العدد(35) الاحد 2019/ 08/12 (انتفاضة تشرين 2019)       دولة الطرف الثالث، والرصاص المجهول...!       الأمم المتحدة تدين عنف "العصابات" وتتهمها بالولاء للخارج       "ثأراً لضحايا السنك"..الديوانية تعلن الإضراب العام وتطلق حملة تبرع بالدم لجرحى بغداد       بعد مجزرة الخلاني والسنك..عشائر الناصرية والبصرة تتولى حماية المتظاهرين       أحداث ليلة القتل في السنك والخلاني.."كيف دخل المسلحون"؟.. اتهامات للجهات الأمنية بالصمت على المجزرة       " غضب دولي “واسع” من استهدف متظاهري التحرير: أوقفوا العنف فوراً"       عمليات طعن في التحرير.. وطبيب يروي التفاصيل       أحد أنشطة مخيم حديقة الأمة..ملعب كرة طائرة على الشاطئ الفاصل ما بين جسري السنك والجمهورية       إيَّاكُم وعُنف العراقيين .. نصيحَةٌ إلى السلطَة : سِلميَّتَهُم تَحميكُم !!!    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :59
من الضيوف : 59
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 29074174
عدد الزيارات اليوم : 1504
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » الحريات اولا


عندما ينفذ قانون حماية الصحفيين

د.صباح الباوي
تتداول الأوساط الإعلامية والسياسية والحقوقية والنقابية منذ سنين خلت  موضوع مشروع قانون حماية الصحفيين، ويتجاذب الجميع أطراف حديث معقد تحفه  معاناة الصحافة العراقية وأزمة الإعلام الحر حيناً وشجون شهداء الصحافة  وعبرات ذويهم أحايين أخرى،


 تلكم الشجون التي طالما استحضرها البعض في غمرة دفاعهم المستميت عن مشروع القانون على أساس انه الخلاص الذي يصبو إليه المحرمون والذي سينعم بين تضاعيف نصوصه صحفيو العراق. ولقد نُحِرَ على مذبح مشروع القانون كل من تساءل ببراءة عن الحقوق التي يهددها السبك السيئ للنصوص أو القضايا الجوهرية التي يمسها المشروع بسوء أو مبررات تحطيم الحريات الصحفية بدم بارد على يد نصوص فضفاضة مرنة تشرعن في وضح النهار النيل من المكتسبات الغالية التي سالت من اجلها دماء وسكبت في تمنيها عبرات، ولقد تشبث ذلك البعض بتلك النصوص رغم الأدلة القطعية على ركاكتها في الصياغة وضعفها المبين في المدلول تشبثاً أعمى وغض الطرف عن الكم الهائل من الملاحظات الموضوعية والشكلية الدستورية والقانونية والإعلامية التي ترد عليها، بل إن تهمة معاداة الصحفيين لتلصق تلقائياً بكل من يجرؤ أن يمس من قريب أو بعيد نصوص المشروع وكأنه صرح مقدس حتى ليخيل للمعنيين أن النصوص موحى بها، وقد صارت الأوساط السياسية والبرلمانية وكثير من المسؤولين تعد بتمرير مشروع القانون بسرعة الريح ولو على علاته والى جهنم كل الملاحظات التي ترد عليه، فالأجواء متوترة والهموم كثيرة ولا يتمنى أي من المسؤولين أن يستعدي الناطقين باسم صاحبة الجلالة ليجعل من نفسه هدفاً للتصريح والتلميح بالوقوف ضد معاناة ذوي شهدائنا من الصحفيين والفقراء والمعدمين، وليس بعيداً أن يتهم على الفور بتسلم آلاف الأوراق الخضر كل شهر في حين يبخل على الوسط الصحفي ببعض ما يمنحهم مشروع القانون من مزايا.
سنلحق ركب الوطنيين الوحيدين وسنفترض أن مشروع القانون قد تم تمريره من قبل مجلس النواب بسرعة الريح التي ذكرناها آنفاً، وسنفترض انه صودق عليه كما هو على أساس أن لا أحد من أعضاء مجلس النواب على استعداد لتلقي ذلك الكم الجاهز من التهم إذا ما راودته نفسه أن يعترض على نص من النصوص، لنتصور بعد هذا الافتراض الوضع الجديد للوسط الصحفي من ناحية قانونية صرفة، نلمس آثاره بحذر على الحقوق والحريات الإعلامية ودوره في حماية الصحفيين وتعويض مصابيهم والتوسعة على ذوي الشهداء منهم، سنتلمس كذلك الخير الذي يقال انه سينطوي عليه لحرية الوصول إلى المعلومات وحماية مصادر الخبر وردع الشكاوى ضد الصحفيين ونصرتهم في منازعاتهم مع مؤسساتهم الإعلامية، كل ذلك من وجهة نظر قانونية صرفة أساسها النصوص القانونية التي يتضمنها مشروع القانون والاشتراطات التي يوجِبها إنفاذ أحكامه، مع الأخذ بالاعتبار أن النسخة التي سنحلل آثارها هي النسخة الرسمية التي دققها مجلس شورى الدولة وصادق عليها مجلس الوزراء وقرأها مجلس النواب والمنشورة في الموقع الالكتروني الرسمي للمركز الوطني للإعلام حيث أن هنالك العديد من النسخ التي أعانت البعض على التملص الدائم من النسخة التي تتلقى أشد سهام النقد ليهرع إلى سواها ثم ما يلبث أن يستعين بالقديمة إذا ما خف الهجوم عليها واشتد على سواها.
تقرر المادة الأولى من هو الصحفي وترسم بلون احمر قانٍ قراراً نهائياً أن المنتمين لنقابة الصحفيين هم وحدهم لا شريك لهم صحفيو العراق، وإني إذ اخفض لصحفيينا الكبار من المنتمين للنقابة جناح الاحترام والتوقير أزعم أن النص يخالف المادة 39/ثانياً من دستور جمهورية العراق التي تنهى عن إجبار احد على الانتماء لجمعية ما، كما أزعم أن النص سيشطر الوسط الصحفي إلى فريقين، الى صحفيين منتمين معترف بهم ومتصيحفين متطفلين على الصحافة عليهم ان يكتبوا مقالاتهم تحت جنح الظلام كونهم دخلاء على الوسط الرسمي المعترف به، كما أزعم أن النص قطعاً وصدقاً سيمايز بين شهداء الصحافة وضحاياها، فإذا كان الصحفي لأغراض القانون هو المنتمي للنقابة فقط فمعنى هذا بالتأكيد أن عيال الشهداء الذين طالما تباكينا على مآسيهم عليهم أن يهرعوا إلى أطلال آبائهم من الشهداء ويتصفحوا بسرعة تلك الوريقات المضرجة بدمائهم عسى أن يكون من بينها بقايا هوية انتسابهم لحظة الاستشهاد إلى النقابة وخلاف ذلك فان القانون لا يشملهم بالتأكيد كونه يخص الشهداء المنتمين طبقاً لنص المادة 1/ثانياً، وجرحى العمليات الإرهابية من الصحفيين مشمولون بالحكم المذكور، فالصحفي الجريح المنتمي وحده من سيتقاضى الآلاف اللعينة التي سنمنُّ بها عليه، هذا إذا بقي له من جسد يحمله ليتقاضى شيئاً فنص المادة 13/ثانياً يوجب أن تكون نسبة عجزه 50%، أما إذا كانت 49% فانه غير مشمول بالتأكيد حسب الاشتراط الشكلي لنسبة العجز.
سيحمل صحفيونا الشجعان أقلامهم ووريقاتهم ليطرقوا الأبواب الموصدة بقوة، فنص المادة 3 من قانون حمايتهم يوجب على دوائر الدولة تقديم التسهيلات التي تقتضيها واجباتهم كما إنهم سيحصلون بالتأكيد على المعلومات بحكم المادتين الرابعة والسادسة اللتين تجيزان لهم الحصول على المعلومات والأنباء والبيانات والإحصائيات، ولكن قوة الطرق على الأبواب ستخف وصداها المقلق للفاسدين المنتشرين كالسرطان في مؤسساتنا سيتلاشى شيئاً فشيئاً، فالمادة الثالثة أوكلت للجهة التي يراجعها الصحفي تقدير (التسهيلات) التي يجب أن يحصل عليها و(كرامة العمل الصحفي) التي سيقرر احترامها، ثم سيتوقف الطرق المذكور على الأبواب وينتهي إلى الأبد، فنصوص القانون تشترط أن تمر المعلومات المطلوبة عبر بوابة (ما يسمح به القانون) و(ما لا يشكل ضرراً بالمصلحة العامة)، ويعلم القانونيون المختصون ويعلم غيرهم أي مدلول واسع مفتوح بلا حدود يمثله مصطلحا القانون والمصلحة العامة، فالقانون الذي يجب أن يحترم في هذا المقام يشمل الدستور والقوانين النافذة منذ تأسيس الدولة العراقية مروراً بحقب الظلم وجمهوريات الخوف ووزارات الإعلام كما يشمل قرارات مجلس قيادة الثورة التي لم تلغَ وضوابط الأمس التي لم تعدّل أو تُبدَّل بحكم المادة 130 من الدستور، فإذا تسرب أمر من هاهنا أو نجا خبر من هاهناك فإن حسام (المصلحة العامة) سينتصف منه، ومعلوم لدى القاصي والداني كم يحب الفاسدون أوتار المصلحة العامة التي سيعزفون بها أجمل الألحان للصحفي المبهوت الماثل أمامهم، وحينذاك ستتساقط وريقات الصحفي وقلمه وستتساقط معها صفيحات القانون الثلاثة التي لن يتكلف الصحفي حملها من جديد وقد شرعنت حجب المعلومة وقننت منع الخبر.
ولنفترض في ما نفترض أن صاحبنا الصحفي لم يسكت، بل سعى وراء خيوط العنكبوت التي أبقتها نصوص القانون كي ينسج من خلالها المعلومة ويوصل بوساطتها الخبر، ولأن أوهن البيوت لَبيت العنكبوت، كما لا يخفى فإن الصحفي سيجري تكذيبه واتهامه وتجريمه بالقذف والسب والشتم، وأمام هذا التهجم عليه فانه سيلجأ مستبشراً إلى نص المادة 8 التي لا تجيز مساءلة الصحفي عما يبديه من رأي وان لا يكون ذلك سبباً للإضرار به، ولكن استبشاره سرعان ما سيضمحل عندما يكمل قراءة ذيل النص (ما لم يكن فعله مخالفاً للقانون) وقد تعرفنا قبل اسطر على معنى كلمة قانون ولكن الذي اعترف بجهله رغم كوني مختصاً بعلم القانون معنى (عدم الإضرار بالصحفي ما لم يكن فعله مخالفاً للقانون)، فمفهوم المخالفة يعني أن بالإمكان الإضرار به إذا خالف القانون وهذا ما لا نظير له في كل قوانين السماء ولوائح الأرض منذ القوانين المغرقة في القدم كقوانين اورنمو ولبت عشتار واشنونة وحمورابي وصولاً إلى تشريعات النازيين والفاشست، فالدولة لا تشرعن (الإضرار) بأحد، ولكنها قد تنزل به العقاب لانتهاك القانون، أما ان يجري تشريع الإضرار المفتوح بالصحفي نظير مخالفته القانون دونما تحديد للمخالفة ولا للقانون فهذا ما لا يطيق له مختصٌ تفسيراً.
ثم إذا ما أفرغ الصحفي جعبته من النصوص المذكورة فان الجهة التي تقرر إلقاء القبض عليه واستجوابه لا تلتزم بأكثر من (إخبار) النقابة وفقاً للمادة 10/أولاً وثانياً من القانون، ولا أذيع سراً إذا ما زعمت أن الإخبار لا يشكل كبير مشكلة للجهة التي تعتقِل أو تستجوِب، كما انه لا يشكل حماية تذكر لمن يُعتقَل أو يُستَجوَب، فإذا انتهى الأمر بمحاكمة الصحفي فإن جلَّ ما يقدمه القانون هو أن يتيح لنقيب الصحفيين (واللام للتخيير) أو من يخوله أن يحضر التحقيق أو المحاكمة وفقاً لنص المادة 10/ثالثاً، ولا ريب أن القانون عندما أجاز الحضور لم يأتِ بجديد حيث أن حضور المحاكمات أمر مكفول للجميع بموجب نص المادة 152 من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل، كما أن المادتين 11 و12 لا تعدوان أن تكونا نسخاً لنصي المادتين 43 و 52/ب وج من قانون أصول المحاكمات ذاته، ومعلوم لدى المختصين في فن الصياغة التشريعية أن ذكر نصوص نافذة أصلاً في قوانين جديدة يراد لها أن تصدر يعد من قبيل الحشو التشريعي غير المبرر وهو أمر لا يجوز بحال فضلاً عن انه لا يحقق حماية خاصة بالصحفيين لذواتهم كون الأمر مكفولاً أصلاً، وهذا ينطبق على نص المادة 14 من قانون حماية الصحفيين والتي توجب على الدولة أن توفر العلاج المجاني للصحفي الذي يتعرض للإصابة، حيث أن الدستور قد كفل هذا الأمر أصلاً بموجب نص المادتين 30/ثانياً و31/أولاً منه ومعلوم أن علاج ضحايا العمليات الإرهابية مجاني في العراق دونما حاجة للتفضل على جرحانا من الصحفيين الشجعان بهذا النص.
أما بالنسبة لعقد العمل الذي يبرمه الصحفي فإنه سيصبح بعد نفاذ القانون من مسؤولية النقابة، فهي التي تصوغ وهي التي تشترط وهي التي تقرر، وما على المؤسسة الإعلامية إلا أن تتلقى بقبول حسن وتوقع وما على الصحفي المنتمي إلا أن يرضى ويوقع، ومعلوم أن قانون نقابة الصحفيين رقم 178 لسنة 1969 لا يقرر للنقابة – وهي لا تعدو أن تكون جمعية غير حكومية -هذه الصلاحية وان إقرارها سيعني مخالفة المبادئ التي ترقى حتى على الدستور من قبيل حرية التعاقد وحرية التفاوض التعاقدي والتي يقررها الدستور والقانون المدني ويوجبها حق الإنسان في التعاطي مع شؤونه الخاصة ومنها السبيل الذي يبتغيه في استحصال رزقه والسياسة التي يرسمها لعمله، كما إن النص سيفزع بالضرورة المؤسسات الإعلامية الأجنبية وسيكون مبرراً أكيداً لإثارة حفيظتها واعتراضاتها الشديدة، فالحرية التي تحيط العمل الإعلامي في العالم كله ومساحة الحركة الكبيرة التي تقررها لها المجتمعات في التعاطي مع مختلف الشؤون ومنها شأن التعامل مع العاملين لديها أو لمصلحتها سيكون مفقوداً تماماً في العراق وسيكون لهذا الأمر آثار كارثية على الحريات الإعلامية التي تريد أن تنعم بها مؤسسات ووكالات الإعلام الأجنبية وحتى الوطنية كما إن له آثاراً غير محمودة على حركة الاستثمار الإعلامي التي يحتاج إلى تحفيزها العراق كمصدر حيوي مهم للدخل القومي، ناهيك عن السمعة السيئة التي ستلحق بالدولة على الصعيد الأممي حينما تتناول الأوساط الإعلامية الأجنبية التي تعاني أصلاً حساسية مزمنة من الطغيان والدكتاتورية والقمع والتسلط إن عليها أن توقع عقودها مع الصحفيين العراقيين كما تشاء النقابة لا كما يشاؤون هم أو الصحفيون أنفسهم، ومعلوم إن أي صحفي غير منتمٍ لا يجوز التعاقد معه ولا توظيفه استناداً لمفهوم المخالفة الذي يفيده النص. لقد كان من اللازم أن يشترط القانون النص في عقود العمل التي تبرم مع الصحفيين العراقيين على بنود تكفل احترامهم وتوصل إليهم حقوقهم وتحرِّم فصلهم فصلاً تعسفياً وتوجب لهم مكافآت متميزة عند نهاية عقود الجيدين منهم، ونجد أن المادة 16 من القانون تقرر واحداً من أبأس أشكال الحماية التي من الممكن أن تقررها قواعد أي قانون، فالفقرة الأولى من النص توجِب (إشعار) النقابة قبل انتهاء عقد العمل الصحفي ثم تبين الفقرة الثانية انه في حالة عدم تسوية النزاع بين المؤسسة الإعلامية والصحفي فيصار إلى تطبيق قانون العمل، ولا يعلم أحد أين تكمن الحماية في (إشعار) النقابة بانتهاء العقد أو أين تكمن الحماية في نص يقول أن النزاع بين الصحفي والمؤسسة الإعلامية إذا ما استمر فسيصار الى قانون العمل، انه الصحفي ذاته الذي انتمى مرغماً ليحصل على الاعتراف بصفته، هو ذاته الذي حمل أوراقه البائسة وجمع خيوط العنكبوت وتلقى التهم ودفع عنها ثمناً قد يصل إلى حبسه، هو ذاته الذي وقع العقد النقابي، سنرى الصحفي يقف وحيداً أمام مؤسسة إعلامية  تتنازع معه في شأن من الشؤون وما عليه إذا ما خرج صفر اليدين من نزاعه إلا أن يلتحق في طوابير العمال المفصولين الذين يهرعون إلى مؤسسات العمل والضمان الاجتماعي لتشملهم ببعض المال المضمون من مرتباتهم عوناً لهم لما لحق بهم، ولعل بالإمكان شمولهم بشبكة الرعاية الاجتماعية التي تكفل للعاطلين عن العمل بعض المال.
إن مجلس النواب مدعو بقوة إلى أن يقف وقفة الشجعان ويضع للصحافة العراقية قانوناً ينظمها ويقرر للصحفيين جميعاً حقوقهم العادلة بعد أن يبارك لهم مواثيق للشرف الإعلامي يتخذونها دليلاً صحياً للعمل الحر، مدعو بقوة إلى أن يقر لهم قانون حق الوصول إلى المعلومات الذي توجب إصداره المادة 10/أ من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2004 والتي صادق عليها العراق بدل الاتكال على نصوص ستولد ميتة وستقضي بالضرورة على المكاسب المهددة أصلا والتي نزف لأجلها شهداء الحرية أغلى وأزكى الدماء.

لماذا لا يصح إصدار قانون حماية الصحفيين؟

إن قراءةً متأنية لمشروع قانون حماية الصحفيين لتكشف للمتلقي انه من المشروعات التي لا يصح تبنيها للأسباب الآتية:
1. الأسباب العامة:

‌أ. إذا كانت المخاطرُ التي تواجه فئة اجتماعية سبباً لتشريع قانون لحمايتها فان هذا سيوجب تشريع عشرات القوانين لحماية مختلف الفئات الاجتماعية إضافة للصحفيين كالعلماء وأساتذة الجامعة ومنتسبي قوى الأمن الداخلي والدفاع ورجال المرور وغيرهم، وهذا ليس بمنطقي، فإذا أُفرِدَ الصحفيون بهذه الحماية بسبب المخاطر الظرفية المؤقتة التي واجهوها فان هذا سيخل بمبدأ المساواة بين العراقيين أمام القانون وفق المادة 14 من دستور جمهورية العراق.

‌ب. إن حماية الفئات الاجتماعية المختلفة مكفولة بموجب القوانين العراقية النافذة كقانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، كما ان تعويضهم عن الاصابات التي تلحق بهم جراء العمليات الارهابية او العسكرية او غيرها مكفول بقانون تعويض المتضررين جراء العمليات الحربية والاخطاء العسكرية والعمليات الارهابية رقم 20 لسنة 2009، فلا يكون من اللازم إصدار قوانين جديدة في هذا الصدد لاسيما أن القانون محل البحث لم يأتِ بجديد.

‌ج. من الواجب أن يتحدد مضمون القانون بعنوانه والأسباب الموجبة له ولكن قراءةً دقيقة لمشروع قانون حماية الصحفيين تبين انه تطرق إلى موضوعات لا علاقة لها بذلك، كفرض الانتماء إلى نقابة الصحفيين العراقيين لاكتساب صفة الصحفي وإلزام المؤسسات الإعلامية بتوقيع عقود مع الإعلاميين والصحفيين من وضع النقابة، وغير ذلك.

‌د. طالما إن هنالك قانوناً يخص نقابة الصحفيين العراقيين وهو قانون رقم 178 لسنة 1969 النافذ وطالما أن مشروع القانون محل الدراسة يخص الصحفيين المنتمين فقط فان من اللازم أن تقدم النصوص الإضافية على شكل تعديل للقانون النافذ وليس بقانون جديد.

‌ه. إن مشروع القانون يتضمن في بعض نصوصه واجبات على أجهزة الدولة في تعاطيها مع الصحفيين ولكن لا يفرض القانون أي التزامات على الصحفيين ولا يوجِد أي مواثيق عمل أو قواعد لممارسة المهنة يجب على الصحفيين التقيد بها.

2. الأسباب الخاصة

‌أ. المادة الأولى تعرف الصحفي على انه المنتمي إلى نقابة الصحفيين، وهذا مخالف لنص المادة 39/ثانياً من دستور جمهورية العراق التي لا تجيز إجبار احد على الانضمام إلى جمعية، كما أن تعريف الصحفي بأنه المنتمي للنقابة فقط يخل بنص المادة 38/ثانياً التي كفلت حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر.

‌ب. لم تبين المادة الثالثة ما هي طبيعة التسهيلات التي على دوائر الدولة أن تقدمها للصحفي ولا كرامة العمل الصحفي التي قصدتها مما يجعل تلك المصطلحات مرنة وقابلة للتفسير بما لا يحقق حماية تذكر للصحفيين في هذا الصدد.

‌ج. المادة الرابعة تحيل إلى (القانون) بيان حدود المعلومات المتاحة للصحفي وهو مصطلح في غاية المطاطية ويكفل تقييد حق الوصول إلى المعلومات بدل أن يحمي الصحفيين وهو شرعنة لمنع الصحفي من الحصول على المعلومات بحجة القانون.

‌د. المادة الرابعة تقرر للصحفيين أمراً واقعاً بالفعل وهو أن لهم الامتناع عن كتابة ما لا يشاؤون من مقالات أو التعقيب، ومعلوم أن الخوض في المسلَّمات لغو يجب أن تتحصن منه القوانين.

‌ه. تعلِّق المادة الخامسة حق اطلاع الصحفي على المعلومات على أن لا يكون إفشاؤها ضارّاً بالمصلحة العامة أو مخالفاً للقانون، ومعلوم أن المعيارين الأخيرين مطاطان لا حدود لمدلولاتهما، وبالتالي فان هذا النص لا ينطوي على حماية تذكر بل هو شرعنة لمنع الوصول إلى المعلومات.

‌و. المادة الثامنة لا تجيز مساءلة الصحفي عن آرائه أو الإضرار به ما لم يكن فعله مخالفاً للقانون، وبمفهوم المخالفة فان الإضرار بالصحفي جائز إذا كان فعله مخالفا للقانون، وهذا أمر في غاية الغرابة حيث يتيح الإضرار دون تحديد به إذا خالف القانون، وقد ذكرنا أن مصطلح القانون واسع مرن ويتيح للجميع الاتِّكاء عليه لاستخدامه لكتمان المعلومات فلا ندري اين الحماية في هذا النص.

‌ز. لا تضمن المادة العاشرة أي شكل من اشكال الحماية عندما توجب اخبار النقابة بالشكاوى ضد الصحفيين، فمعلوم ان الإخبار لا قيمة له، وكذلك لا حماية ترتجى من الحضور الاختياري لنقيب الصحفيين أو من يخوله لجلسة استجواب الصحفي أو التحقيق معه أو محاكمته، فالحضور لا يغني شيئاً.

‌ح. نصا المادة 11 و 12 نسختان طبق الأصل لنصي المادتين 43 و 52/ب و ج من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 النافذ فعلاً وبالتالي فان النص لا يعدو أن يكون تكراراً لنص موجود نافذ فعلاً وبالتالي فهو حشو تشريعي فضلاً عن انه لا يتضمن أي حماية جديدة تذكر.

‌ط. المادة 13 تمنح عيال شهداء الصحافة من المنتمين حصراً لنقابة الصحفيين راتباً تقاعدياً، والنص بذلك يميز بين الشهيد المنتمي وغير المنتمي إلى النقابة كما انه يتداخل مع قانون تعويض المتضررين جراء العمليات الحربية والأخطاء العسكرية والعمليات الإرهابية المذكور آنفاً، كما إن الإصابة التي تجيز التعويض في مشروع القانون مبالغ فيها وهي 50% بينما نسبة الاصابة هي 1% في قانون التعويض المذكور فأين الحماية المقررة للصحفيين؟

‌ي. نص المادة 14 لا يوفر حماية تذكر عندما يقرر مسؤولية الدولة عن معالجة الصحفي المصاب، فمعالجة المواطن المصاب مقررة أصلاً بموجب نص المادة 30/ثانياً و31/أولاً من الدستور.

‌ك. لا يستساغ ان تضع النقابة نموذجاً موحداً للعقود التي تبرم مع الصحفيين بموجب المادة 15 من مشروع القانون كون ذلك سيمس بحرية التعاقد التي كفلها الدستور والقانون المدني ويحد من إمكانية التفاوض التعاقدي بين المؤسسة الإعلامية والصحفي وسيخضِع المؤسسات الاعلامية وهي جهات مستقلة عن النقابة إلى اشتراطات النقابة وقراراتها وهو امر لا نرى انه مقبول أو مستساغ.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية