العدد (4412) الخميس 18/04/2019 (سعاد العطار)       سعاد العطار عراقية تنسج الحلم الأسطوري       سعاد العطار في صحبة فيردي وشتراوس والآخرين : ترجمت التراجيديا بصرياً والتغرب أوصلني إلى جذوري       سعاد العطار صارت رسامة وهي في السادسة..فنانة عربية حالمة «تصنع» السلام باللون والريشة !       استراحة اللحظة الخالدة لسعاد العطار       تنسج نزيفاً مبهراً على القماش والورق..سعاد العطار.. علامة فارقة في المشهد التشكيلي العربي       التشكيلية العراقية سعـاد العطار.. رائحة الأساطير الحالمة       سعاد العطار       العدد (4411) الاربعاء 17/04/2019 (توماس كون)       في فلسفة العلم ... بنية الثورات العلمية    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :41
من الضيوف : 41
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 25006967
عدد الزيارات اليوم : 7021
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


حياة بول ريكور: يتمٌ.. وأسرٌ.. وتأويل..

ذياب شاهين
تحت عنوان (بول  ريكور من سؤال الذات إلى انبثاق المعنى) كتب عمر مهيبل الذي قدَّم لكتاب  (طول تأمُّل) للفيلسوف الفرنسي بول ريكور قائلاً: كان ريكور أستاذاً مبرزاً  ذائع الصيت، استطاع بحسه الإنساني الصافي أن يشيِّد فلسفة محكمة البنيان؛  بسيطة في شكلها، عميقة في دلالتها، فلسفة كانت على مرمى حجر من مشارب  معرفية عدَّة).


 وأضاف: يرى ريكور منطلق الفهم أنه كامن في تركيبة السؤال ذاته)، وكذلك أن العلاقة بين الرمز والتأويل عنده هي علاقة جنينية ترتسم حولها وبها معالم الحقل الأبستيمولوجي المؤسِّس للهرمينوطيقا أو التأويل، فالرمزية مرتع خصب لتعدُّد المعاني والدلالات.

لو انتقلنا إلى متن الكتاب، وإلى الفصل الأول منه، والمعنون بــ (السيرة الذاتية الفكرية) إذ نقرأ عن بدايات ريكور وبقلمه حيث قال: سأبدأ السرد بما أحفظه من ذكرى السنة التي أمضيتها بقسم الفلسفة إبان الموسم الدراسي (1929-1930) أيام كنتُ ابن سبع عشرة سنة، وإني لأذكر أنها السنة التي اصطدمتُ فيها بتعليم مغاير بالكلية لما كنتُ حصلته في سابق دراستي، سواء أكان ذلك في الأدب أو في التاريخ أو في العلم، على أن اختلاف هذا النمط من التعليم لم يكن متعلقاً دوماً بأصحاب المؤلفات المدروسة، فقد درسنا سابقاً، ومن وجهة نظر أدبية، المآسي الإغريقية والخطباء اللاتين وباسكال ومونتسكيو وفلاسفة القرن الثامن عشر، غير أن الأسباب العميقة التي كانت تقفُ خلف تصورهم للأشياء، ظلت محجوبة عنا على نحو من الأنحاء، وهكذا فقد رحنا نواجه مع انتقالنا إلى قسم الفلسفة، المذاهب ذاتها على مستوى مبادئها وأصولها وخصوماتها.
لم تكن حياة بول ريكور بسيطة وطريقها معبَّداً بالزهور، بل كان فقيراً ويتيماً بعد وفاة والده، ووفاة والدته أثناء ولادته، وتربيته في كنف عمته وجده لأبيه، وبالرغم من اعتباره إدارياً من (أيتام الأمة)، إلا أنه انساق إلى الرسم والقراءة، وكانت حياته منحصرة بين البيت وثانوية الذكور في مدينة (رين)، وبالرغم من اكتشافه (للكلاسيكيين الكبار) في السنوات السابقة لسنة الفلسفة، ولكن ذلك لم يمنع عن صدمة اللقاء بالفلسفة الحقيقية التي لم يستطع التعرُّف عليها عند موتتاني وباسكال وفولتير وروسو.
كان هنالك صراع بين ما كان يؤمن به ريكور نتيجة نشأته البروتستانتية وبين ما يقرأه عند فلاسفة آخرين، وإذا كانت قراءته شلايرماخر قد عزَّزت عاطفته المطلقة لما كان يؤمن به، فإن النقدية المحدثة التي اكتشفها في الجامعة أجَّجت ذلك الصراع، خصوصاً بعد قراءته لكتاب هنري برغسون (منبعا الأخلاق والدين)، وكذلك لاهوت كارل بارث، وهذا ساعده لإدارة حرب داخلية على الصعيد الذهني بين الإيمان والعقل أو عمل هدنة بينهما. في باريس، وفي العام 1934-،1935 التقى ريكور بــ (جبرائيل مارسيل) وبـ (إدموند هوسرل)، فضلاً عن تلقيه تعليماً متيناً في (السوربون) من قبل أساتذة كبار منهم: ليون روبان، وإميل بريهييه، وليون برونشفيج، كذلك انتظم على حضور حلقات كانت تُعقد في كل يوم جمعة يقوم بها كل واحد في مقاربة موضوع ما اختياراً وبحثاً دون اللجوء إلى سلطة أي فيلسوف ذائع الصيت، وهذا ما جعلهُ متدرباً على المنهج السقراطي في تحليل تجارب عامة كالشعور بالظلم، أو تحليل تصورات، أو مقولات محملة بإرث مفهومي ثقيل.
يقول ريكور: إن ماكسيم شاستين هو من أطلعني على هوسرل عندما أعطاني الترجمة الإنجليزية لمؤلفه (الأفكار الموجهة)، ويرى أن (فكرة القصدية) هي التي نفذت من خلالها ظاهراتية (فينومينولوجية هوسرل) إلى فرنسا، إذ أن في موضوعة القصدية فصل بين الوعي والوعي بالذات بعدما كانا متطابقين في التصور الديكارتي، حيث أضحى الوعي متجهاً نحو الخارج كما لو أنه ملقىً على حدود الذات، وهذا ساعد على تحديد الوعي بالموضوعات التي يقصدها أفضل من تحديده بفعل القصد ذاته، فضلاً عن التعدُّد الموضوعي الذي سمحت به القصدية ذاتها.
كان للأوضاع السياسية دوراً في تكوين بول يكور أيضاً، ففي سن الحادية أو الثانية عشرة أكتشف الجور والظلم الذي تضمنته (معاهدة فرساي) وهذا يجعل من موت أبيه قتيلاً على الجبهة العسكرية في العام 1915 عبثاً لا طائل من ورائه، أضف إليه شعوراً بالظُلم ساهم فيه نشأته البروتستانتية، كما أن إعدام المهاجرين الإيطاليين نيكولا ساكو وبارتولميو فانزيتي في الولايات المتحدة بتهم ملفقة ساعد في ولادة وعيه السياسي في ذاك اليوم.
عندما أدركته الحرب العالمية الثانية، وجد نفسه مدنياً مجنداً، ثم محارباً مستخلفاً، فضابطاً أسيراً، والأسر لدى ريكور كان تجربة إنسانية فذة ومقاسمة أناس آخرين المعتقل وتكون صداقات، انضباط شديد مع قراءة متاحة للكتب، ولكن رغم ذلك بقي ريكور معجباً بالفكر الألماني؛ إذ عمل بحثاً عن كارل ياسبرس، وقرأ مارتن هايدغر بتمعُّن كبير.

عن العربي الجديد



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية