العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :57
من الضيوف : 57
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31808986
عدد الزيارات اليوم : 13540
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


زكريا تامر.. جمالية الخيال في قصص الطفولة

محمد قرانيا
تتميز شخصيات القصص على اختلاف أنواعها» بالوضوح« من جهة و(الجرأة) من جهة ثانية, وتتمتع بطبيعتها وخصائصها الذاتية,لكنها تبعاً لمتطلبات الخيال الفني- تحاول دائماً ان تتجاوز حدودها, فتتحرك في ذواتها رغبات يشحنها الكاتب بشحنات هائلة, ليتخذ منها رموزاً تحمل أفكاراً كبيرة, بغية الدخول في العوالم السحرية,


 حيث تتحول الشخصية الحيوانية او النباتية الى شخصية إنسانية تمتلك شيئاً من الخوارق, للتعبير عن واقع معيش ومتخيل في آن واحد, تمحى بينهما الحدود الفاصلة.
إن ما يرسمه زكريا تامر بريشته الحلمية في عمله الابداعي الموجه للطفولة يحاكي ظواهر متنوعة قد لا تعبر عن ظاهرة حقيقية معينة, بقدر ما تعبر عن صور تطغى فيها تشكيلات الخيال على غيرها, وكأن الكاتب فيها يتقمص شخصية طفل خصب المخيلة, ليجسد الخصائص التي يتميز بها الصغير في عملية التخيل, وهو بذلك يحدد المضمون الثقافي المناسب للأطفال, كما يحدد الشكل الذي يسكب فيه مادته الابداعية.
أولى زكريا تامر الخيال أهمية كبيرة, مندفعاً وراء ميل الطفولة الى المضمون الحكائي الذي ينطوي على موضوعات وشخصيات تستأثر باهتمامه, يتنقل بها من أمكنتها الجغرافية وزمنها الواقعي الى امكنة جديدة, وأزمنة حلمية, لذلك حرص الكاتب على أن تكون شخصياته المفضلة من الحيوانات الأليفة كالقط,والمؤذية كالفأرة, والمتوحشة كالثعلب والذئب, اضافة الى الشخصيات البشرية كالملك والمعلمة والأم,بوصفها شخصيات محببة, تحمل قدرات غير عادية, فضلاً عن تميزها بصفات جسدية أو حركية أو صوتية, جذابة وسهلة الإدراك, تلازم بيئة الطفل فيتأثر بها, لوقوعها في نطاق عالمه الواقعي والخيالي, وقد أجاد زكريا تامر توظيفها, فحين تكون الدمية أو القط أو الفأر بطلاً في قصته لابد أن يؤدي هدفاً قيمياً,يجسده وهو يحتفظ بشيء من سماته النوعية, فالدمية ذات عينين لهما شكل مميز و مسل, والفأر يتميز بخفة حركته, والقط بوداعته ووبره الناعم وزخم انطلاقة عندما يهجم على الفأر.‏
فقد أدرك الكاتب مدى ما يمثل(الوقع الصوتي) بين رموز التعبير عن المضمون, لذلك كثرت في مجموعاته القصصية أنغام التغريد, وأصوات الحيوانات من مواء ونهيق وصياح وصراخ رجال, وضحك حيوانات ,و بكاء أطفال,وظفها كلها بأسلوب فني للتعبير عن المعنى وخدمة الحدث, فالصوت عندما تستقبله حاسة السمع الطفلية يثير في نفسه صوراً ذهنية من شأنها أن تشارك في صنع الصورة التي تعبر عن الموقف أو الحالة, كما في حالة القط, في قصة أوامر الملك من مجموعة قالت الوردة للسنونو حيث يقبل أن يدخل في طاعة الملك ليظل طوال عمره يموء جائعاً.. ومواء القط الجائع تعبير عن الندم, وهو على الرغم من أنه يثير الشفقة في نفوس الاطفال إلا انه في حالة قبوله الخنوع والذل في كنف الملك لن يلقى سوى الامتعاض.‏
والتفت الكاتب الى الحركة بوصفها قانون الحياة المطلق, فالطفولة لعبٌ وبراءة, وعالم من الحيوية, التي جسدها كبار الكتاب في العالم في روائعهم الادبية. لذلك شغلت الحركة حيزاًواسعاً من القصة التامرية مراعية بذلك- بصورة عفوية- متطلبات الطفل, وخياله الوثاب, بوصف الحركة شيئاً من مستلزمات الطفولة,بل ما وجدت الطفولة إلا وجدت معها الحركة فإذا كانت عبارة افتح ياسمسم تشق باب المغارة وتضع الكنوز في متناول علي بابا, فإن عبارة زكريا تامر تستحضر امام القارىء الحركات والعواطف والالوان بكل غناها.. وبأسرع مما تفعلهافتح ياسمسم السحرية لأنه يتجاوز المتحركات العادية والطبيعية, الى حركات تعبيرية أوسع مدى, وأكثر تأثيراً في الطفل بغية الإدهاش والتركيز على هدف محدد, أو قيمة معينة. وذلك حين يضيف الى حركة الشخصية زركشات فنية ملونة تلعب دوراً هاماً في عملية التجسد الفني والإيصال, لأن النص الأدبي الذي تحليه الالوان أو الأضواء يثير في نفوس الصغار(ذكريات سابقة) هي بمنزلة الخبرات المكتسبة, (فيتخيلون) صوراً جديدة مركبة تثبت في وعيهم , ومن ثم يكون فهمهم أكثر دقة.‏
يستغل الكاتب خصائص اللون وإيحاءاته, فيعمد الى إضفاء اللون على الطبيعة والحيوانات بعفوية تامة كحلية تزيينية في السرد القصصي, من دون أن ينصرف الى تتبع سلوك شخصياته, ورصد تفاصيل حياتها, أو أطوار نموها, وواقع روابطها, وإنما يكتفي بالتقاط جزئية من خصوصياتها النوعية, ويقرنها باللون والهيئة, ويوظفها لتوضيح المشهد, فالطاووس في قصة مرآة للغراب والبومة يزهو بريشه الملون المنفوش الذي يشبه مهرجان سيرك, يجسد حالة التكبر والزهو; الصفة المميزة للطاووس, وهذا النمر.. جلده يشبه ارض ممر للمشاة في شارع و الفيل خرطومه كمدخنة من دون دخان و الغراب يصيح: انظري الى لوني الأسود. إنه ليل بلا نجوم  وقالت البوم انظر.. انظر.. ما أجمل عيني.‏
واهتمام الكاتب باللون حدا به لأن يجعل منه عنواناً لبعض قصص المجموعة, كالعشب الأخضر فحملت صفة الخضرة معناها الطبيعي من دون أي دلالة إيحائية أو ترميزية, فكانت في العنوان كما هي في الطبيعة, لكنها ما لبثت ان تحولت في السرد الى رمز فني, حين قررت الجياد عدم مغادرة أرضها الجرداء, وفضلت البقاء فيها على الرحيل عنها مقابل حريتها, ارتجفت الأرض فرحاً وفخراً, واكتسى سطحها بالعشب الاخضر.‏
يعد زكريا- في القصة الطفولية كسليمان العيسى في شعر الأطفال- أشهر أديب عربي دخل هذا الحقل بعد إنجازاته في الكتابة للكبار, وقد شاء أن يطرح اسئلته الصعبة حول قسوة العالم الذي يحيط بالصغار, وميزته أنه لم يشأ ان يكون مسلياً دائماً, وإنما أراد أيضاً ان يقترب بالطفولة من المواجع العربية, فيفرح الطفولة احياناً بالعصافير والدمى والقطط, ولكنه كثيراً ما يحزنها بواقع الأمة المرير. وغالباً ما يكثف موضوع القصة في لقطة مشهدية تعمل على إيصال مقولة محددة الى الطفل بأسلوب مرسوم بدقة بالغة, قوامه الاقتصاد في اللغة والوصف والصور, وقد يلجأ الى الحوار المكثف, مع الحرص على وحدة الحدث, ونادراً ما تدخل قصة فرعية في قلب القصة الأصلية, فتطرق غرضها مباشرة, من دون سرد تمهيدي في اغلب الاحيان, وقد تعمد الى الترميز الشفاف الذي يسهل على الصغير اقتناص معناه, بأسلوب شاعري متناه في البساطة والعذوبة, كالبداية التي استهل بها قصة الكسلى الزاخرة بالعاطفة الندية, مع انه اكثر الكتاب ابتعاداً عن الإنشاء الأدبي: لما اشرقت الشمس,حطت ثلاثة عصافير على حافة شباك مفتوح, ونظرت الى داخل الغرفة حيث (مها) البنت الصغيرة نائمة على السرير..ص2‏
والتكثيف والحوار والسرد والتسلسل المنطقي في سير الحدث الذي رسخه في الكتابة للكبار يغدو مطواعاً بيده للصغار ككاتب متمرس, فيجعل الصعب الممتنع سهلاً ميسوراً, فتلتقي بذلك موضوعات الصغار وموضوعات الراشدين, ويشترك اللونان في البناء النصي, ولايختلفان من حيث الأهداف العامة, فيقدمان التسلية والمتعة الجمالية, الى جانب كثير من القضايا التي يتبناها الكتاب كقضية الحرية, وعلاقات الانسان بأخيه الانسان, والصعوبات التي افرزها وجوده مع الطبيعة, سواء من حيث الصراع معها, او المحافظة عليها والسعي لإحيائها. وهنا يمكن القول إن جميع الموضوعات الاجتماعية والتربوية السياسية وغيرها يسلس له قيادها, والكاتب مغرم بهذه الموضوعات الكبيرة, فعندما يكتب للكبار نلمح في كتابته ابعاد الطفولة, وقد استطاع في قصة رندا ان يوجد لوناً جديداً في فن القصة القصيرة جداً يصلح للصغار وللراشدين على السواء, فنشرت القصة مسلسلة في مجلة اسامة, كما نشرت ضمن ملف قصص الكبار في مجلة الموقف الادبي , فوجد فيها كل من الصغير والكبير متعته, ومثل هذه الملامح الطفلية تتغلغل في كثير من قصصه التي كتبها للراشدين, والتي- غالباً- ما ينسج خيوطها المتعددة من الطفولة وعالمها الفطري البريء , ويصوغها في أداء موحد منغم, كقصة الصغار يضحكون من مجموعة النمور في يومها العاشر.‏
تتميز شخصيات القصص على اختلاف أنواعها (بالوضوح) من جهة و(الجرأة) من جهة ثانية, وتتمتع بطبيعتها وخصائصها الذاتية,لكنها تبعاً لمتطلبات الخيال الفني- تحاول دائماً ان تتجاوز حدودها, فتتحرك في ذواتها رغبات يشحنها الكاتب بشحنات هائلة, ليتخذ منها رموزاً تحمل أفكاراً كبيرة, بغية الدخول في العوالم السحرية, حيث تتحول الشخصية الحيوانية او النباتية الى شخصية إنسانية تمتلك شيئاً من الخوارق, للتعبير عن واقع معيش ومتخيل في آن واحد, تمحى بينهما الحدود الفاصلة. نظراً لما يتميز به الحيوان في الواقع والخيال من قدرة على الحركة والوثب والتنقل والطيران, على الرغم من معرفة الطفل بأن الحيوان لايتكلم ولايحاور ولايفكر كما يفكر الانسان, فلايمكن للغراب ان يكون طبيباً, ولا للبنت ان تكون سمكة, ومع ذلك فإنها في القصة تملك جاذبية إغرائية وقوة غرائبية, يتفاعل معها الصغير, فيفرح لفرحها, ويحزن لحزنها, ولاينبؤ به الخيال فيشعر بالتناقض بين واقعيتها وفنيتها.. لذلك كان الخيال ايجابياً يتوافق مع ما تشير اليه دراسات علماء نفس الطفل والتربويين,وغدا عند زكريا تامر جزءاً من فن الكتابة للاطفال, أو هو محفز داخلي يستخدمه لإيصال قصصه الى الصغار.‏
ان الشخصية لدى زكريا تامر غير عادية, لأنها منسوجة بخصوصية ايقاعية قريبة الروح من شخصيات الحكاية الشعبية, او قل من روح (كليلة ودمنة), وإن من الثوابت لديه الانتحاء الى الحكائية التراثية والشعبية ذات النكهة اللطيفة. لذلك كانت الشخصية متغيرة متبدلة من قصة الى اخرى, فالقط والفأر والوردة والعصفور تتغير أدوارها تبعاً للدور المناط بها, وقد يتجاوز الحيوان الرمز الفني ليغدو وسيلة للتعبير عن رغبات نفسية في واقع جديد, فيه سمات المكان الحقيقي والمكان الخيالي الوهمي, وهو بهذه المزية يقترب كثيراً من القصص الطفلية العالمية. إذ يراعي المستويين الفني والتربوي في سن معينة يمكن حصرها بين العاشرة والسادسة عشرة, حيث تنبعث الحياة في كل ما يلمسه الطفل, او تقع عليه عينه, أو يسمع به ويتخيله من الشخصيات المنقولة عن نماذج بشرية, يختفي فيها الحد الفاصل بين الخيال والواقع, وتغدو الحالة الخيالية السحرية من المسلمات الطبيعية, وبصورة أوضح, ويظل الحد بين الواقع والخيال, كالحد الذي نلمسه في الطائرة الورقية يطير جسمها في الفضاءات, لكنه يظل مشدوداً بيد الطفل الى الارض بخيط.‏
وفي المحصلة; كان زكريا تامر في قصصه طفلاً واعياً بريئاً, والكتابة الجيدة للطفل لا تحتاج من الكاتب الموهوب إلا ان يحسن الإصغاء الى صوت الطفل القابع في داخله.. يرى بعينيه ويسمع بأذنيه, ويفكر بعقل موصول بحواسه, ثم يكتب بعد ذلك أبسط تجاربه, ولعل هذا بالتحديد هو ما فعله زكريا تامر.‏



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية