العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :31
من الضيوف : 31
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31728955
عدد الزيارات اليوم : 4153
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


زكريا تامر والبنية الدائرية للمكان

أحمد عزيز الحسين
منذ مجموعته الأولى " صهيلُ الجوادِ الأبيض – 1960" و زكريَّا تامر يواصلُ بضراوة ووعيٍ مغامرة التجريب والحداثة في القصة القصيرة، والجاً بها آفاقاً قصيَّة لم يصل إليها كاتبٌ عربيٌّ من قبل، فاتحاً إيَّاها على أمداءَ سردية لم يبلغها إلا عددٌ ضئيلٌ من المبدعين، لا في الوطن العربي وحسب، بل في العالم الرحب كله، على حد تعبير البروفسور كمال أبوديب (1) .


والملحوظ أن جُلَّ الذين قاربوا تجربة زكريا تامر أقاموا نوعاً من المطابقة بين بنيته النصية والبنية الاجتماعية التي يوهم بها، وقرؤوا عناصر هذه البنية في ضوء علاقتها بالمرجع الخارجي، وفصلوا العنصر السردي عن بنيته التي يتعالق معها، ولم يقيموا اعتباراً لوجود النسق الذي هو استعمال نوعيٌّ للمادة، كما لم يُقيمُوا اعتباراً للاختيار الذي وقع على المادة المستقاة من الحياة، أو للتحوّل الذي تعرضت له هذه المادة، ولا لدورها البنائي، كما أنهم أغفلوا دور النسق في بناء النص السردي التامري، وأكثر ما يتبدى ذلك واضحاً في المطابقة بين زكريا وسارده، أو بين الشخص الواقعي والشخصية التخييلية، أو بين الزمان الفيزيائي والزمان السردي، أو بين المكان الواقعي والمكان القصصي، وهو ما تجسده كتابات محمد كامل الخطيب(2)  ونبيل سليمان وبوعلي ياسين(3) ومحمود عبدالواحد وناديا خوست بشكل خاص(4) . ومن الملحوظ أن الكتابات المشار إليها تتكئ على سوسيولوجيا النص ؛ فتقف على اختيارات زكريا تامر الدلالية، وتلاحق المظهر الدلالي للسرد في علاقته بسببية قصّه ؛ غير أنها تهمل المستوى اللغوي ( أو الخطابي) الذي تتجسد فيه استجابة القصة التامرية لسياقها الاجتماعي، وإن كانت كتابات نبيل سليمان تجاوزت هذا المطب فيما أنتجته من نقد بعدئذٍ .
إنه من البدهي أن نكرر القول : إن الشخصية عند زكريا عنصر حكائي مندغم في بنية سردية، وليست شخصاً واقعياً من لحم ودم ؛ ولذلك لا يجوز النظر إليها على أنها جوهر متكون تكوناً متكاملاً، بل ينبغي النظر إليها بوصفها عنصراً سرديّاً مشاركاً بوظيفة بنائية توهم بوظيفة مرجعية متحولة باستمرار.
لقد واجه النقد العربي الحديث، ولا سيما السوري منه، تجربة زكريا تامر بقراءة مغلقة حاصرت النص بحسب مواءمته للنص الأدبي الجاهز لديها، وحاورته وفق قيم قبْلية مغلقة لا ترى في الخطاب الأدبي إلا ذاتها ؛ ولهذا صعب عليه الإمساك ببنيته المفتوحة الملغزة إذا استعرنا مصطلحات الناقد المغربي سعيد يقطين (5)، وإن كانت هناك كتابات تجاوزت هذا المطب ومن بينها محاولات كتابات كمال أبوديب وخلدون الشمعة ورضوان ظاظا بشكل خاص.
تعيش شخصيات  زكريا تامر في " صهيل الجواد الأبيض - 1960 على أرصفة المدينة أو في أقبيتها، وتعاني من الجوع والتشرد والبطالة والكبت، وتحلم بالخبز و العمل والحب، تخرج من جحرها البشريw إلى فضاء المدينة، تتجول في أمكنتها المغلقة والمفتوحة، ثم تعود إلى قبوها مهزومة يائسة، وهي تشعر بأن العالم يجثم فوقها، وأنها ستظل مقصاة في قعر المدينة إلى أبد الدهر(6).
تنتقل هذه الشخصية من المكان المغلق إلى المكان المفتوح، ثم تعود بحركة دائرية إلى المكان الذي انطلقت منه . وتبدو حركة هذه الشخصية طافية في المكان ومحدودة، ومجال حركتها لا يتعدى القبو المظلم، أو المقهى المغلف بالصمت، أو الشارع المقفر، أو البستان الأخضر المصبوغ بلون الدم، أو البيت المغلف بالوحشة والجوع والكبت والتعصب .
ولا تقيم هذه الشخصية خلال حركتها، في الفضاء القصصي،علاقات إنسانية تنبئ باختراقها له، وهي تتقاطع في حركتها مع بعض الشخصيات مجهولة الاسم أو الهوية، ولكنها لا تقيم معها أية علاقة مثمرة، ولهذا لا تؤثر هذه الشخصية في مكانها بل تتأثر به، إنه مكانٍ معادٍ لها، تشعر نحوه بالدونية والتقزُّم، ولا ترى فيه سوى فسحة للكبت وقمع المشتهى والمرغوب، وهي تحاول اختراق حصاره لها فتخفق دائماً.  
 تبدو حركة الشخصية من ( الأدنى / القبو ) باتجاه (الأعلى / المكان الراقي) متوافقة مع رغبة الشخصية في الانفكاك من أسر المكان القامع والمعادي، والخلاص من حالة التهميش التي تعيشها، لكن المكان الجديد لا يوفر لها فرصة الأمن والطمأنينة والاستقرار، ولا يساعدها على التجذر في المكان بما يعنيه من احتضان رحمي وحماية، بل يشكل جداراً وعائقاً يمعنها من تحقيق ذاتها، ويجبرها على العودة إلى قبوها باستمرار(7)، ولهذا يبدو المكان في هذه القصص حيزاً للغربة والضياع والموت(8)، ويوصَفُ في بعض القصص بأنه مقبرة كبيرة تعيش فيه شخصية أشبه بـ" كومة لحم بائسة لا يستطيع مساعدتها أي إله "(9)، ويتحرك في فضائها قطيع من البشر كـ" كتلة لحم متموجة باللحم والحجر "(10). وفي مناخ قابض للنفس وقاسٍ كهذا تشعر الشخصية بأن بيتها ليس سوى " قبو له قبضة حجرية"، أو " علبة "(11)، وليس كوناً حميمياً بالمعنى الباشلاري لمفهوم المكان(12). 
يفقد المكان، في هذه المجموعة، دلالته المرجعية الحقيقية، ويكتسب وظيفة بنائية جديدة تنبئ بهيمنة المكان على الشخصية أو تهميشه لها، وترتدُّ الشخصية إلى داخلها خوفاً من سطوته وتنكمش وتتضاءل، فتلاحق القصة تقزُّمها أمامه وضياعها فيه، وعدم شعورها بالطمأنينة حتى عندما يحتضنها ؛ بما يعنيه ذلك من فقدان الأنا لذاتها أو رحمها المحتضن، وفقدان الإنسان لحياته، هذه الحياة التي يهددها الجوع وتلاشي المكان باستمرار .
تدل عودة الشخصية في خواتيم القصص، من الأعلى ( الحيز الراقي) إلى الأدنى (الحيز الشعبي )، على إخفاقها في اختراق ما لا ينبغي لها ولوجه، وعلى ارتدادها مقهورة إلى حيزها المفروض عليها، وعلى وجود تقاطب اجتماعي واضح في المجتمع التخييلي لقصص المجموعة . غير أن زكريا لا يحدد، إلا في القليل من القصص، القوة الكابحة لحركة شخصياته، المانعة إياها من تحقيق رغباتها، حتى لتبدو هزيمة هذه الشخصية وانكفاؤها على ذاتها، وتقوقعها في المكان نتاج قوة غير منظورة هي التي تمسك بخُنّاقها، وتحول بينها وبين تحقيق ذاتها على الوجه الأكمل.
والواقع أن شخصيات زكريا تتجول بحرية في قصص المجموعة من دون أن تلقى من يمنعها من الحركة في المكان، أو يصادر حريتها، أما في مجموعاته اللاحقة، ولاسيما " النمور في اليوم العاشر" ؛ فسوف تظهر قوة اجتماعية / سياسية تقبض عليها أينما كانت، وتحكم عليها بالموت أو السجن أو التعذيب، وسوف يسمي الكاتب هذه القوة بوضوح ومن دون مواربة .
* * * *
من الملاحظ أن الحوار الخارجي (الديالوج) يكاد ينعدم في هذه المجموعة ؛ إذ يحلُّ محله الحوار الداخلي ( المونولوج) الذي يشي بتقوقع الشخصية على عالمه الذاتي، وعجزها عن التواصل مع الآخرين ؛ ولذلك يتشكل الحلم بوصفه احتجاجاً على هذا الواقع، وخروجاً من الداخل المقهور على مواضعات العالم الفظة . وفي مثل هذا النوع من القصص يعتمد الكاتب على الأسلوب المباشر ؛ فيتيح للشخصية أن تتقدم بنطقها العفوي الحي بدلاً من أن يهيمن على حركتها السردية ومنطوقها اللغوي المتميز.
أما الإشارات الزمنية الدالة على تجدد الحياة، فتشي بالموت وتوقف الحركة، وانعدام الأمل، والوحشة، والقسوة، والتسلط على الشخصية، والوقوف ضدها ؛ ولهذا تكتسب دلالات نصية جديدة تفارق دلالتها المرجعية ( الموضوعية ) التي كانت لها ؛ ما يجعلها تهدر المرجع أو تدمِّره بدلاً من أن توهم به، ويدخلها إلى خانة " الزمن النفسي" . ومن أمثلة ذلك على سبيل المثال لا الحصر هذا المقطعُ المستلُّ من قصة (القبـو) : " الساعة مصلوبة على جدران المقهى، عقرباها معولان سيحطمان قرص الشمس الصفراء (. . . ) ، عقربا الساعة يتمطيان بضجر ( . . . )، عقربا الساعة يحفران قبراً للنهار، نهار هزيل بهجته ميتة، الضياء يشحب، ولون المساء الرمادي يزحف، وبعد قليل سيمتلك المدينة كلها، ويغدو سيِّدها الأسود (13) .
وقد يعمد الكاتب في بعض قصصه إلى وضع عناوين دالة على الموت وتوقف الحركة كعنوان" النهر ميت"، الذي يكاد يصادر فعل القراء وآلية التأويل .
كما يستثمر الكاتب الألوان كتقنية سردية في تشكيل الفضاء القصصي وبناء الدلالة، ولاسيما في الافتتاحيات السردية، فيجعل الأخضر للحلم والتفاؤل (14)، ويقصر الأحمر على العنف والظلم (15)، ويدل بالأسود والرمادي والأصفر الباهت على التفاؤل والأمل في المستقبل(16). ومن الملاحظ أن اللونين الأبيض والأخضر يتراجعان باستمرار أمام هيمنة الألوان الدالة على التشاؤم والغربة والضياع، وهو نزوع سردي ساعد على تشكيل فضاء قصصي مغلق له دلالة واحدة توحي بعدم التعدد والاختلاف . 
* المراجع والحواشي:
(1) راجع تقديم كمال أبوديب لمجموعة " سنضحك" رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، ط1، 1998 .
(2) انظر : الخطيب ( محمد كامل) : السهم والدائرة، دار الفارابي، بيروت، ط1 .
(3) انظر : سليمان ( نبيل ) و ( ياسين) بوعلي : الأدب والأيديولوجيا في سورية، دار ابن خلدون بيروت، ط1، 1974.
(4) انظر : خوست ( ناديا) : كتاب ومواقف، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ط1، 1983.
(5) انظر : يقطين ( سعيد ) : انفتاح النص الروائي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء- بيروت، ط1، 1989، ص ص 76- 84.
(6) انظر : تامر( زكريا) : صهيل الجواد الأبيض، مكتبة النوري، دمشق، ط2، 1978، ص29 .
(7) المرجع السابق نفسه، قصة رجل من دمشق، ص 73.
(8)  المرجع السابق نفسه، قصة الرجل الزنجي، ص 19.
(9) المرجع السابق نفسه، قصة القبو، ص 32.
(10) المرجع السابق نفسه، قصة القبو،  ص38.
(11) المرجع السابق نفسه، قصة القبو، ص 32.
(12) انظر : باشلار ( غاستون) : جماليات المكان، ترجمة : غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، ط4، 1996، ص53 .
(13) انظر : تامر( زكريا) : صهيل الجواد الأبيض، المرج السابق نفسه، ص27.
(14) انظر : تامر( زكريا) : صهيل الجواد الأبيض، ص 12و41.
(15) انظر : تامر( زكريا) : صهيل الجواد الأبيض، ص11.
(16) انظر : تامر( زكريا) : صهيل الجواد الأبيض ص27.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية