العدد(4398) الاثنين 25/03/2019       كامل الجادرجي أول رئيس لجمعية (نقابة) الصحفيين سنة 1944       في ذكرى صدورها عام 1910 مجلة ( العلم ) وريادتها الاصلاحية والعلمية       الثانوية المركزية واحداث سنة 1956 كيف ثار الطلاب ضد العدوان الثلاثي على مصر ؟       كيف اقيم للحلاج قبر رمزي في بغداد ؟       وضع الحجر الاساس له في 24 آذار 1957 هكذا ولدت الفكرة وهكذا شيد المتحف العراقي الجديد       من التاريخ الاداري لمدن العراق في العهد العثماني .. عندما كانت العمارة تابعة لولاية بغداد       عبد الرحمن خضر وتقليد القبانجي       العدد (4396) الاربعاء 20/03/2019 (محمد عبد الوهاب)       محمد عبد الوهاب يغني في بغداد    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :27
من الضيوف : 27
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 24593588
عدد الزيارات اليوم : 925
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


الديمقراطية استعارة مقاربات أولية لطروحات سمير أمين

الديمقراطية وصفة سحرية
يوسف محسن
أخذ  رجال السياسة والكتبة يذبحون المقالات عن الديمقراطية بدون إخضاع هذا  المفهوم للفحص التاريخي النقدي، إذ طرح هذا المفهوم بصوره السياسية وبوصفه  نوعاً من البديهيات القابلة للاستعارة والنقل بلا مرجعيات فلسفية أو  اقتصادية أو فضاءات سياسية. وفي الطرف الآخر من المعادلة، أخذ المركز  الكولونيالي يعيد تصميم تاريخ المجتمع العراقي بعد أن تم تفكيك الدولة  العراقية ومؤسساتها القانونية والاقتصادية والسياسية.


(1)

هذه القراءة ليست تحليلاً نقدياً لمفهوم (الديمقراطية) كتشكيل مجتمعي، ولكن لإزالة الوهم عن أحد المفاهيم الأساسية المفصلية الذي تم تكريسه دعائياً. لنقطة الجوهرية في عملنا تأخذ مساراً مرجعياً تاريخياً، في عملية قلب لسؤال د. حيدر سعيد (لماذا الانتقال إلى الحداثة والديمقراطية غير ممكن نسبياً في مجتمعات العالم الثالث والعالمين العربي والإسلامي بصورة عامة والمجتمع العراقي بصورة خاصة وفي هذه اللحظة التاريخية الراهنة؟).
(2)
الديمقراطية (نظام علاقات مركبة) هي نتاج حقل التاريخ، أي انها تفاعل العوامل الموضوعية المادية (العلاقات الاجتماعية، نمط الانتاج، الحداثة، التحضر والعامل الايديولوجي).
وهي ترتبط، من حيث هي ممارسة بالنسق القيمي للمجتمع المدني والبنى التخيلية والاقتصادية والسياسية  للجماعات التي يتكون منها المجتمع، فهي ليست"مثلاً عليا أو مبادئ مجردة يطبقها هذا المصلح او ذاك، فهي في جانبها النظري ليست اكثر من تمثيلات فكرية لعلاقات متبلورة او قيد التبلور، نظام علاقات اجتماعية وسياسية واقتصادية ومؤسساتية وثقافية تعمل بايجاز شديد على ثلاثة مستويات.
أولاً: نظام علاقات بين افراد وفئات مجتمع معين.
ثانياً: نظام علاقات بين هذا المجتمع وبين الدولة كهيئة ناظمة لاحتكار وسائل العنف المشروع والتقنين، لصيانة حياة وملكية وثقافة سائر مكونات المجتمع، وحماية المجتمع نفسه ككل من التحديات الخارجية.
ثالثاً: نظام علاقات وظيفي / مؤسساتي بين مكونات هذه الدولة التي تضطلع بوظائف متباينة: التنفيذ، التشريع، القضاء"(عبد الجبار - الديمقراطية المستحيلة / 1998).
اما المجتمع العراقي فهو ينتمي، في تصنيفات سوسيولوجيا التنمية، إلى مجتمعات العالم الثالث، أي المجتمعات الطرفية الغائبة والمهمشة في هيكلية الاقتصاد العالمي. كما انه يشهد هيمنة التكوينات ما قيل المدنية، التي هي انتاج المجال التاريخي لأحد اطوار المجتمع العراقي، إذ تعبر هذه التكوينات عن حالة الانفصام القصوى في مجتمع هلامي لم تتبلور فيه التشكيلات المؤسساتية.
(3)
تتركز معظم دراسات المفكر الاقتصادي سمير أمين على ثنائية (المركز / الاطراف) في سياق نظرية التراكم العالمي،"حيث ان التراكم الراسمالي يحصل في مركز الاقتصاد العالمي بينما يقوم التخلف الاجتماعي والاقتصادي في الاطراف"براين / ماركس / 1981) هذا التراكم مرتبط بآليات التوسع الكولوثيالي الذي يشمل"القارتين الافريقية والاسيوية خلال القرن التاسع عشر وهي موجة توسع من اجل فتح الاسواق التي رتبت على انجازات الثورة الصناعية. لقد أدى هذا التوسع إلى استقطاب على صعيد عالمي لم يكن له مثيل خلال الالفيات السابقة لتاريخ الانسانية (أمين / عولمة الثقافة / 2002).
وقد انتج هذا التوسع والتراكم على الصعيد العالمي القوى التي انتفضت فقادت الثورات الاشتراكية في روسيا والصين وثورات التحرر الوطني في آسيا وأفريقية أي في مناطق طرفية عانت من الاستقطاب مما اوجد تغيرات ملحوظة في هرمية ترتيب الامم في المنظومة العالمية، وبالذات مجتمعات الاطراف حيث انقسم العالم الثالث إلى مجموعتين من التشكيلات الاجتماعية الراسمالية الطرفية. تتكون المجموعة الاولى من تلك المجتمعات التي استطاعت ان تقيم منظومة انتاجية وطنية متمركزة حول الذات، وتضم هذه المجموعة المجتمعات الاشتراكية سابقاً في اوروبا الشرقية والاتحاد والسوفيتي والصين، كما تضم كوريا والهند والبرازيل. أما المجموعة الثانية فتظم العالم العربي والاسلامي إلى جانب افريقية. وهذه المجموعة تقع في موقع المفعول به العاجز عن تطوير ستراتيجية خاصة به، فالقوى المهيمنة عالمياً تفرض على هذه الدول التكيف الاحادي الجانب والخضوع لاحتياجات التوسع الرأسمالي، فالمنطقة مهمشة بهذا المعنى الاقتصادي والسياسي، وينعكس هذا الوضع في غياب خطط وطنية مستقبلية لدى الطبقات الحاكمة واحلال مشروعات وهمية ثقافوية ودينية سلفية، فهذه المشروعات غير قادرة اصلاً على ان تدرك مغزى التحديات الحقيقية.
ونتيجة للتآكل التدريجي الذي ادى إلى انهيار وسقوط نموذج النظم السوفيتية في الشرق ونمط الدول الوطنية الشعبوية في العالم الثالث،"بزغت ملامح موجة جديدة من التوسع الكولوثيالي، حيث تظل اهداف راس المال المهيمن للشركات العملاقة المتعددة الجنسية هي هي، أي السيطرة على الاسواق والاستفادة من استغلال العمل في الاطراف، حيث ان المشروع الجديد يعمل في اطار تغيرات بالغة، كما ان الخطاب الذي يعطي المشروع ويضفي عليه المشروعية قد تجدد، فصار يدعو إلى نشر الديمقراطية وحقوق الشعوب د. أمين / عولمة الثقافة / 2002).
ان تفحص مسار التوسع والتراكم الرأسمالي داخل الحقل التاريخي يكشف لنا ان الهيمنة صفة دائمية لتشكيلات رأسمالية المركز مقارنة بالطابع المبتور لرأسمالية الاطراف حيث ان غياب الديمقراطية في جميع مناطق الاطراف يكمن في خصوصية التراكم الراسمالي على عكس ظروف التراكم في المركز التي انتجت شروطاً موضوعية أتاحت تحقيق حلول اجتماعية وسطى بين رأس المال والعمل"د. أمين / حول الدولة والدين / 1996).
ان مجتمعات العالم الثالث (مجتمعات العالمين العربي والاسلامي والعراق) خصوصاً دخلت في مرحلة انحراف بنيوي عن خط سير التنمية منذ خمسينيات القرن الماضي، وبسبب هذا المفشل الاقتصادي والسياسي للدولة الوطنية الشعبوية اتخذت الانظمة السلطوية سلسلة من آليات الدفاع عن الذات (القومية، معاداة الغرب، الاصالة الاسلامية، الاشتراكية العربية، الطريق الثالث، كره الثقافات الحديثة)، كما حجمت وهمشت الطبقات الاجتماعية الحركية، وبالذات الطبقة الوسطى (حاملة التنوير والديمقراطية) التي تم احباط تطلعاتها كما في عراق  التسعينيات، بالاضافة إلى ان المجتمع العراقي يعاني من غياب المدنية والتحضر وهيمنة التوترات الدينية والطائفية والقومية والاثنية. ان هذا الوضع التاريخي، على حد تعبير براين، يؤكد فشل هذه المجتمعات في خلق شخصية مدنية او تحويل ذاتي إلى ثقافات جذرية علمانية.
ان عدم حدوث (التراكم الراسمالي) في المجتمعات الطرفية هو نتيجة آليات التوسع والتراكم في مجتمعات (المركز)، الذين كان من الممكن ان يؤدي دوراً وظيفياً كحامل سياسي وفكري واجتماعي في قيام (عناصر الفصل) بمختلف اشكاله في المجتمع، التي تمثل حجر الزاوية في فلسفة الديمقراطية. ان الديمقراطية في هذه المجتمعات لم تتجذر لعدم استجابات البنى والتشكيلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية، وظلت في"أفضل الفرضيات شكلية وجزئية وناقصة، ظاهرة مؤقتة تظهر في بعض الفترات، وخاصة في مرحلة الازمة أو تتخذ شكلاً شعبوياً معارضاً في الجوهر (لفكر الديمقراطية)"د. أمين / عولة الثقافة / 2002).
(4)
إن الديمقراطية هاجساً ملح للشرائح الاجتماعية العراقية (حاملة الثقافة التنويرية) حيث التداول السلمي للسلطة والتعاقد الاجتماعي وتقسيم السلطات والخضوع لحكم القانون واقامة المجتمع المدني وتثوير المؤسسات السياسية الاقتصادية والاجتماعية واستيعاب الآخر / الديني والآخر السياسي، وهذا يتطلب صراعات فكرية وسياسية عاصفة وبناء دولة قانون ومجموعات بشرية بعيدة عن الهوس الديني والاسطوري وهذيانات الاحزاب القومانية والعشائرية والاحزاب ذات التركيبات الطائفية. إن الديمقراطية، كتشكيل مجتمعي وكممارسة تقوم اولاً على اختيار ثقافي لصالح العقلانية، في حين نرى، بدلاً من ذلك، عودة إلى اسطورية التوازنات الطائفية والقومية والتمركز حول الهويات السياسية الاقلوية والتسال الشغوف عن قلق الوجود الاثني والقومي واعادة اكتشاف القيم العشائرية وصعود تأطيرات المحاصصة في حقول الثقافة والسياسية والاقتصاد.
ان الحديث عن الديمقراطية في العراق الراهن (هرطقة منتحلة) فاقامة المجتمع الديمقراطي لابد ان يؤسس على مجموعة من المتغيرات داخل النظام البنيوي المجتمعي عبر تحسين النظام التعليمي وتحديث نظام المواصلات والخدمات الاساسية وبناء النظام العائلي وديمقراطية السياسية واضعاف تأثير القادة الدينيين والقادة السياسيين التقليديين وتحجيم التكوينات العشائرية وتطوير البناء السياسي والاقتصادي، يضاف إلى ذلك ان الوقائع السياسية تؤكد أن المؤسسة الامريكية لا تسعى إلى احداث تغيرات راديكالية كبيرة داخل نظام السلطة السياسية للدولة العراقية، وانما تهيئ الارضية لتشكيل كارتل سياسي - اقتصادي (بولياركي) للتحكم بالدولة السياسية،"هذا الكارتل يسعى إلى انتخابات محكمة وبطريقة حضارية وضمن خيارات مخطط لها من خلال الرقابة الذاتية واستطلاعات الرأي العام.
ومن المفترض ان تؤدي هذه (الآلية) إلى خلق قوى سياسية ومجموعات محلية مؤيدة للولايات المتحدة الامريكية، لتكون في النهاية جزءاً من الكفاح السياسي ضد قوى الاصولية الدينية واليسار العلماني الجذري"(مغربي / الغرب واحتمالات المستقبل) ان المؤسسة الامريكية السياسية منذ البدء انطلقت من فكرة (التمثيل الطائفي) و(التمثيل القومي) و(التمثيل الأمني)، في تكوين الدولة العراقية ما بعد صدام، في حين ان الديمقراطية تكرس (المواطنة) وتميل إلى حذف هذه التكوينات التي تشكل عائقاً أمام اقامة المجتمع الديمقراطي.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية