العدد (4311) الخميس 15/11/2018 (محمود صبحي الدفتري)       الدفتري وحفلة المصالحة بين الرصافي والزهاوي       لقطات وطرائف من حياة الدفتري       لقاء مع اقدم امين للعاصمة بغداد..محمود صبحي الدفتري : هكذا ادركت بغداد       من احاديث الدفتري لمير بصري..ذكريات الدفتري مع ولاة بغداد في العهد العثماني       من احاديث محمود صبحي الدفتري و ذكرياته       الدفتري امينا للعاصمة       العدد (4310) الاربعاء 14/11/2018 (ديفيد هيوم)       ديفيد هيوم فيلسوف التنوير       هيوم و«المعرفة المتهمة حتى تثبت براءتها»    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :25
من الضيوف : 25
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22891147
عدد الزيارات اليوم : 2346
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


أستاذي الدكتور أحمد مطلوب في أسئلة الحياة

شكيب كاظم
تستهويني قراءة كتب  المذكرات والسيّر الذاتية ولاسيما إذا كانت صادقة وقريبة من وقائع الحياة  والأشياء، وغير متنفجة إن لم أقل كـــــاذبة مــــــثل مدعيات رامبو، أو  ادعاءات إندريه مالرو (1901-1976) في كتابه (اللا مذكرات) ففي كتب المذكرات  تجارب ثرة وخلاصة أفكار ومناهج حياة، يفيد الإنسان منها، أو يرى مدى القرب  حياتياً وتصرفاً وسلوكاً بينه وبين كاتبها،


 لذا ما أن توافى إليّ كتاب (سؤال وجواب. صور ذاتية) لمؤلفه أستاذي الدكتور أحمد مطلوب الباحث الجامعي ورئيس المجمع العلمي العراقي، حتى بدأت بقراءته، والذي قسمه على خمسة عشر محوراً، ضمت تسعة وستين سؤالاً، وجهت إليه في سنوات التسعين من القرن العشرين، وهذه المحاور أو بعضها: الأسرة، الطفولة، الدراسة، المؤلفات، الرحلات، السياسة، المكتبة، وغيرها، ولقد عجبت من دقته في إيراد المعلومات، مؤرخة بالتأريخين الهجري والميلادي مما يدل على أنه يدون كل شأن من شؤون حياته، فإذ يسأل عن الموضوعات التي نشرها في الصحف والمجلات، واسم المجلة أو الصحيفة، ومكان الصدور، وزمن النشر، فيبدأ بأول مقال نشره في جريدة (النهضة) الصادرة ببغداد، وعنوانه (الرصافي في قصيدته بداعة لا خلاعة) بتاريخ الثلاثاء 7 آذار 1953م، أول رجب 1372هــ ويستمر في التعداد صعوداً، وكذلك الأمر في المؤتمرات التي شارك فيها والوظائف التي تقلدها أو الأشخاص الذين التقاهم، والجوائز والتكريم الذي حصل عليه.

وإذ أرى الكثير من الذين يحاضرون، ويتحدثون في الندوات، يصعدون إلى المنصّة من غير تهيئة أو حتى رؤوس أقلام تعينهم، يرون في هذا تدفقاً وخطابة، وقد يعيون كثيراً عن الإتيان ببيت شعر، أو آية قرآنية كريمة، على الوجه الصحيح، في حين أنا ما كلفت بحديث، إلا وأمضيت سحابة نهار أقرأ وأدوّن احتراماً للسامع، واحتراماً لذاتي، وبعض هؤلاء الذين يلقون في كل نادٍ، يعدونه عيا، ولقد سعدت وأنا أقرأ رأي الدكتور أحمد مطلوب في ذم الارتجال وهو لكثرة ما حاضر وتحدث وألقى من بحوث وكلمات أصبح الكلام لديه مألوفاً والموقف ثابتاً، فلا يضطرب ولا يتلعثم ولا يستعين بما يستعين به بعضُ المتحدثين من مط الصوت أو توقف للاستذكار أو حركة للتخلص من إحراج قائلاً"ولا القي كلمة شفوية إلا قليلاً، وإنما أكتبها وأعيد النظر فيها وأضبط الوقت الذي تستغرقه (….) فلا أطيل فيسكتني رئيس الجلسة ولا أبتر الموضوع فلا يفهم المستمعون الفكرة، لأنني أتهيأ للحديث والكلام قبل موعد الندوة أو المؤتمر (…) ولاحترام المستمعين الذي ينبغي أن يحترمهم المحاضر أو المتحدث في لغة موضوعه وأسلوب فكرته، لا ككثير ممن يقلب صفحات بحثه فيقرأ سطراً من هنا وسطراً من هناك من غير ربط فتضيع الفكرة وتنتفي الفائدة والتأثير، تراجع ص197-198.

يأنف من السعي وراء المكافآت
وإذ يحرص الكثير من الأدباء والكتاب على تسلّم مكافأة النشر، يعدون هذا حقاً طبيعياً عن الجهد المبذول، واحتراماً للذات المبدعة وأنا منهم، فإن الأستاذ الدكتور أحمد مطلوب ينقل رأياً جديراً بالوقوف عنده، للشاعر المصري محمود حسن إسماعيل إذ يقول:"ولعل مجلة (الأقلام) التي أسهمت في تأسيسها عام 1964 كانت سباقة إلى منح المكافآت، ولكنها كانت قليلة لا تتجاوز الدنانير العشرة، وكان الشاعر المصري محمود حسن إسماعيل الذي توفي عام 1977 في الكويت قد نشر قصيدة في المجلة وأرسلت إليه عشرة دنانير فأعادها مثلما أعاد الجنيهات الخمسة التي كوفئ بها عن قصيدته (بغداد) التي غنتها المرحومة أم كلثوم في 14/تموز/1958م، وكان قد حدثني -رحمه الله- بذلك في مقهى عبد الله بالقاهرة في 22/ نيسان/1970م لأنه كوفئ كما يكافأ الخدم"تراجع ص 198.

ويتواءم أستاذي أحمد مطلوب مع رأي الشاعر إسماعيل فهو ليس ممن يراجعون شبابيك المحاسبين من أجل دراهم معدودة، لأن الجرائد لا ترسل المكافآت بصكوك إلى الكاتب، لذا فهو يفضل العافية وراحة البال على الانتقال من جريدة إلى أخرى كساعي البريد أو جابي الضرائب في العهد العثماني. وأرجو ان يسمح لي أستاذي أن أقف عند هذه الفقرة موضحاً، فالقصيدة التي غنتها أم كلثوم تحية للرابع عشر من تموز 1958، هي قصيدة (بغداد يا بلد الرشيد) للشاعر المصري علي الجارم (1882-1949) وليست قصيدة بغداد لمحمود حسن إسماعيل، التي ألقاها في اليوم الثاني من مهرجان الشعر السادس المنعقد في بغداد على قاعة الملك فيصل الثاني (الشعب) فيما بعد، يوم الاثنين 22/ من شباط/ فبراير 1965، وهو اليوم الثاني من مهرجان الشعر السادس.

كيف يؤلف ويبحث؟
وإذ نتابع ما كتب أستاذي احمد مطلوب أو نقرأ سرداً لما شارك فيه من مؤتمرات وندوات وإلقاء أحاديث من الإذاعة أو الإذاعة المرئية، فأنك لتعجب أو بالحري لتسعد، ولعل وراء ذلك الحياة المنظمة المنضبطة، فلا سرف ولا إسراف وذاكرة وقادة حباه الله بها، فهو إذ يزمع كتابة فإنما يتهيأ لها، وله طريقة مثلى في التحبير والكتابة، فإذ يدأب بعض الباحثين على استخدام الجذاذات أو البطاقات كما يسميها أستاذنا، فيكون الجهد مضاعفاً كتابة البطاقة أو الإشارة للمصدر أو المرجع، ثم التدوين، لكن أستاذي الدكتور يذهب إلى الموضوع مباشرة بعد تهيئة مراجع البحث ومصادره، كما إني لأعجب من مزاعم بعض الكتاب، إنه يجلس يومياً إلى طاولة الكتابة عند الساعة كذا ويغادرها عند الساعة كذا، وأرى أن هذه المزاعم الكاذبة، محاولة لإضفاء صفات ليست فيه وإيهام القارئ وخداعه، فالكتابة مزاج وتهيؤ ورغبة، وقد لا تواتي الكاتب هذه الرغبة أياماً، وقد تأتيه الأفكار وهو في السيارة العامة. أو حين يسير في الطريق، وكثيراً ما ضاعت أفكار لهذا السبب، الأستاذ الدكتور أحمد مطلوب الصادق مع نفسه وقرّائه يؤكد:"أنا من الذين يجدون في الكتابة والتأليف متعة ويسراً (…) لا أجد عناءً عند الكتابة في إيجاد نص استشهد به (…) ولا استعمل البطاقات في التأليف (…) وإنما استعملها للإشارة إلى النص أو العبارة التي أريد الاستشهاد بها، وفي هذا ادخار للوقت لأني لا أنقل النص مرتين، مرة أثناء الجمع ومرة أثناء الكتابة، وإنما أنقله مباشرة عند الكتابة والكتابة والتأليف عندي مثل الإبداع ولذلك لا استطيع الكتابة في كل وقت وإنما أعين الفرصة المؤاتية والرغبة الجامحة، والفكرة التي تلح وتدق فإذا حانت الفرصة وتهيأت الأسباب جلست للكتابة، وربما أنهي الموضوع أو الفصل في جلسة واحدة تمتد ساعات وساعات، أو ربما أكتب صفحات قليلة ثم يتوقف قلمي (…) لأعود إلى الكتابة عند أول رغبة قوية، وأنا ممن يعيدون النظر فيما يكتبون قبل النشر، وقد أترك المقالة أياماً ثم أعود إليها (….) لأضمن سلامة العبارة (…) وأنا ممن يعنون بالأسلوب وجماله إلى جانب صحة الفكرة ودقتها وسلامتها. تراجع ص235.

اللاهوت ماركسيا؟!
لقد زار أستاذي الدكتور أحمد مطلوب أصقاعاً عديدة من الدنيا بحكم المنصب الإداري أو العلمي، يزور ألمانيا الشرقية في الخامس والعشرين من مايس /1971  ومكتبة كارل ماركس في مدينة لايبزك، ويلتقي برئيس قسم الدراسات الشرقية في الجامعة الدكتور روشيل، ومن ظريف ما حدث أن الدكتور أحمد يسأل روشيل عن قسم اللاهوت في الجامعة، فجاء جواب روشيل، مضحكاً ومفجعاً نحن ندرس اللاهوت بالطريقة الماركسية! وهذا الأمر يذكرني بكتاب للباحث اللبناني الماركسي محمد عيتاني (توفي 21/ من آذار/ 1988)، الذي قرأت كتابه بداية عقد السبعين من القرن العشرين وعنوانه (القرآن في ضوء الفكر المادي الجدلي) قرأته وكتبت عنه حديثاً نقدياً أزمعت نشره في مجلة (الثقافة) التي كان يصدرها، أستاذي الدكتور صلاح خالص (1925-1986)-رحمه الله- لكن الدكتور صلاحاً اعتذر بأدب عال عن نشره، قائلاً، منهج البحث منسوف أصلاً، فكيف يدرس المثالي اللاهوتي والغيبي مادياً؟ والأمر ينطبق على الدكتور روشيل وما أراه إلا خائفاً وجلاً يترقب تقرير الأخ الأكبر فقال الذي قاله لأستاذي أحمد مطلوب!.

صروف الدهر وتقلب الحياة.
لقد كان الشاب أحمد مطلوب ناشطاً سياسياً، لذا لا غرو أن يكون إلى جانب مصر أثناء العدوان الثلاثي عليها عام 1956، بسبب تداعيات تأميم قناة السويس في 26/ من تموز/ 1956، بخطاب ألقاه الرئيس جمال عبد الناصر في الإسكندرية احتفاءً بالذكرى الرابعة لثورة الضباط في تموز/ 1952، فتقرر الأجهزة الأمنية اعتقاله، وكان الاعتقال ينفذ بصدور مذكرة اعتقال وحضور مختار المحلة، الذي الغي هذا الطقس القانوني الحضاري في الجمهوريات وأصبحت البيوت تقتحم وتكسر أبوابها ويتسور المقتحمون أسيجتها، فتقرع الباب في تلك الليلة الشاتية الباردة، لإلقاء القبض على الشاب أحمد مطلوب، ومختار محلة الرحمانية بصحبة رجل الأمن من آل الخليلي وهي أسرة كرخية معروفة لنا منها أصدقاء وزملاء في الدراسة والوظيفة، أخلاق أستاذي أحمد مطلوب السامية، تدفعه أن لا يذكر اسم ضابط الأمن هذا الذي تشاء المصادفات، وقد تغيّرت الدنيا وأصبح الدكتور أحمد وزيراً للثقافة والإرشاد، يكون في استقبال وبمعية رئيس الوزراء طاهر يحيى ووزراء آخرين، ليستقبلوا زكريا محيي الدين نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة، والحال متأزمة وتنذر بالخطر، خطر نشوب الحرب بين العرب والكيان الصهيوني، ولا سيما بعد طلب الرئيس ناصر من القوات الدولية المرابطة في جزيرة سيناء ومنذ العدوان الثلاثي 1956، طلب منها الانسحاب في شهر مايس /1967، تشاء المصادفات أن يكون رجل الأمن هذا من حرّاس المطار، الذي يزوَّر، ويحاول الاحتجاب كي لا يراه السيد الوزير، فإنه – كي يزيل الخوف الذي ظل يساوره- يذهب إلى رجل الأمن هذا ويسلم عليه قائلاً له: عفا الله عما سلف، ويوم يتوفى الرجل سنة 1978 فإنه يرثيه برباعية جاء فيها

قد أتاني فجراً وقيّد روحاً
عذبتها الأيام نكراً وجوارا
يا سقى الله قبره كل فجر
وسقته الجنان ماءً طهوراً



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية