العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :36
من الضيوف : 36
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31809026
عدد الزيارات اليوم : 13580
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


زكريا تامر: المبدع الذي أقفل الأبواب بعده...!

وفيق يوسف
بدأ زكريا تامر مدهشاً، ففي مصطلح الشعراء يقولون عن الشاعر المبتدىء المتدرج : يقرزم الشعر، ويبقى الإنسان مقرزماً حتى يتحول بالتدريج إلى الشعر وربما إلى الفحولة، وكذلك في القصة، هناك من يتدرج في كتابتها حتى يصبح معروفاً ومشهوداً له.. وأغلب الكّتاب الذين نعرفهم أو نسمع بهم كتبوا كثيراً وتدرجوا حتى أخذوا هوية محددة، لكن زكريا تامر لم يتدرج هذا التدرج، وإنما بدأ كاتباً مدهشاً، وتدرج إلى أن صار أكثر إدهاشاً وأكثر وأكثر، ذلك لأن تامر لم يُعنَ بالأسس والقواعد،


ولم يخضع أدبه للتهذيب والتشذيب، وإنما تركه على طزاجته وخروجه عن القاعدة، وفي ذلك يقول صديقه محمد الماغوط : "بدأ زكريا تامر حياته حداداً شرساً في معمل، وعندما انطلق من حي "البحصة" في دمشق بلفافته وسعاله المعهودين ليصبح كاتباً، لم يتخل عن مهنته الأصلية، بل بقي حداداً وشرساً ولكن في وطن من الفخار، لم يترك فيه شيئاً قائماً إلا وحطمه، ولم يقف في وجهه شيء سوى القبور والسجون لأنها بحماية جيدة".
فمن الحديد إلى الحديد كان زكريا تامر، ومن الحديد والطرق والسحب إلى القيود المعقودة على الوطن والمواطن انطلق ليحاول فك هذه القيود بكل ضراوة وقسوة، وهذا ما جعل من زكريا تامر كاتباً مختلفاً في تناوله وموضوعاته ومعالجاته غير عابىء بما يمكن أن يلفحه من نار تهب من هنا وهناك، لأنها مهما كانت أقل من النار المنبعثة من الفرن الذي يطلّ عليه بين لحظة وأخرى أثناء عمله وحياته.
الاستمرار والمنبع
يتجاذب النقاد أحياناً الحديث عن هذا الأديب أو ذاك، فيقولون: إنه مثقف أو غير مثقف وهكذا إلى ما لا نهاية من التعابير التي لا تقدم ولا تؤخر في ميزان الإبداع الحقيقي، وزكريا تامر الذي نزل إلى ساحة القصة لم يكن بحاجة إلى مظلة ينزل بها، ولم يستعن بأحد ليقيمه على سوقه، بل جاء ليقول : إن القصة حياة، وليؤكد بما لا يقبل الشك بأن الإنسان قادر على أن يكون كما هو، فبعد أن رأى وتابع وعاصر وعاشر وسمع وتحدث تحول إلى راو يكتب كما يتنفس تماماً من دون تقعر ومن دون حذلقة مصوراً بواقعية لا مثيل لها المأساة التي تحيط بنا من كل الجوانب.
وزكريا تامر الذي انطلق من الأرض، وحمل هموم الناس، وأراد التعبير عن المسحوقين سواء أكانوا من المثقفين أم من غير المثقفين وجد نبعاً ثراً من الأحداث والقصص التي لا تنتهي بين يوم وآخر، وأخضع هذه الأحداث بجليلها وصغيرها إلى صنعته البارعة ليخلق منها عالماً جديداً قائماً على المفارقة المرة، ويتحول هذا العالم التامري إلى عالم نعايشه ونشعر بواقعيته على الرغم من غرائبيته الشديدة.. وبذلك استطاع زكريا تامر أن يتجاوز قروناً من الترميز الساذج الذي يصور العلاقة بين الحاكم والمحكوم، إلى صورة واضحة تمام الوضوح بألفاظها وصورها ومسمياتها.
بين المباشرة والغرائبية
دمشق الحرائق، ربيع في الرماد، النمور في اليوم العاشر، الرعد، صهيل الجواد الأبيض، نداء نوح، سنضحك، الحصرم.. من عناوين أعمال زكريا تامر، وهذه العناوين لا تنفصل عن المضمون على الإطلاق، وهي تجمع ما بين المباشرة والغرائبية في الوقت نفسه، وربما كان لطبيعة زكريا تامر وثقافته العميقة الأثر المباشر في التوفيق بهذا الجمع الذي لم يستطعه غيره من الكّتاب، فزكريا الذي عاش مسرح أحداثه ودرسه استطاع أن يلتقط من هذا المسرح أحداثاً وشخصيات واضحة للعيان، نراها تتحرك أمامنا ليعالجها معالجة تجمع مابين الحدث المباشر، والتركيب الغرائبي المدهش، ليصنع بذلك عالماً جديداً متكاملاً يخصه وحده ولا يشاركه فيه أحد،فنراه في القصة الواحدة أمام الحاكم والمحكوم بالدلالة المباشرة يسير بنا في جو غير مصدق إلى الخاتمة الفاجعة التي لا يمكن أن تحدث على أرض الواقع، لكننا ننتهي بقناعة إمكانية الحدوث، بل بالقناعة بضرورة الحدوث وحتميته.
ففي قصة "بعيداً عن البيت" يتحدث زكريا تامر عن مأساة تتكرر كل يوم بل كل لحظة تتعلق باغتصاب الأشياء الجميلة، سواء أكانت أحلاماً أم أجساداً من خلال شخصية لميا التي خرجت لتبحث في أزقة دمشق ومخافرها عن زوجها الذي أخذ منها قبل أن يشبع منها وتشبع منه، فتنتهك في بيت منعزل كأي امرأة منتهكة وأي مدينة مستلبة، أو أي وطن مستباح.. إنه عالم زكريا تامر الذي لا يقبل من سواه، ولا يجيده غيره من الكتّاب.
الريادة والمتابعة
لم يكن زكريا تامر مرحلة استثنائية في الكتابة القصصية السورية والعربية، وإن كان كاتباً استثنائياً في سورية والوطن العربي، والمتأمل للخريطة القصصية العربية لا يمكن أن يتخيل القصة العربية دون أن تحمل اسم نجيب محفوظ أو يوسف إدريس أو سعيد حورانية أو زكريا تامر، فهذه الأسماء لم تشكل علامات في القصة فقط، بل شكلت الأساس الصلب الذي تابع الناس من بعده.
زكريا تامر لم يخضع لتأثير جي دي موباسان في أصول وتقنيات القصة القصيرة، ولم يشأ أن يكون متابعاً لنهج وضعه الكتّاب الكلاسيكيون للقصة، وإنما أراد أن يكون هو، ولو أن زكريا تامر ينتمي إلى بلدان متقدمة ومؤثرة وفاعلة لتمَّ تأريخ ثورة القصة على يديه، لأنه جاء إليها بما لم يأتِ به الكتاب الآخرون، واتصف زكريا بريادة أسلوبه، وبالاستمرار في هذه الريادة لمدة تزيد على أربعين سنة، وبتطوير هذا الأسلوب ليصبح أكثر تكثيفاً وتركيزاً، وأنت في أدب زكريا تامر تجد القصة القصيرة التي تأخذ صفحات عديدة، ثم تدلف معه إلى قصة في سطور، وفي كلتا القصتين أنت أمام عالم قصصي متكامل البناء والحدث والعبرة.. ونحن اليوم نجد عشرات بل مئات الكّتاب الذين يكتبون ما يطلقون عليه اسم القصة القصيرة جداً، وينسبون أبوة هذا الفن لزكريا تامر بغية الحصول على شرعية مولودهم، لكن قراءة ما جادت به قريحة زكريا تامر، وما جادت به قرائحهم تظهر البون الشاسع بين الأصيل المبتكر القائم على وعي بما يحدث، والهجين التقليدي الذي يقصد إلى الفرقعة، ومع أن زكريا تامر كتب النصوص القصيرة منذ أمد بعيد إلى أنها حملت اسم (قصص) دون أي توصيف لإيمانه بالجنس الأدبي والنوع الذي يحمل كل مقومات الإبداع الجميل.
تجاوز الحدود الضيقة
في الشعر نعرف أن نزار قباني تجاوز حدود سورية على الرغم من كل العوائق والحدود، وفي النثر كذلك قلائل هم الذين تجاوزوا حدود الأوطان الصغيرة الضيقة، وإن كنا قد قرأنا نجيب محفوظ ويوسف إدريس وغيرهما من كتاب مصر فلأنهم إضافة إلى إبداعهم ينتمون إلى الأخت الكبرى "مصر" والتي استطاعت أن تفرض ثقافتها ودراماها وغير ذلك من ثقافة وفكر وأدب بحكم الأسبقية ووسائل الإعلام.
وزكريا تامر من الناثرين الذين وصل أدبهم إلى البلدان العربية، فقرىء، ونقد، ومدح، ودرس... من دون أن يكون هذا الوصول محكوماً بأي مؤثرات غير قوة الإبداع وأصالة الفن الذي يمارسه، فمع أن دمشق هي التي كانت تحترق، إلا أن زكريا بعبقريته القصصية جعل الحريق عاماً وغير مقتصر على دمشق، فوصل إلى القاهرة وبغداد والرباط وتونس ومكة وعدن والكويت والمنامة، فخصوصية الموضوع وعمومية الحالة جعلت إبداع زكريا إبداعاً عربياً، وعالمياً لو أن هذه الأعمال انتمت كما أشرت إلى البلدان الفاعلة القوية.
زكريا تامر كاتب المقالة
المفارقة في أدب زكريا تامر قرّبت أدبه من القارىء أكثر، وجعلت جرح القارىء أكثر نزفاً وألماً، وهذه المفارقة جعلت زكريا تامر أقرب إلى وجع الناس، وقربت أسلوبه إلى الواقع، وعندما بدأ زكريا تامر يكتب المقالة للدوريات السورية والعربية كان مميزاً بأسلوبه ونكهته وموضوعاته، وقد برع تامر في الكتابة الصحفية، وصار من أهم كتّاب الزوايا والأعمدة بسبب مزاوجته البارعة بين الأدب والإعلام، وقد ساعده على ذلك اقترابه بأدبه القصصي من هموم الناس وقضاياهم الحياتية، وعندما أراد تامر أن يكتب للإعلام لم يتطلب الأمر منه أن يبذل جهداً لتطويع لغته، لأنه كان قد طوّعها منذ البداية وحوّلها إلى لغة أخرى تشبه لغة الناس العاديين، وتنتمي إلى لغة الأدب الرصين في الوقت ذاته، والذين تابعوا كتابات زكريا تامر للمقالة يعرفون أن تامر أثار أموراً عدة، وأثّر في الكتابة الإعلامية، بل إن عدداً من زواياه دعت الكثيرين إلى قراءة أدبه القصصي، وبعد القراءة تبين أن ثمة ما يجمع بين القصة والمقالة لديه، وهو الصدق في التناول والمعالجة، والابتعاد عن الحذلقة، والالتصاق الشديد مع هموم الإنسان العربي في كل مكان.
زكريا تامر والطفل
لايزال زكريا تامر بسيطاً في حياته على الرغم من شهرته وتقدم سنه، وهذه البساطة قربته أكثر من عالم الصدق والطفولة، ونذكر أننا عندما كنا أطفالاً أن حركة أدب الطفل كانت نشطة للغاية، وقد شارك في تنشيطها كوكبة من المبدعين منهم زكريا تامر وممتاز البحرة، وقد استطاع هذان المبدعان أن يرسما صورة فريدة للطفل وأدبه تنطلق من الخصوصية لتعزز فكراً كان مستلباً من الطفل.. ولاتزال رسوم البحر التي كان يزين بها مجلات الأطفال على قلتها أو الكتب المدرسية عالقة في أذهاننا إلى اليوم.. ولا ندري السبب الذي جعل أدب الطفل يتراجع بعد تلك الصحوة الجميلة، ورسوم الطفل تعود إلى الوراء كذلك !.
زكريا تامر الإنسان
ليس سهلاً أن تقرأ زكريا تامر، لكن إن قرأته لن تستطيع الفكاك من أسره وسيطرته وسطوة كلماته وصوره الجارحة الناقدة، وترسم صوراً عدة لهذا الكاتب الذي يشبهك في كل شيء، والذي يختلف عنك كل الاختلاف..
بدعوة من الصديقين العزيزين سهيل عرفة وعلاء الدين كوكش اجتمعت مع الأديب الكبير زكريا تامر في أمسية دمشقية جميلة قبل عامين، كانت الجلسة من دون ترتيب مسبق، والتجهيز لها لم يأخذ وقتاً طويلاً، على سفح قاسيون كان موعد اللقاء للانطلاق، وكان زكريا تامر بقامته العملاقة تاريخاً وإبداعاً يجلس محتضناً حقيبة جلدية صغيرة، شعراته الناعمة الشائبة تلامس نظارتيه، وضحكته تجلجل بين لحظة وأخرى عندما يحدث ما يستحق... ساعات عدة لم تستطع أن تشعر بوجود غير مألوف، تحاول أن تتهيب من وجود كاتب كبير، لكنه يسحبك من هذا الإحساس باستدراج ابتسامة أو نكتة، ليبتعد عن الحديث عن أدبه وعن نفسه وعن الآخرين.. وتخرج بعد اللقاء بنتيجة جميلة تتلخص بأن زكريا تامر يختلف عن غيره من المبدعين بإنسانيته وتواضعه، وأهم اختلاف مع الآخرين بأنك لن تندم لأنك عرفته، بل ستندم لأنك تأخرت في الجلوس إليه ومحادثته... عالم متكامل من القصة والمقالة وأدب الطفل لم يستطع أن يغيّر من تواضع زكريا تامر، والشيء الوحيد الذي تغير هو تلك الحبات التي يضعها أمامه بالترتيب حتى يتناول حبة دواء بين لحظة وأخرى في موعدها المحدد، معبراً عن أسفه لأنه استعاض بهذه الأدوية عن ممارسة حياته الطبيعية كما يريد أو يشتهي.
ويبقى زكريا تامر في النثر القصصي نسيج وحده، لا يتكرر، ومن الصعب تقليده، وإن حاول الكثيرون تقليده أو التمسح به فإن عملية التبييض تظهر مباشرة حقيقة ماهم عليه من نقص في الإبداع وقصر في الهامة، ووضاعة في النفس، أمام ما يمثله زكريا تامر الأصيل والمبدع حقاً.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية