العدد (4329) الخميس 13/12/2018 (عريان السيد خلف)       الرثاء الذي يليق برحيل عريان السيد خلف       ذكريات مع عريان..       عريان ينظمنا       زمن عريان...حول بعض مواطئ الشاعر عريان سيد خلف       عريان السيد خلف والعاطفة المتوارية       ثالث أيام الأسبوع.. عريان.. مات!       يموت عريان ويعيش سرّاق الأوطان       العدد (4328) الاربعاء 12/12/2018 (بول ريكور)       بول ريكور من اليتم إلى الأسر.. سيرة موجزة للفلسفة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :38
من الضيوف : 38
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 23306454
عدد الزيارات اليوم : 10488
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


التانغو الأخير في مجلة الثقافة

علي حسين
أعادني خبر رحيل  المخرج السينمائي الايطالي الشهير برناردو برتولوتشى الى المرة الاولى التي  شاهدت فيها فيلمه السينمائي المثير للجدل"التانغو الأخير في باريس"والذي  قام ببطولته النجم مارلون براندو، في ذلك الوقت عام 1979 كنت اعمل في مجلة  الثقافة التي يراس تحريرها الراحل الكبير صلاح خالص، وكانت السيدة سعاد  محمد خضر تتولى مهمة مدير التحرير،


 ومثل أي مبتديء كنت انصت باهتمام لما يدور من حوارات بين الدكتور خالص وزوجته السيدة سعاد الذين عاملوني كواحد من افراد اسرتهم، وفي واحدة من تلك النقاشات اللذيذة، كان الموضوع عن الجنس في السينما، واتذكر ان الدكتور صلاح كان يرى ان بعض الافلام تَّقحم الجنس اقحاما من اجل التسويق، فحولت السينما إلى بضاعة تجارية، في الوقت الذي كانت الدكتورة سعاد ترى ان السينما الحديثة وهي تتطرق إلى موضوعات الجنس، انما تسلط الضوء على الواقع الذي يعيشه الانسان المعاصر، واثناء الحديث تطرق الدكتور صلاح الى فيلم"التانغو الاخير في باريس"وكان يرى ان المخرج برتولوتشى قد بالغ كثيرا في موضوعة الجنس..

ولانني كت مهتما بالفنون واكتب عن المسرح التفت الي الدكتور صلاح وهو يقول هل شاهدت التانغو الأخير في باريس، اجبت بهزة راس تفضح جهلي في هذا المجال. انتهى الحوار، وغادرنا المجلة. وفي اليوم التالي ذهبت صباحا الى دائرة السينما والمسرح ابحث عن الفنان كامل القيسي"رحمه الله"فقد كان من الشغوفين بالسينما، وتستطيع ان تساله عن اي فيلم فيعطيك الجواب الوافي، وهو انسان كريم محب للاخرين، كان يُقيم كل يوم خميس وليمة غداء في بيته لاصدقائه من الفنانين وبعد الوليمة الدسمة يعرض لهم اخر ما حصل عليه من افلام تصله في شرائط فديو،ولان جهاز الفديو لم يكن منتشرا بشكل كبير، كان الجميع يحرص على حضور جلسات العم كامل القيسي، ولم اكن انا"بالتأكيد"من المدعوين انذاك، انتظرت في غرفة المرحوم احمد فياض المفرجي اطلالة كامل القيسي الذي كان صديقا حميما للمفرجي، وما ان اطل بابتسامته حتى قفزت لأساله عن فيلم التانغو الاخير في باريس، واتذكر انني ما ان نطقت باسم الفيلم حتى امسكني القيسي من يدي واخذني لنتمشى في احد الممرات وهو يقول : شجاب هذا الفيلم على بالك.. اخبرته بما جرى في مجلة الثقافة، وقلت له اتمنى مشاهدة الفيلم لاعرف بالدقة سبب الخلاف بين المعلم صلاح خالص والدكتورة سعاد محمد خضر.. ورغم ان القيسي القى على جنابي"الجاهل"بشؤون السينما محاضرة عن السينما والافلام التي تناسبني وضرورة الابتعاد عن افلام من عينة التانغو الأخير، إلا انه امام الحاحي المتواصل لوح لي بعد يوم بشريط الفديو الذي يحتوي الفيلم فختطفته منه بسرعة وذهبت به الى الصديق القاص والروائي علي حداد الذي كان انذاك ينتمي للطبقة البرجوازية وفي غرفته الخاصة يوجد جهاز فديو.. وفي المشاهدة الاولى صدمت بموضوعة الجنس وقلت مع نفسي ان الدكتور صلاح خالص كان على حق، بعدها شاهدت الفيلم اكثر من مرة وقرات عنه في المجلات العربية، والقى عليّ السيناريست واستاذ الجماليات ثامر مهدي محاضرة عن برتولوتشى المخرج الذي ظل طوال سنوات حياته يفرض حضوره الطاغي في ساحة السينما العالمية، بفضل عدد من أفلام حاول من خلالها مناقشة ازمة الانسان المعاصر وتقديم صورة لما جرى لبلده ايطاليا على يد العصابات الفاشية، حيث اصر برتولوتشى في افلامه على فتح ملف الفاشية بشكل عام، فهو لايزال يتذكر مشهد الرجل الذي سقط أرضاً بعد ان اطلقت عليه عيارات نارية من سيارة مسرعة، كان برتولوتشى انذاك
في العاشرة من عمره، ولم يكن القتيل سوى القيادي الشيوعي أتيلا ألبرتي.
التانغو الأخير في باريس انتج عام 1972، حيث نشاهد فيه مارلون براندو الرجل الاربعيني وهو يلتقي بالشابة جين التي ادت دورها ماريا شنايدر في شقّة بإحدى ضواحي باريس، مارلون براندو يؤدي شخصية"بول"الرجل الذي يعاني من أزمة الوجوديّة بسبب انتحار زوجته المُفاجئ فيحاول رفض العالم المحيط، ويقرر ان ينتمي الى عالم واحد هو الشقة التي عاش فيها مع زوجته، وكأن ما هو خارج الشقّة لا يعنيه أبدًا وفي هذه الاثناء يلتقي بالشابة جين المقبلة على الزواج بشاب من عمرها..وهناك تبدأ بينهما علاقة جنسية تعبر عن ازمة نفسية ووجودية يعيشها مارلون براندو فهو يقول لها :"إننا لسنا موجودين في هذا العالم، إنه لا يملك اسمًا وهي لا تملك اسمًا"، وبعد وفاة زوجته وحين تقرر والدتها ان تقيم لها الصلاة يصرخ في وجهها": لا أحد يؤمن بالله هُنا!".
تنتهي احداث الفيلم بان يقتل باول من قبل جين في الشقة بعد مطاردته لها، ولم يكن يدري انها تحمل مسدسا، قالت له وهي تطلق الرصاص : لا أريد أن ارى وجهك مرة ثانية …وفي المشهد الاخير يخرج الى الشرفة وهو مصاب بطلق ناري وهو يقول : لكني اتذكر، يضع علكته على حافة الشرفة ويلقي نظرته الاخيرة على الشارع ثم يسقط ميتا..اثار الفيلم عند عرضه عاصفة من الرفض والهجوم، ووصنفته بعض البلدان ضمن خانة الافلام الجنسية القبيحة، ومنع الفيلم في بلده ايطاليا، وتحت اصرار الفاتيكان حكم القضاء الايطالي على المخرج وبطلي الفيلم بالسجن مع وقف التنفيذ بتهمة اشاعة الاباحية والاخلال بقيم المجتمع الايطالي
يخبرنا المخرج برتولوتشي بانه تخيل بطل فيلم التانغو الأخير في باريس امتداد للممثل مارلون براندو، وفي كتاب مارلون براندو سيرة حياة الذي حرره روبرت ليندسي وصدر عن سلسلة الفن السابع التي تصدرها وزارة الثقافة السورية، نجد تفاصيل مهمة عن العلاقة التي ربطت بين مارلون براندو وبرتولوتشي، فقبل الشروع في تصوير التانغو الاخير، وقبل ان يقرأ براندو سيناريو الفيلم، جلس المخرج والممثل يتحدثان عن الشخصية، وقال برتولوتشي لمارلون برانو : اترك الفيلم جانبا ولنتحدث عن حياتنا، اللقاء تحول فيما بعد الى اشبه بجلسه للتحليل النفسي كان ظل فرويد حاضراً بقوة خلال الحوار الذي استمر على مدى شهر كامل، حيث كان برتولوتشي يزور مارلون براندو في بيته كل يوم ويتناقش معه حول حياته وهمومه وموقفه من الجنس، وخلال هذه الفترة استطاع برتولوتشي ان يجعل براندو يبوح بكل معاناته وازماته النفسية، متذكرا سنوات طفولته في بلدته الصغيرة وتزمت والده وصرامته، وكيف كانت امه تفرط في تناول الكحول بسبب ضغوطات الحياة وخوفها الشديد من زوجها، وقد اصر برتولوتشي ان يمزج ما بين حياة براندو وحباة بطل الفيلم وان يعتمد على بعض الاعترافات التي باح بها مارلون براندو ليضمها الى السيناريو.. بعد شهر من الحديث وافق براندو ان يمثل شخصية بول حتى دون ان يقرا السيناريو، واثناء تصوير الفيلم تحول برتولوتشي إلى طبيب نفسي يراقب اعترافات احد مرضاه، فيما براندو يحاول ان يبوح بازمته النفسيه ويواصل تقديم صورة للمازق الوجودي الذي يعيشه البطل الذي تحول بالتدريج إلى صورة من براندو الانسان.. وفي مشهد موت الزوجة في الفيلم يضيف براندو حوار حول مشهد موت امه التي حاولت الإنتحار اكثر من مرة، يقول برتولوتشي :"عوضا عن الدخول في تفاصيل الشخصية طلبت من براندو ان يركب ذاته على الشخصية وان يمزج بينهما"..وذات يوم طلب برتولوتشي من براندو ان يتذكر ماضيه بكل تفاصيله، عندها نظر اليه نظرة مخيفة :"لوهلة ظننت انه سيقتلني.فقد طلبت منه ان ينتهك ذاته". وفي اليوم التالي وامام الكاميرا وضع براندو السيناريو جانبا وارتجل حوارا طويلاً بصوت متقطع واداء متلكئ، عن ابيه السكير، العنيف، الشهواني، وامه الضعيفة المستكينة لقدرها والني عانت من خوف دائم وعن الكابوس الذي يحطاره في منامه..ظل براندو يتحدث دون ان يجرؤ احد على ايقافه، وعندما انتهى من منلوجه الطويل نظر الى برتولوتشي نظرة غاضبة ثم غادر مكان التصوير، وقد علق العاملون في الفيلم انه لن يعود لاكمال باقي المشاهد..لكن براندو عاد بعد ايام وملامح الأسى تملأ وجهه لينتهي من تصوير الفيلم، وقد قال لكاتب سيرته ان برتولوتشي ارغمه على التمادي في الكشف عن حياته :"سوف لن اعمل ابدا في فيلم كهذا، لاول مرة في حياتي اشعر بانتهاك للجزء الاعمق في ذاتي".
فيما علق برتولوتشي على اداء مارلون براندو بانه التحم بالدور بطريقة لايقدر عليها اي ممثل آخر مها امتلك من ادوات وامكانيات تعبيرية..مما يجعله الافضل في تاريخ فن التمثيل السينمائي.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية