤية كافكا للتحوّل وتأثره في هذا المجال بالبوذية ولم يكفْ عن مشاهدة الحشرات وما تمرُ بها وبرأي المؤلف كان كافكا يمقتُ تقاليد برجوازية رافضاً تقيد بشروطها. هذا الكتاب ليس دراسة نقدية ولا سيرة ذاتية بل هو نصّ جميل يفصحُ كانيتى عن إفتتانه برسائل كافكا على حدّ تعبير عبده وازن.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية