العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :71
من الضيوف : 71
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31807766
عدد الزيارات اليوم : 12320
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


سنضحك ... هم انساني

احمد عزيز
في مجموعة زكريا تامر 'سنضحك' ( 1998)، نلحظ انزواء الموضوع المحلي والعربي، وتقدم الهم الإنساني، ونفتقد النكهة المحلية، والشخصية الشعبية، والفضاء الشعبي، كما نلحظ تغيُّر المنظور السردي والجمالي في كثير من الموضوعات والقيم بالتوازي مع تغير المكان وتطور الرؤية مقارنة بما أصدره زكريا من مجموعات سابقة.  وفضلاً عن ذلك نلمس نزوعاً واضحاً للتعبير عن استلاب الإنسان وضياعه وتشييئه وفقدانه لبراءته وقيمه الأخلاقية والروحية،


 وتصل سخرية زكريا تامر إلى ذروة سوداويتها من خلال تصويره للغرائبي واللامعقول والفاجع والجنوني والمأساوي والمقهقه والساخر في عالمنا المعاصر، كما يقول الناقد المرموق كمال أبو ديب في تقديمه للمجموعة.
وعلى الرغم من أن الموضوعات التي يقاربها زكريا في قصصه هذه تغري ببناء واقعية سحرية كالتي أشادها كتاب أمريكا اللاتينية وفي مقدمتهم ماركيز وأستورياس، إلا أن زكريا يواصل تشييد واقعية طباقية مغايرة لا تتكئ على المجاز والاستعارة والتشبيه، ولا تنتهك بنية اللغة التقليدية وحسب، بل تعتمد لغة قاسية جافة خشنة لا ماء فيها، تراكم مجموعة من الوقائع الغرائبية في بنية سردية طباقية تكشف عن المفارقات المذهلة في عالمنا المعاصر، وتبدو عجائبية المتن الحكائي متسقة هنا مع غرائبية الواقع الذي يوهم به هذا المتن.
يعتمد الكاتب في تشكيل نصه العجيب على رؤية عين الطائر التي تكفل له تقديم صورة بانورامية لتناقضات العالم وفواجعه وطبقاته المأسوية المرعبة، مع الحرص على تصويرها متداخلة أو متزامنة لا متتابعة، كما هو الحال في قصة الظلمات فوق ظلمات التي يشي عنوانها بآلية تشكيلها وبنيتها الطباقية، وقصة النائمات التي يتراجع فيها البناء المجازي / التخييلي، وتتقدم الوقائع العجائبية من دون اتكاء على المجاز، كاشفة المكبوت والمقموع، والجة إلى أعماق اللاوعي، مفسحة المجال للحلم كي يكون الوسيلة الوحيدة لتحقيق الذات في عالم قامع كابح للرغبات . كذلك تقدم لنا قصة (الناجحون) فضاء قصصياً يعمل على تفريخ المجانين وفقدان العقول، وتعرض لنا آخر المحققين فقدان النساء لبراءتهن وتحولهن إلى مغتصبات للرجال!! أما قصة المتنكر فتصور لنا رجلاً يتنكر بزي طفل ليتخلص من مسؤوليته تجاه فتاة حملت منه بعد أن أوهمها بالحب، وتتابع السارق والمسروق رجلاً فقيراً يحاول أن يسرق ليرد غائلة الجوع عن أسرته؛ فيكتشف أن البيت الذي يزمع سرقته ما هو سوى بيته هو، وتصور لنا العائلة المقدسة فتاة جامعية مثقفة تبيع جسدها بموافقة والديها وهي فخورة، في حين تعرض لنا قصة العروس حكاية امرأة ترفض عرضَ رجل للزواج منها، وتفضل أن تبيعه جسدَها مقابل مبلغ من المال. ويُتهمُ معلمُ مدرسة متفانٍ في قصة المتواري عن الأنظار بقتل مجموعة من الرجال، ويُستدْعَى الموتى للشهادة فيشهدون بالمجازر التي ارتكبها المعلم بحقهم؛ فيتحول المعلم البريء إلى طائر، ويهرب مذعوراً غير مصدق. ويدخل رجل في قصة نهر المفاجآت إلى بيت يقال له إنه بيته فيستغرب ويقول: دخلت بيتاً لم أره في حياتي، ورأيت أولاداً لم يسبق لي أن رأيتهم من قبل، تصايحوا مرحبين بأبيهم؛ فلم أتفوه بكلمة ؛ فالطعام يوشك أن يبرد، وإذا برد فلن يكون طعمه مستساغا (1). ويخرج شاب في قصة الوارث من البيت مرح العينين والخطا، وحين يعود بعد ساعات شاحب الوجه زائغ النظرات؛ تسأله جدته عن السبب فيقول لها: كنت أسير في الشارع ؛ فرأيت شاباً في مقتبل العمر تدعسه سيارة ولا تقف، ورأيت أولاداً يبحثون في القمامة عما يصلح لأن يؤكل، ورأيت شرطياً يضرب رجلاً يولول(2).
لا يكشف الكاتب في قصصه السابقة كلها عن القوة المفارقة التي تسيطر على عالمه الجديد، وتحرك شخصياته، وتتحكم بمتناقضاته، بل يكتفي بعرض الغرائب والفواجع المأسوية والمفارقات التي يكتظ بها هذا العالم، دون أن يضع المسؤولية على عاتق الشرطي (أداة القمع وصوت السلطة في قصص زكريا)، أو رجل الدين المتشدد (صوت الأيديولوجيا السلفية المتزمتة)، بل إن الشرطي ورجل الدين في هذه المجموعة يتجردان من قدرتهما على القمع والإكراه، ويغدوان مظلومين ومجنياً عليهما ومفعولاً بهما، بعد أن كانا قامعين وجانيين وفاعلين في مجموعاته السابقة؛ إذ يندغمان في بنية هذا العالم العجيب الذي يشكله زكريا، ويصبحان عنصرين منضويين في نسقه، بعد أن كانا يتحكمان بحركة العناصر في هذا النسق.
يسخر الكاتب، في قصته بيت كثير الغرف من إخفاق الشرطي في النيل من ضحيته، ويصوره أبلهَ وهزأة وضحية، وكذلك يفعل مع رجل الدين في قصة الغروب التي يبدو فيها رجلُ الدين عاجزاً ومظلوماً في الوقت نفسه، أما في قصة المؤذن لا يؤذِّن فيصور رجل الدين جائعاً وضحية للواقع المرعب والقاسي الذي يعيش فيه، بعد أن كان في المجموعات السابقة أداة لنشر الرعب وسفك الدماء ( قصة الخراف، نموذجاً).
واكبَ هذا التغيرَ الملحوظ في رؤية الكاتب للشخصية المحلية والموضوع المحلي عموماً تطورٌ ملحوظٌ في بنائه للقصة؛ فلم تعد القصة عنده حدثاً يتطور في مكان وزمان محددين ( من خلال القرائن الضمنية الدالة) بل غدت مجموعة من اللوحات والمشاهد المجتزئة لعدد كبير من الشخصيات التي تعيش متجاورة في مكان واحد أو أمكنة متعددة، وتستجيب لواقعها وأزماته من خلال الانخراط في بنية الواقع أو التماهي معه أو الذوبان فيه، لا من خلال الافتراق عنه، ومواجهة مشاكله بغية تغييرها؛ ولذلك نجد الشخصية في هذه القصص تعتنق المنظومة الأخلاقية المهيمنة في المجتمع، وتنضوي تحت لوائها، ولو كانت هذه المنظومة تشي بالتسفل والتفكك والانحطاط، وتشير إلى انتهاك كرامة الإنسان وتشييئه، بل إن بعض هذه الشخصيات غدت تمارس هذا الانتهاكَ بلذة واجدة فيه ذاتها، بدلاً من أن تشعر بالعار وتنتضي خناجرَها، وتموت دفاعاً عن شرفها، كما فعل سليمان بطل قصة البستان في مجموعة دمشق الحرائق، ومعظمُ شخصيات زكريا تامر السابقة؛ فالمرأة الموظفة في قصة المشجب تعرض بيعَ جسدها للبطل من دون أن تشعر بأي حرج، وتتلقى امرأة أخرى في القصة نفسها تزاحُمَ الأطباء على جسدها، وهي مستلقية على ظهرها ببهجة، و تنصح الرجالَ بالقليل من الصبر والنظام (3)، وتتفرج مجموعة من الرجال في القصة نفسها على شاب يغتصب امرأة في الشارع، والمرأة تبكي وتولول وتستغيث ؛ فلا يأبه لها أحد، وتحدق إليها العيون كأنها تتابع أحداث فيلم سينمائي مشوّق (4)، وترفض امرأة في قصة العروس عرضا ً للزواج منها، وتصرخ به قائلة: ما هذا التخريف عن الحب والزواج؟ أهو وسيلة لتضاجعني مجاناً؟ أنا لست امرأة تخدع بسهولة. اللقاء في بيتي له سعر غير قابل للمساومة، واللقاء في بيتك له سعر أقل، إذا كان البيت آمناً (5).
****
وفضلاً عن القصة المبنية على تراكُم المشاهد واللوحات، وتعدُّدِ الشخصيات، وطولِ الشريط اللغوي نسبياً، وعددُها لا يزيد في المجموعة عن اثنتين، هما: بيت كثير الغرف وتمتد على عشرين صفحة، و بعض ما جرى لنا وتستغرق اثنتين وثلاثين صفحة، تميل القصص في هذه المجموعة إلى القصر الشديد؛ إذ يتراوح طولُ الشريط اللغوي في القصص الثماني والأربعين الباقية بين صفحة ونصف الصفحة، وصفحتين ونصف الصفحة؛ وتغدو القصة عندئذٍ أشبه بالومضة الخاطفة التي تسلط الضوء على الشخصية ( أو على الشخصيات) في موقف ما، ثم تتركها مفسحة المجالَ للمتلقي كي يستقرئ المسكوت عنه في الخطاب القصصي دون أن توحي بالدلالة في الخاتمة السردية، كما كانت تفعل في السابق؛ ولهذا نجد أن معظم قصص المجموعة تخلو من الفواتيح أو الخواتيم السردية الدالة التي تساعد المتلقي على الولوج إلى فضاء القصة، وتفتح له أبواب القراءة ودهاليز التأويل.
ومن الملحوظ، في هذه المجموعة، أيضاً تراجعُ الملفوظ الشعبي للشخصيات وغيابُ الخصوصية التي تميز شخصية من أخرى؛ ولذلك يصعب على المتلقي اكتشاف هوية الشخصية أو التعرف إلى منبتها الاجتماعي من خلال منطوقها اللغوي، وهذه تقنية قصصية تؤكد وعي الكاتب بغياب الهوية المحلية أو القومية لشخصياته في عصر العولمة، ولعل هذا يفسر غياب النكهة المحلية (الظاهرة أو الضمنية) عن معظم القصص؛ إذ باستثناء المقطع الرابع من قصة بيت كثير الغرف والذي يحمل عنوان شموس المفتي، وقصة إحدى المدن التي تذكرنا بقصتي اللحى و الأعداء في مجموعتي زكريا الرعد و النمور في اليوم العاشر، نكاد لا نعثر على أية نكهة محلية في قصص المجموعة، وهذا إنجاز سردي مهم، سعى زكريا تامر إلى تحقيقه في مجموعته هذه مؤكداً ارتباط قصصه بما يجري في العالم من تغيرات على مختلف الصعد، وخروجها من معطف الحارة الشعبية إلى لجة الفضاء العالمي، إن صح التعبير، الذي يغيب فيه التمايز بين الشخصيات الكوزموبوليتية، فتغدو نسخاً متشابهة أقرب إلى الدمى والبيادق، تحركها دوافع متشابهة، وآمال متطابقة، وتغيب عندها الرغبة في الارتباط بمكان محدد اسمه الوطن.
ولعل هذا يفسر أيضاً تجريد الشخصيات من ملامحها الشخصية وأسمائها المحددة، ما جعل المسافة الجمالية بين صورة الحارة في مجموعاته السابقة ولا سيما السهرة و في ليلة من الليالي و دمشق وصورتها في المجموعة الحالية كبيرة جداً. ويشي هذا الاختلاف بين الصورتين بالتغير الذي طرأ على الحارة في اعتناقها أخلاقاً ومثلاً استهلاكية ساعدتها على خلع جلدها، والذوبان في محيط العولمة، دون أن تشعر بالألم أو العذاب أو الندم أو الأسف على ما كان.
وبشكل عام يمكن القول: إن زكريا كان في مجموعاته كلها شاهداً مبدعاً على عصره، وصانعاً فتاناً لعالم مثير حتى الإرعاب. لقد واجه مشاكل الإنسان بجرأة ووعي، ولم يدر ظهره لحاضره، أو ينصرف إلى ماضيه كما فعل بعض كتاب عصره؛ ولذلك تشكل قصصه نصوصاً تخييلية باهرة لكاتب انغمس في بيئته المحلية وزمنه حتى النخاع، وأسس لجماليات جديدة هي سمة إبداعه الأولى: جماليات خرقنة العادي وعودنة الخارق، وجلاء سحرية الواقع وسرابيته وخداعيته وقناعيته، وعقلنة اللامعقول لا من أجل جعله مستساغا،ً بل من أجل أن يكشف إرعابيته وغوريته وجموحه وفاعلياته الكاسحة في الحياة كلها: الفرد والمجتمع، الرجل والمرأة، الوعي واللاوعي. زكريا تامر، كما يقول البروفسور كمال أبوديب، حفار قبور ما تحت الوعي العربي، في زمن يحتشد فيه هذا الـ ما تحت الوعي العربي، في زمن يحتشد فيه هذا الـ ما تحت بألف ألف من المقموعات والمكبوتات والشهوات والرغبات ومكونات الفجيعة والانكسار والثورة والإجهاض. لقد ارتقى زكريا تامر بفن القصة إلى الذروة، وقدم إسهاماً عربياً أصيلاً في تكوين الفضاء الإبداعي المعاصر، كما تابع سعيه إلى ربط فن السرد بمنابع غائرة في تاريخ الإبداع العربي، وإلى اكتناه مشارف للإبداع القصصي على مستوى العالم.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية