العدد (4329) الخميس 13/12/2018 (عريان السيد خلف)       الرثاء الذي يليق برحيل عريان السيد خلف       ذكريات مع عريان..       عريان ينظمنا       زمن عريان...حول بعض مواطئ الشاعر عريان سيد خلف       عريان السيد خلف والعاطفة المتوارية       ثالث أيام الأسبوع.. عريان.. مات!       يموت عريان ويعيش سرّاق الأوطان       العدد (4328) الاربعاء 12/12/2018 (بول ريكور)       بول ريكور من اليتم إلى الأسر.. سيرة موجزة للفلسفة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :35
من الضيوف : 35
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 23307058
عدد الزيارات اليوم : 11092
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


بين ترجمة الكتب المسرحية وتأليفها

(في تجربة يوسف عبد المسيح ثروت)
د. عقيل مهدي يوسف
أولاً: ثروت مترجماً
 أراد  (يوسف عبد المسيح ثروت) في (ترجمته) المباشرة من الإنكليزية أن يقارب  بصورة موضوعية، قدر الإمكان، أسلوب الكاتب المسرحي أو الباحث والناقد  الأجنبي للتأكيد على تميز أحدهم من سواه، كاشفاً عن طريقة تفكيره ومستواه  اللغوي، ومقاصده الخاصة بعالم المسرح،


 وهو يعبر عن غرضه، وموقفه تجاه النص أو العرض. مستقصياً الاتجاهات الحديثة ومناهجها منذ لحظاتها التكوينية الأولى، مراراً بترسيخ اشكالها ومضامينها ودلالاتها حتى تفككها، تحت بدائل جديدة أخرى، تقوم على الابتكار، والتجريب، والتنبؤ المستقبلي لمسارات مسرحية قادمة، في ترجمته لكتاب (تشريح الدراما)، تأليف (مارتن آسلين) يقف يوسف ثروت عند قضية مفهوم النظريات عند (آسلين)، الذي يرى وجوب اختبارها من حينٍ إلى آخر، من خلال التجربة العملية.
كما يفند آسلين تعريف الدراما كما جاء في (معجم أوكسفورد) الذي يذهب إلى أن المسرحية (إنشاء في النثرأو الشعر، معداً للتمثيل على الخشبة، تسرد فيه القصة بواسطة الحوار، أو الفعل، ويتم العرض بالإيماء والملابس والمشاهد، كما هي الحال في الحياة الواقعية)، (انظر صفحة 7). آسلين يراه تعريفاً غير دقيق، لأنه لا ينطبق على التمثيل الدرامي المرتجل الذي لا يعتمد الحوار لسرد القصة ولا على تجربة المسرحيات الصامتة الفاتنة، ولم يقترب من إبداع (مارسيل مارسو) الإيماني، وسواه من مبدعين، ثم ماذا عن الدراما في التلفزيون والراديو والسينما، فهي من دون أن يصحبها الإيماء ولا الملابس ولا المشاهد كما في الإذاعة، يقول أسلين (حتى إني شاهدت دراما جيدة (بغير ملابس)، ومسرحية (في انتظار جودو) ليست واقعية، لكنها تبقى دراما).
ويضيف (بل حتى أن الطقوس الدينية ورقصات القبيلة والممارسات العقائدية الأخرى، والمناسبات الرسمية، هي كلها تتضمن عناصر درامية قوية أما عن الممثل فهناك دراما يمكن أن يمثلها (كلب) أو (كارتون) أو (دمية) ويكون ممثلها مجرد (رسوم).
يرى آسلين أن المهم هو الممثل سواء أكان بلحمه أم بظله على الشاشة، مجرد ظهوره مثل دمية، فهو يمثل شكلاً من أشكال الدراما، كما في السيرك والموكب السياسي والحفلة الموسيقية الشعبية (صفحة 10).
وقد اختطَ (برخت) الماركسي منهجاً درامياً علمياً، وبات المسرح لديه مختبراً تجريبيا لاختبار السلوك الإنساني في أوضاعٍ معطاة، وتحفيز المتفرج على السؤال: ماذا سيحدث إذن؟ هذه هي المقدمة المنطقية لمسرحيات برخت، أما عن الممثل، فيهذب آسلين، بأن ليست الكلمات هي المهمة فقط في النص، بل كما يجسدها الممثل بمعنى حي وملموس من أشخاصٍ يمتازون بالجمال والجاذبية، أما جوليت في مسرحية شكسبير، فأنها تستهوينا لا بشعر النص الرفيع فقط، بل لأن ذلك الشعر أيضاً متجمد في امرأة شابة وجميلة وكذلك الشاب روميو الذي يثير رغباتنا.
اما الباحث (نور ثرب فراي) فأنه يصنف الشخوص إلى:
- آلهة (كما في الأسطورة) وبلغةٍ شعرية.
- وبشر فائقون (كما في البطولة) بلغةٍ تراجيدية.
- وبشر مثلنا (كما في النصوص الواقعية) بلغةٍ نثرية.
- وبشر مسخرة (كما في المفارقة) بلغةٍ تهكمية. (أنظر الصفحة 29)، أما التشخيص فيكون (بالوضعية) وليس (بالكلمات)، أي بوضعية نطق تلك الكلمات، وجعلها ملموسة بالفعل، مثلاً في مسرحية (بستان الكرز) لتشيخوف، كانت وضعية (لوباخن) ونحن نسمعه يتبادل أتفه الأحاديث مع (فاريا) حين يتقدم لعرض الزواج عليها، لكننا نستدل من خلال هذه الأحاديث السطحية على ما تحمله من عاطفةٍ هائلة، فنحن بوصفنا مشاهدين، ندرك ما يحدث أكثر من إدراكنا لما يقال، هاتان الشخصيتان يفقدان آخر فرصة للسعادة من خلال العجز والجبن وعدم القدرة على البوح بالكلمة الصحيحة المناسبة. أن انتقاء اللغة، يحقق النفوذ القوي، وكما يتفرد التشخيص بقوة لا تنسى كذلك يكون حال الفعل المثير. الممثل بدوره يتفرد بإيقاع غير رتيب، بل متغيّر، وهو من خلال التركيز، يجذب انتباه الجمهور ويوصل حكمة النص ونفاذ البصيرة والجمال والشعر والمتعة، أو من ناحية أخرى الاسترخاء والتنوير، وتطهير العاطفة، لذلك بهذه الوسائل يشد الجمهور ويخلق لديهم حالة من التوقع، مثلاً في مسرحية (في انتظار جودو) وبمجرد الحفاظ على توكيد الشخوص لأنفسهم، على أن شيئاً لن يحدث، وانه لا شيء، ينبغي عمله، يخلقان نوعاً من التوتر،. فالجمهور حينئذ، يريد أن يعرف، ماذا سيحدث لاحقاً؟ وكيف؟ وما ردود فعل هذه الشخصيات تجاه ما يحدث؟ ثم يتطرق إلى ملحمية (برخت) التي لا علاقة لها بأفلام هوليود التاريخية الفخمة، بل استمد برخت مفهومه من الحقبة الكلاسيكية الألمانية حين حاول (غوته) و(شيللر) تحديد افكارهم للدراما وهي تعني أن الأحداث تجري هنا والآن، أي ماثلة أمامنا مثولاً ابدياً، وبعد ذلك تحول آسلين إلى (اميديا) يونسكو، فالجثة المتضخمة تمثل موت الحب بين الزوجين، وها هو الحب الميت ينمو بسرعة ويصبح غير محتمل أكثر وأكثر، وفي النهاية يتحطم البيت ويتمزق رباط الزوجية.
نحن نحسب أن آسلين يرى في تصوير الواقع الكابوسي، والصور الحلمية والقدرة على تحويلها مسرحياً إلى استعارات شعرية غنائية تجعل من الواقع الفاجع تجربة مسرحية تخص العبث، في حين ان الواقعية تركز بالأساس على العقدة والشخصية، أما ملحمية برخت فتقدم نماذج من السلوك الإنساني ولا تعطي الأهمية المطلقة لتأثير الصورة أو الاستعارة كما في مسرح العبث. وفي حالةٍ أخرى ممكن أن تعالج مسرحية (بستان الكرز) بشكل (كوميدي) كما ارادها تشيخوف، او بشكل (تراجيدي) كما فعل المخرج (ستانسلافسكي)، ليبرز الصراع بين السيدة المتحضرة، والفظاظة الوحشية الاجتماعية للحثالة، مطبقاً اسلوبه عملياً في نغمة العرض، وحركة الممثل، وتصميم الزي، متعاطفاً مع ابطاله على الخشبة، بلا ضرورة لافتعال مواقف ميكانيكية آلية تثير الضحك على هذه السيدة التي عاكستها الظروف الطارئة وسلبت ممتلكاتها. فرويد بدوره يشخص الحالتين المسرحيتين، ففي (المأساة) نكبت قلقاً، ونحن نكابد العذاب مع الشخوص المسرحية، أما في الكوميديا، فيتخفف قلقنا أكثر، ونضحك بوصفنا جمهوراً في مشاركة وجدانية أو حتى تنطلق مع الشخصيات الهزلية بصخبٍ حين نراهم يتبادلون الرفسات، او يتقاذفون كعكة الزبدة على الوجود، ونشعر بوصفنا جمهوراً بالاطمئنان الكامل لأننا في مأمنٍ من التعرض للأذى. ويحيلنا إلى اللامعقول كما يظهر في (ضخرة سزيف)، فنحن نشعر بعدم الانسجام وندرك (اللا جدوى) من طريق العقل، فـ سيزيف يدرك هو نسه انه لن يصل إلى قمة الجبل ابداً، انه نموذج مثالث من الفجيعة الميتافيزيقية، التي تمثل الموضوع الرئيس لكتاب اللامعقول. هنا يعلق (ثروت) على أن (آسلن) يدافع بحرارةٍ عن مسرح اللا معقول ويرى ان طليعيته تكمن (في استبطانه الفني، وموقفه من المجتمع القائم، وتحيزه للإنسان المضاع في خضم الحضارة الآلية الراهنة) (انظر، ص125). ويقدم لنا (بيكيت) مثلاً في مسرحية (الأيام السعيدة) مونولج امرأة تدفن حية، تدريجياً إلى أن يبقى رأسها وحده مرثياً في المشهد الأخير من المسرحية. يستعين (ثروت) في ترجمته للكتاب، بالمعجم المسرحي لـ (جون رسل تايلر)، وكتاب (ماركسية القرن العشرين) وسواها، لتحتل منتصف صفحة (121). إلى (122) وهي تعقيبات تخص (المترجم) ثروت، الذي يمتد بحثه إلى مباحث متنوعة تخص ارسطو والمسرح الإغريقي ومفهوم التطهير ومسرح اللامعقول لدى (بيكيت)، (اداموف)، والتغريب ومسرح (آبي) الايرلندي، و(المسيانكوف) لبرخت. أما في ترجمته لكتاب (أريك بنتلي)/ نظرية المسرح الحديث، فيضيف ثروت جملاً وتعقيبات للتوضيح، فحين يرى نص بنتلي كما في صفحة (183) يضيف جملة : (لما يريد فعله). أو يضيف إلى جملة (حركة التنوير). جملة (حركة التنوير الفلسفية في القرن الثامن عشر، ص91)، وفي صفحة (212) يقول ثروت: (استفدت من ترجمة الأستاذ لويس بقطر من دون ان انحو منحاه في نقله لكتاب (فن المسرح) للمؤلف ذاته، ويضع ثروت في الهامش اسمه تحت عنوان: المترجم. يوسف عبد المسيح (ص212). يحفل كتاب بنتلي بأسماء مثل: آبيا، آرتو، برخت، كريك، بيراندللو، برناردشو، ستناسلافسكي، فاجنر، زولا، اوتوبرام، وهذه تشكل محتويات القسم الأول، وفي القسم الثاني يقدم رؤية تاريخية شمولية تضم أسماء، برانديز، هاوزر، لوكاش، رولان، بسكاتور، توكفيل.
ثانياً: يوسف مؤلفاً
دراسات في المسرح المعاصر وكتاب معالم الدراما في العصر الحديث ومسرح اللا معقول وقضايا أخرى يتناول تجارب عدة البيركامو: يرى (ثروت) ان لمسرح كامو، قاعدة فكرية وفنية محددة، تمثلت في مشكلات برزت في مسرحياته ومنها (اسطورة سيزيف) و(المتمرد)، يناقش فيها فكرة العبث، والانتحار، وهو يتساءل: هل تستحق الحياة أن تعاش؟ في وجود يقوم على غربة الإنسان واللا جدوى، التي يراها ثروت اشبه بالحنين إلى الموت أو في طلاق الممثل، للمشهد الذي يقدمه، فالإنسان يعيش حياة ميكانيكية مضجرة، ويعاني من سخف وضعه المتناقص، تختلط فيه الأفكار الصحيحة الزائفة، فالحقيقة متوارية خلف مظاهر يمكن تعدادها، فنحن نعرف وجود الحقيقة الظاهري، لا جوهرها الأساس. وما المعرفة سوى متاهة كبرى، برق في البداية، وسراب في النهاية، فالإنسان غريب عن نفسه ويعيش بأبدية ميتافيزيقية، عقله محدود في عالم اللامعقول ويبقى الذهن هو المضاد للعالم، فلا يرتضي لنفسه ان يكون (شجرة) أو (قطة) لأنه يدرك العالم ويتصارع معه بندية، على الرغم من خواء المستقبل وعدميته في حياة مفتقدة للمعنى، وهنا يبرز دور الفن، مثل المسرح الذي يجعل حياة الإنسان في حالة أفضل، ففي مسرحية (دون جوان)، يحقق هذا البطل معرفة بلا أوهام وهو يتفاعل مع جمع من النسوة، وهو يعادي العالم ويتصرف عن القطيع البشري، وينتمي إلى وجوده الأنفرادي المتناقض مع غيره، فهو يمتلك الفن، وبه لا بسواه نحن لا نموت بسبب الحقيقة، كما يؤكد ذلك (نيتشه) الذي يبجله كامو. فالخلق الفتي هو عيش مضاعف، وهو يدرك بأن العالم لو كان واضحاً حقاً لاستغنى عن الفن.
أن (صخرة سيزيف) تجعل وجهه ملتويا، وخده متوتراً، وكتفه ملاصقاً للصخرة، وقدمه تضغط على الأرض، وسيزيف يحتضن الصخرة بساعديه، ولكن عند الذروة، تنقلب حركة (جسده) هذه إلى (الروح) ليعود هابطاً إلى الأسفل بخطى ثقيلة منتظمة نحو عذابٍ لا نهاية له من الارتفاع والهبوط، من غير تبرير تقدمه (الطبيعة)، وهي تتلاعب بصلافةٍ بمصائر البشر (لممثل) من منظور كامو، (لديه ثلاث ساعات فقط ليكون فيها ياجو او السيست، وفي مدةٍ قصيرة من الزمن يأتون إلى الحياة ويموتون على خمسين ياردة مربعة من الألواح)، او كأنه (كما يعقب ثروت): (مسافر تتعقبه الأرواح، في بيداء الزمن.. يصب في شخوص يخلقها دمه في هذه الأشباح) وبذلك تجتمع في جسد الممثل أرواح متعددة ومتنوعة، لا جدوى منها، وهي حصيلة الخيبة من كل شيء، عبر العيش البائس في مسيرة خائبة على ظهر حصان الزمن الاعجف بقضاياه الخاسرة، يخلص ثروت إلى أن فلسفة كامو هي بؤرة للتناقض، لأنها تسحق الفرد، وتقدسه معاً! تراه يفعل كل شيء، ويعجز عن فعل أي شيء ويرى أن (برومثيوس) يمثل ثورة الإنسان ضد مصيره وان كامو يقف ضد الثورة الملتزمة سياسياً. لأنه يجدها تخلق لنفسها اعداء في حين يريد هو الوثام والود والصداقة. وفيما يخص (الدين) فأن كامو ضد (الكنائس المقدسة)، فالفن هو البديل واداته الأولى هي التعبير، الذي يولد ما ان ينتهي الفكر، ويأخذ من نيتشه جماليات اللا جدوى التي تتحقق بانعدام وجود العزاء الرباني في ما فوق الطبيعة.
ويحذرنا ثروت من أفكار يراها خطرة لا ينبغي تبنيها ويتحتم منافستها حتى لا نقترف جناية على الفكر الإنساني في (المتمرد) نجد (الكونت دي ساد) قابعاً في قاعدة قذرة، يجتمع في سجنها، الجلاد والمضطهد معاً، هنا (الكونت يواجه الحياة، بأوحش رذائلها، ويتنصل من ابسط فضائلها ليفكر بحريته الشخصية وقدرته على الاختيار من خلال سلبيته العارمة هذه). أن مثل هذه المعاناة، وما تفرضه الحياة من قيم، تقود الإنسان إلى التمرد ضد عادات المجتمع وقيمه الخاصة. إذن يرى ثروت في سيزيف لا معقولية العالم، ويثمن جدارة الانتحار، فالكتابان، (اسطورة سيزيف) و(المتمرد) يؤكدان كما يرى ثروت على عزلة الإنسان المتمرد عن المجتمع.
آرنست فيشر:
واحد من مصادر ثروت الرئيسة ويتفق معه بأن كامو قد فصل الإنسان عن المجتمع وذوب هويته وغلفها بالأسرار بوصفه صنيعة قوة أصلية لا شكل لها. وبالتالي هو عدو التاريخ لأنه الحي الوحيد والميت الوحيد الذي يؤدي دوره الذاتي في انفراده داخل المسرحية الكونية وفي دهاليز من الغيبوبة والغربة والعدم كما في مسرحياته، كاليغولا، سوء تفاهم، حالة حصار، الطاعون، العادلون، ثم ينتقل بنا ثروت في مؤلفه هذا إلى (جان كوكتو) بمسرحياته المعتمدة على أصولٍ اغريقية مثل انتجون أديب الملك. أاورفيوس. ويرى أن أسلوب كوكتو حديث مبتكر يقوم على اللاشعور والتحليل النفسي السريالي وموضوعاته هي الحب والموت وغرابة العالم وسجن الكون، وعجز الإنسان، وفي مسرحية (الآلة الجهنمية)، يقهر البطل أوديب (ابو الهول) حين يحل اللغز. وفي (النسر له رأسان)، يرى أن إنسان العصر حر ومسؤول، بذاتٍ فاعلة ومنفعلة تستقل بوجودها الخاص (فالملكة تريد حصاناً سريعاً كالبرق كالرعد فوق الجبال) في مسرحية (مدرسة الآرامل) التي يجدها (ثروت) تعرض (تهافت البرجوازية التي تتعرى أمام الحب فالأرملة اليائسة من الحياة تريد أن تلحق زوجها لتموت لكنها بدل ذلك تختار ان تتزوج من الرجل الذي يدفن زوجها. وهنا يبرز (كوكتو) حقيقتان هما، الموت والحب بأسلوب شاعري يرتبط فيه الشعر بالأسطورة بالواقع، بحيوية وحركة وإلهام، فهو يربط (التجربة الحسية) الذاتية مع وقائع خارجية وما تمثله من تقاليد جامدة فالبطلة تفهم الواقع كما تراه هي وليس كما يتصوره الناس، في أخيلة عقيمة وعقول قاصرة. وحين يتمرغ الإنسان في الآنام والشرور فكل ذلك يتبع من أجل خصائصه هو. ويتوقف ثروت عند الخاندرو كاسونا ومسرحياته (مركب بلا صياد) وسيدة الفجر، كاسونا ينتصر للجانب الاخلاقي فالإنسان لديه يمثل اسمى رأسمال، لكنه في البورصة يصبح رقماً او بضاعة تباع او تشترى يحيطها البخل والنفاق والتملق والتظاهر الزائف، ففي مكتب رجل الأعمال (ريكاردو) نسمع عواء الذئاب التي تمثل الدناءة والخسة والوحشية، فهو يشتري الصحافة ويجعل المأجورين ابواقاً لبث الإشاعات، تحت شعاره الأثير، (البترول ليس له وطن).
ريكاردو في مركب بلا صياد على المستوى (الديني)، يخرق الوصايا العشر ويقترف القتل أخيراً كما يؤكد ثروت. أما مسرحيات بيكت، فيراها ثروت غارقة في وحشة فكرية واعماق لا شعورية بلا براقع ولا استار ليحكم عليها ثروت بأنها تهدف إلى الأغراب والجذلفة والعنجهية الذهنية، فمسرحياته تعالج تفاهة الكون، وفراغ الوجود الإنساني، وصراعاته للوصول إلى هدفٍ في حياة فاقدة للمعنى ويحدد ثروت خصائص هذه المسرحيات بأنها هازلة سقيمة، لعبة اطفال، اشرارها، نحن، (انت وأنا). والكل في انتظار عقيم لخلاصٍ لا يأتي ويعيش بعدمية ميتافيزيقة تبرهن على سخف وجودنا الإنساني. هنا ينتقد ثروت مسرحيات بكت لأنها تسلب المجتمع والتاريخ من مضمونه التطوري وتعزل الإنسان عن قيمه التي يتنكر لها وكان بطل مسرحيته يتصارع مع أقنعة غير حقيقية وبالتالي وجود الإنسان نفسه هو موضوع لسؤال لا يفترض وجود حل له ولا يمكن الاطمئنان إليه في هذا الوجود. وهنا يثبت ثروت تحليل (فيشر) الذي يرى بأن بكت يعزل الإنسان عن مجتمعه ويضعه في ضباب غامض وسرمدي.
برناردشو:
تتمحور قضية المرأة في نصوصه المسرحية بوصفها قوة هائلة كما يصفها ثروت تصون مستقبل الجنس البشري، فالمرأة (ليست متعة وإناء وبضاعة لسماسرة متحرفون). وإن كان برناردشو بحسب اريك بنتلي (أقرب إلى البتولة منه إلى الرجولة، وصلاته بالمرأة لا تكاد تذكر بالقياس إلى عمره المديد). بطلاته ذوات إرادة، عنيفات يتخذن قرارات حاسمة مثل بربارة في مسرحية (الميجور بربارة) وفيفي في حرفة السيدة وارن، وكانديدا في مسرحية كانديدا وريتا في الإنسان والسلاح، يقف برناردشو ضد الشر والرذيلة عند اصحاب المال وهو ضد القطيع البشري كما يلذ لثروت لتوصيفه، حين يتغرب الإنسان ويرى ثروت من الناحية الدينية ان الاغنياء لدى برناردشو يشترون اقدس القيم الدينية بمثل ما يتطاول اندروشافت، على (جيش الخلاص) الديني، وهو يقول: بأن لا يمكن للمنظمات الدينية أن تعيض إلا إذا باعت نفسها إلى الأغنياء وهو لوحده القادر على شرائها مهما على الثمن. ومن المفارقات التي يلتقطها ثروت في (مهنة السيدة وارن) ان الفتاة الطاهرة تبصق في وجه اللص بينما تتخذه الأم عشيقا لها. ثم ينفتح ثروت على كُتاب آخرين منهم (جازوردي) الكاتب الإنكليزي البرجوازي الذي انتهى إلى عامة الناس بضمير حي. يعلي ثروت من مقام هذا المسرحي الذي يرفض من اللذين يريدون ثرواتهم ويبحثون عن الجاه للوصول إلى قمة الهرم الاجتماعي وكأنهم سلاطين في متاجرهم ومصارفهم ومكاتبهم وهم يمارسون الغش والاحتيال، تناقش مسرحياته موضوعات مختلفة مثل (اللا سامية) كما في مسرحية (الولاء) والتمايز الاجتماعي كما في (الأبن الأكبر)، والصراع الطبقي كما في (اللعبة الغادرة) وهنا يثبت ثروة ملاحظة تخص الترجمة إلى العربية في مسرحية اللعبة الغادرة، للمترجم شوقي البكري الذي ترجم كلمة (الكلبي) في حين أن الصواب هو (الرواقي) وهما مذهبان أغريقيان متعارضان. وهنا يغمز ثروت (الجامعات) حين يرى الخطأ وارداً في (عنوان) بعض القصص والمسرحيات وليس له الحق كونه مترجما في البيت بصلاحيتها ما دامت الجامعات هي التي تقرر مسار العقول في (بلادنا العربية خاصة).
ثورنتن ولدر: مسرحي امريكي كتب مسرحيات (بلدتنا) و(نجونا بجلدنا) و(الخاطبة) و(صوت النفير) ويرى فيه ثروت متحلياً بمسرحياته بروحٍ إنسانية وحيوية فكرية وأسلوب متين.
بيراندللو:
يرى ثروت أن فلسفته تشاؤمية مستنبطة من حياته الخاصة ويجد فيها أن الحقيقة نسبية وأن المسرح ليس منعزلاً عن العالم كما يقول شكسبير العالم مسرح ونحن الممثلون، يرى في مسرحيته (حسب تقديرك) ان الكشف عن الحقيقة أمر مستحيل لأن لكل واحد اعتقاده الخاص، تقوم كذلك فكرة مسرحيته (ستة اشخاص تبحث عن مؤلف) على فكرة الوهم وضياع الحقيقة وهنا تنقلب المعادلة فالحياة نفسها تصبح تمثيلاً مأساويا عجيباً لا ينتسب بأي صلة إلى التمثيل المسرحي، فمسرح الحياة يحتل مسرح الممثلين، ليصبح فيه المخرج سيداً جديداً يستقبل ممثلين احياء ما كان يحلم بوجودهم.
وليم بيتس:
لأنه كان ايرلندياً فقد كانت مسرحياته (على شاطي بيل) و(كاثلين ابنة هوليهان) و(الكونتيسة كاثلين) ليناقش موضوعات تخص الذاكرة الايرلندية ورموزها.
يوجين اونيل، كاتب مسرحي امريكي يدين التمايز الطبقي والعنصري، في مسرحية (الغوريلا) يقول بادي، (تختنق رئاتنا في بتراب الفحم وتحترق قلوبنا في جحيم الموقد)، ويرد عليه (يانك) بطل المسرحية: (هذا الجحيم يحتاج إلى رجال.. أنا الذي أجعله يشتعل ويزار ويتحرك). وهنا يكاشف ثروت القارئ ويضع ملاحظة في الهامش بأنه ترجم هذا النص باختلاف بسيط عن النص الأصلي حفاظاً كما يقول على (سلامة التعبير العربي). ثم يتطرق إلى المسرح الإيرلندي ليتناول فيه كتاب امثال (سينج) في مسرحية (فتى الغرب المدلل) و(اوكيسي) في (المحراث والنجوم) و(جونو والطاووس). يعاود ثروت تدعيم رأيه بتكرار الاقتباس من (آرانيست فيشر) عن برخت الذي يصرح بأن الأدب لا يمكن ان يبدع موضوعات جديدة أو وجهات نظر جديدة من غير اللجوء إلى احداث تجديدات في الشكل، وينتقل ثروت إلى (شفارتس) ومسرحيته (التنين) وهو كاتب سوفيتي يناقش فيها الانتصار على النازية في الحرب العالمية الثانية لينتصر الحب على الدجل.
جان جنيه:
كاتب فرنسي ابن سفاح عاش في بيوت مشبوهة وابتلعته الشوارع وسخام العهر والشذوذ والرذيلة وعاشر قطاع الطرق والجناة والمختلسين والمجرمين، ومن مسرحياته (السود) (الشرفة) (الستائر).
ماكس فريش: أهم مسرحياته سور الصيني، وكوركي، وسترندبرج المعروف باتجاهه الطبيعي وموقفه من الدين انه يؤمن بالاتجاه الطبيعي الذي ألغى الخطيئة والألهة ينتصر ثروت للخير ويقف نداً للمتاجرين بغير حق بالمال وقوت الفقراء ويمتدح راتجيان بوصفه واقعياً وليس ميتافيزيقا فهو لا يعترف بذاتٍ منعزلة عن المجتمع. هذا الكاتب ترجم له دكتور كمال قاسم مسرحيته الموسومة (ترجمة براوننغ) وفي مسرحياته ينتصر الشعب على الطغيان، يأتي ثروت بجملة (البناء الفوقي) المتفاعل مع الأساس الاقتصادي وسبق ايضاً لثروت أن ترجم اسم السيد المسيح بكلمة السيد او السيد الناصري. انظر: ص297 من كتابه دراسات في المسرح المعاصر. ياخذنا ثروت في كتابه معالم الدراما في العصر الحديث إلى يونسكو الكاتب العبثي الفرنسي وهو يرد عليه بان الموضوع لا يتبع الذات وان المادة تسبق الفكر وبخلاف ذلك فأن يونسكو يتبنى موقفاً مثالياً فات زمانه من قرون. ولم يدخر ثروت وسعاً للإعلان عن ايدلوجيته الماركسية. انظر صفحة 285 من الكتاب المذكور. ثم يتناول ثروت حشداً من الكُتاب المسرحيين أمثال آبسن، برخت، ويليام، لوركا، اونيل، يونسكو، وآخرون..
وكذلك آسلين الناقد والمفكر المسرحي، ويخوض ايضاً في كتابه (مسرح اللا معقول وقضايا أخرى) بمسالك فلسفية شائكة تخص الوجودية والعبث والماركسية وكذلك مشكلات ادبية فردية كانت أو اجتماعية وكيف ان بمقدورها التعبير النموذجي بأسلوب فني عن الحياة ويقطع ثروت الرأي في موقفه الرافض لكل أدب انطوائي ذاتي ويراه غير مستوفٍ لمعنى الأدب ذلك أن الأدب ظاهرة اجتماعية. اما كتاب اللامعقول فيرون للفرد كينونة خاصة بمعزل عن الكيان الاجتماعي وهذه مقولة يراها ثروت وجودية تؤدي إلى عزلة الفرد ومسخه لأنه بحالته هذه عاجز عن رؤية العالم على حقيقته، ويخلص إلى ان كامو يرفض التاريخ وان (هيدجر) لا يرى في الوجود الإنساني الا عزلة لإنسان قذف به إلى العالم بشكل عشوائي مجبولا على القلق وليس بمكانه الهروب من مصيره المحتم (الموت والعدم). ويرى كيركجارد ان (الفجيعة هي حجر الزاوية في صرح الوجود).
يعلن (ياسبرز) بأن (الا يتلكم الا بواسطة حريتنا الشخصية وهذا ما يمثل موقف ثروت من مفهوم الدين لدى الفلاسفة. ويعلن كاموا (بأني لا أؤمن بشيء وان كل شيء عبث لذا يحيا الإنسان لديه في صراع بائس بين التساؤل الإنساني وصمت الكون كما يقول ثروت). أما سارتر فيعلي في قضية القلق بوصفه ينبوع القيمة الوحيد وهو تحمل المسؤولية، وان الإنسان محكوم (بالحرية) والقدرة على القفز من الوجود العادي إلى مواجهة الموت بشجاعةٍ للخلاص من الغربة والغثيان، واليأس، ويتماثل ستراجون بطل بكيث في انتظار جودو مع فول (هيدجر): الإنسان الآن هو ما كان دائماً، وما سيكون دائماً ايضاً. لذا يتطابق رأي ستراجون مع هذا القول ويرى ان الحياة ساكنة (لا احداث فيها، ليس هناك من جاء ولا من ذهب انه شيء فضيع) وهنا يحسم ثروت موقفه من مسرح اللا معقول ويرى فيه ان البطل منفصل عن التاريخ بوجود سكوني تافه وها هو (بوزو) يقول: (في يوم ما ولدنا وفي يوم ما سنموت، أنه اليوم نفسه والثانية نفسها). فركود الموقف الإنساني ينبئ عن فراغ هائل يتمثل في الانتظار غير المجدي ولا ينس ثروت ان يقرن هذا الأمر بتجربة (اليوت) في قصيدته (نحن الرجال الجوف.. المحنطون.. الرؤوس المحشوة بالتين.. ملامح بغير حركة). ويردفنا هنا ايضاً ثروت بتحليل آسلين للمسرحية بقوله (ان موضوع المسرحية ليس جودو وإنما الانتظار، ان عملية الانتظار هي الميزة الجوهرية في الوضعية الإنسانية). أما (اداموف) فكاتب يعاني ازمة العصر (الدينية) التابعة من عزلة الإنسان وتتصف مسرحياته بعقدة ممزقة ولغة مفتتة وشخوص بلا ملامح ومتجردة من الداوفع النفسية وعاجزة حيث تحل الإيماءات محل الكلمات وتنتزع الأسماء منها ليعم الخواء فإنسان يونسكو شقي يرى الوجود مدعاة للدهشة فالحياة لا تتلائم مع هذا الوجود المشوه، والعشوائي والفاجع، لم يعد يعرف فيه الإنسان نفسه وينشطر ما بين وجوده هو او وجود ذات أخرى، حتى ان البطل برانجيه يقول (اعجب احيانا من كوني موجوداً!!). ثم يسطر ثروت الكتاب تحت عنواناتٍ مختلفة مثل دورينمات والإنسان التمرد، البي وغربة الإنسان، وليسنغ والبطل في المسرح، شيللر والمسرح الألماني الحديث، بوخنر رائد المسرح الألماني، هاوبتمان والهرم السحري، ثم يتطرق إلى المسرح السوفيتي وسارتر وابسن ولوركا وميلر وماترلنك واغوبيتي، وبرخت ويختتم بـ (اغوبيتي) في مسرحيته (جزيرة الماعز) حيث يسقط (انجيلو) في البئر ويستصرخ ضمير حبيبته (اغاتا) وهي تقع على فم البئر ويقول (بيأس): (يجب إذن ان اظل هنا في البئر وأموت).



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية