العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :51
من الضيوف : 51
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31809261
عدد الزيارات اليوم : 13815
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


زكريــا تامــر والقصــة القصيــرة جـــداً

عمران عزالدين أحمد
هل قراءة عمل أدبي واحد، أو قصة واحدة ـ مصادفة طبعاً ـ كافية لكي تدفعنا لشراء الأعمال الكاملة لذلك الكاتب، والتبحر تالياً، في تعقب أخباره، وتتبع مسيرته الإبداعية؟
والجواب... ربّما.


بل أكثر من ذلك، فقد يكون قراءة سطر واحد كفيلاً بتتبع مسيرة كاتب ما، من اللحظة التي شرع فيها بالكتابة، غبَّ إصداره أولى أعماله الأدبية، حتى تلك التي توقف فيها ـ لأي سبب من الأسباب ـ عن الكتابة. أكاد أُجزم، بأنَّ قراءة بيت من الشعر، كفيل أيضاً بقراءة أغلب الدواوين الشعرية لذلك الشاعر. عندما قرأتُ مثلاً هذا البيت للشابي إذا الشعب يوماً أراد الحياة / فلا بدّ أن يستجيبَ القدر.، كنتُ آنئذ طالباً ـ متحمساً ـ في المرحلة الإعدادية، قرّرتُ بعد ذلك أن أقرأ أعماله الكاملة، وكان ليّ ما أردتُ، وما عزمتُ عليه.
النمور في اليوم العاشر* قصة قصيرة للقاص السوري الكبير “زكريا تامر، قرأتها للمرة الأولى في صحيفة “تشرين السورية، ضمن سلسلة كتاب في جريدة، شدّتني تلك القصة بعوالمها الفارهة والمدهشة، وحبكتها الضاربة في القوة والغرائبية، الأمر الذي دفعني بعد ذلك لشراء ذلك الكتاب الموسوم بعنوان القصة ذاتها، وقراءته وتأمل أفكاره اللامألوفة. فوجئتُ وأنا أقرأ كتابه ذاك، بوجود باقة من قصص قصيرة جداً بين دفتيه، قصص مدهشة وأخاذة، لم يقدّم يوماً ما ـ حسب علمي وحسب المعلومات التي تحصلت عليها عنه فيما بعد ـ زكريا تامر نفسه للقراء، كقاص يكتب القصة القصيرة جداً، بل لم يعنون كتاباً له تحت هذا المسمى، وهو ما يطرح أكثر من سؤال: لماذا لم يقدّم زكريا تامر للقراء كتاباً تحت هذا المسمى؟ هل هو خوفه من عدم نجاح تجربته هذه، وعدم تقبل قرائه ـ الكثر ـ لتغيير نهجه القصصي ومساره الأدبي؟ هل هو عدم إيمانه بقص كهذا عموماً، أم أنّه سَئِمَ الدخول في معارك ونقاشات عقيمة، تشهدها الساحة الأدبية جهاراً نهاراً، بعدم شرعية أجناس أدبية، لحساب أخرى أكثر شرعية، ولها جذور ضاربة في الفلكلور والتراث، كما هو الحال مثلاً بالنسبة لقصيدة النثر قياساً على القصيدة العمودية؟ لكننا سنكتشف ونحن نقرأ له مجاميعه القصصية كماً كبيراً من هذه القصص، ما يعني أنّه رائد من رواد هذا القص من دون منازع، ولكن لماذا هذا الصمت والتوجس؟ فالقامات السامقة أمثال زكريا تامر هم من يُشَرعون جنساً أدبياً أو ينفونه، إذْ أنه يشكل بصمة هامة وعلامة فارقة في نقل السرد العربي من الرتابة والتقليدية إلى الحداثة الموظفة، بالاستفادة من النظريات الغربية فيما يخدم القصّ العربي عموماً وتوجهاته.
قرّرتُ بعد ذلك أن أشتري أعماله الكاملة، فتحصلتُ على بعضها، مثل صهيل الجواد الأبيض ـ نداء نوح ـ ربيع في الرماد ـ الرعد ـ دمشق الحرائق ـ الحصرم ـ تكسير ركب ـ سنضحك ـ هجاء القتيل لقاتله ـ القنفذ إضافة إلى النمور في اليوم العاشر معرض مقاربتنا.
الفصل الأول الموسوم بـــ الأعداء في هذا الكتاب العجيب كما وصفه محمد الماغوط في معرض تقديمه له على الغلاف، يحتوي على باقة من قصص قصيرة جداً، تتوافر فيها كلّ مقومات وشروط هذا القصّ الوليد، من: القصصية / الجرأة / وحدة الفكر والموضوع / التكثيف / خصوصية اللغة والاقتصاد / الانزياح / المفارقة / الترميز / الأنسنة / السخرية / البداية والقفلة /  التناص.
الوليد بالنسبة لنّا طبعاً، إذْ أصدرت ناتالي ساروت سنة 1932 كتاباً بعنوان إنفعالات احتوى بين دفتيه قصصاً قصيرة جداً، وكذلك فعل يوجين يونسكو في ومضاته و بورخيس و إيتالو كالفينو و جبران خليل جبران في كتابه المجنون.
وهذه القصص في الفصل الموسوم بـ الأعداءهي:
البداية ـ السماء المفقودة ـ الأسرى ـ الثأر ـ رجال ـ الخطر ـ الجنة ـ خطبة ـ وسام المنقذ ـ لماذا؟ ـ محو الفقراء ـ برنامج إذاعي ـ الأبناء ـ البطل ـ الحب ـ الجريمة ـ أولو الأمر ـ في سبيل وطن يسرّ السيّاح ـ أصفاد الموتى ـ الشموس والأقمار ـ الصغار يضحكون ـ الرشوة ـ التحقيق ـ الوصية ـ النهاية.
تسرد كلّ قصة من هذه القصص أحداثا وأفكارا مختلفة، تحيلنا في كلّ قراءة لها، إلى التساؤل عن جدوى مصائرنا، تُعرّي قتامة الواقع الأسود، وتفضح الفساد والمفسدين، تحرضنا على الثورة في وجه من اغتصبنا، وأغتصب منا وفينا بذرة الرجولة والكرامة.
اقرأ معي ما جاء في قصة بعنوان البداية:
نفخ الشرطي في صفارته، فبزغت تواً شمس الصباح، وأضاءت شوارع المدينة بنور أصفر كخشب مشنقة عجوز.
وعندئذ أفاق الناس من نومهم آسفين عابسي الوجوه.ص11  
وذلك في إشارة مهمة وصارخة إلى أنَّ الناس، أضحت تفضل نوماً كنوم سكان القبور، بعد أنْ أصبح كلّ شيء في حياتهم بالياً وعجوزاً، فالنوم وَحده هو الحدّ الفاصل بين البشاعة والسعادة والليل والنهار والتفاؤل والتشاؤم، لأنّه يمنحهم ـ ولو مؤقتاً ـ فرصة ثمينة لتناسي أو نسيان ما آلوا إليه، بعد أن تيبست أحلامهم وأمانيهم وطموحاتهم بفعل الأجهزة القمعية ـ الشرطي هنا رمز لها من دون أن تتحقق، فتدخل تلك الأجهزة القمعية، لم يعد يقتصر على حياة الناس فقط، بل امتدّ ليشمل أيضاً الظواهر الطبيعية صفارة الشرطي التي تأذن للشمس بالبزوغ.
هذه هي عوالم زكريا تامر القصصية المدهشة، إذْ أسطره المقتضبة المكثفة ههنا، تُغني عن قراءة مجاميع قصصية كاملة، وحتى مجلدات لا تغني ولا تسمن من جوع.
تتأتى أهمية قصص زكريا تامر كونها تتخذ من الواقع المعاش، مادة أولية وخاماً لها، وهي كما يرى بعض النقاد بأنَّ أسلوبه يميل فيها إلى الواقعية التعبيرية بينما يرى نقاد آخرون بأنَّه شاعر القصة القصيرة ، فكتبَ عن المسحوق والمقموع والمسكوت عنه، كما كتب عن ربّ العمل الجائر، والأب الفاشل، والزوجة الخائنة، والأم المناضلة، والمثقف والواعي والسكران والمخبر والقصاب والسّمان والموظف المرتشي والشريف أيضاً، أنْسَنَ الحيوان والجماد والنبات ببراعة فائقة قلّ نظيرها، فقد أنْسَنَ ـ على سبيل المثال وليس الحصرـ القطط والكلاب والخزانة والحائط والكرسي والشجرة والعصفور والوردة. كثيرة هي قصصه التي تُوكل البطولة فيها لحيوان مثلاً، كالقطة والعصفور والضفدع والفراشة والسمكة، ورغم أنَّ هذه التقنية في الكتابة ليست بجديدة، فقد سبق وأنْ استخدمها ابن المقفع ولافونتين وايسوب وأحمد شوقي وكثير سواهم، فإنَّ زكريا تامر اتكأ عليها بحرفية عالية، كان لها أثر كبير في إغناء قصصه، وربّما كانت القصة التالية دليلاً أو ما يشبه الدليل على تفرد هذا الرجل، بعوالم قصصية مدهشة، لا تقلّ البتة عن قصص أدباء كبار، نالوا حظاً من الشهرة، لم يتح الظرف الأيديولوجي، أو الفرصة التي تسوقها وسائل الإعلام لأحدهم، لتجعل من زكريا تامر اسماً لا يقل شأناً عن تشيخوف وبورخيس وخوليو كورتاثار وعزيز نيسين.
يقول زكريا تامر في قصة السماء المفقودة:
“حطّ عصفوران على غصن شجرة من الأشجار المنتصبة على جانبي أحد الشوارع، ولم يغرّدا مرحبِّين بشمس الصباح إنما تبادلا النظرات الوجلة الحائرة، وقال أحدهما للآخر: (أين نطير؟)
(سماؤنا احتلتها الطائرات).
(لم يبق لنا سوى سماء الأقفاص).
(سنفقد أجنحتنا).
(سننسى الغناء).
وحدَّق العصفوران إلى طائرة سوداء تعبر السماء بسرعة خاطفة ثم تبادلا النظرات الوجلة، وبدت لهما المدينة فماً شرهاً ذا أنياب، فابتلعا حبوباً مميتة، ثم سقطا ميتين على رصيف من اسمنت.ص12
فهذه القصة مثلاً تصور حياة الناس العصرية البائسة، في عالم تحكمه الأسلحة الفتاكة المجرثمة والنرجسية والأطماع الشخصية، وما العصفوران هنا إلا أناس افتقدوا للأمان، فهي إنْ شرّعت بالغناء، وعاشت حياتها، أو احتجت على ما تراه من تدمير ونهب وسرقة للأحلام، زُجَّ بها في الأقفاص، في إشارة إلى السجون والمعتقلات العصرية الكثيرة، التي لم يعدّ للأنظمة الحديثة من هاجس إلا إتقانها.
في فصل آخر من هذا الكتاب موسوم بـــ رندا يسرد زكريا تامر 39 قصة عن عوالم هذه الطفلة التي تسمى رندا في كلّ قصة من هذه القصص يسرد حكاية أو موقفا أو سؤالا تقوم بالإجابة عنه، بطلته الطفلة رندا طبعاً.
الملاحظ هنا أنَّ زكريا تامر يكتب عن عالم الطفولة، وكأنه طفل صغير، ولا غرابة في ذلك، إذْ له مؤلفات قصصية تندرج تحت مسمى قصص الأطفال ومنها مثلاً البيت ـ قالت الوردة للسنونو ـ لماذا سكت النهر. وههنا يكمن الإبداع، أعني أن تنسج أدباً ما، عن أيّ مرحلة عمرية كانت، وكأنكَ ما زلت حبيساً بها ومرهوناً لها، يمكن القول أيضاً أنَّ هذه القصص عن الطفلة رندا ويومياتها هي أيضاً قصص قصيرة جداً، لاحتوائها على كلّ الشروط والأركان التي جاء ذكرها في مقدمة المقال، طبعاً لا يمكن الإحاطة بكلّ هذه القصص ـ ربّما في معرض آخر أو مقاربة أخرى ـ هذه القصص غير معنونة، وكأني به يقدّم لنّا هنا نوعاً أدبياً جديداً، هو أقرب ما يكون إلى القصة المسلسلة، فهو يكتفي بعنوان واحد فقط، ويسرد بعد ذلك قصصه مُرَقَمةً، لم أقرأ لغيره تقنية أدبية من هذا النوع، وتكررت هذه التقنية في أكثر من كتاب له، في “النمور في اليوم العاشر وكذلك في كتابه “سنضحك أيضاً.
جاء في القصة المُرَقَمَة بــــ رقم ـ 9 ـ من فصل رندا ما يلي:
حملقت رندا إلى المرآة، ثم قالت لأمها متسائلة: (ماما من أين أتيتُ؟)
ففكرت الأم هنيهات ثم قالت ضاحكة: (اشترينا يوماً باقة ورد، فوجدناك فيها، وكنت وردة بيضاء صغيرة، ولما ارتويت من حليب ثدييّ تحولت بنتاً صغيرة ماكرة).
فضحكت رندا بمرح، وصممت على أن تشتري باقة ورد.
كلّ القصص الأخرى في هذا الكتاب، تسرد عوالم كهذه، ما يعني أنَّ زكريا تامر مجدّدٌ باستمرار، وهاجسه هذا لا يكمن في كتابة القصة فقط، بل امتدّ هذا الهاجس به إلى الولوج في حقول الحداثة والتجريب، وليس غريباً أنْ يفاجئنا هذا الرجل ـ إذا امتدّ به العمر، ونسأل له ذلك ـ باختراقات سردية تتمخض عنها عوالم فنون وأجناس أدبية أخرى، أكثر غرائبية، تصبّ في مصلحة الأدب ورفعته.
ـ المراجع:
ـ كتاب النمور في اليوم العاشر لــــــ زكريا تامر بيروت 1978
ـ كتاب “القصة القصيرة جداً لـــ أحمد جاسم الحسين ـ دار عكرمة 1997.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية