العدد (4505) الخميس 12/09/2019 (مصطفى جواد 50 عاماً على الرحيل)       اللغوي الخالد مصطفى جواد..شرّع قوانين اللغة والنحو وصحح اللسان من أخطاء شائعة       قراءة في بعض تراث الدكتور مصطفى جواد       مصطفى جواد .. شهادات       مصطفى جواد وتسييس اللغة       مصطفى جواد البعيد عن السياسة .. القريب من العلم والعلماء       من وحي الذكريات.. في بيت الدكتور مصطفى جواد       طرائف من حياته..مصطفى جواد بين الملك فيصل الثاني وعبد الكريم قاسم       العدد(4504) الاثنين 09/09/2019       تسمية كربلاء واصلها    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :41
من الضيوف : 41
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27283185
عدد الزيارات اليوم : 10919
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » الحريات اولا


عهد الثورات الشعبية من أجل الديمقراطية

 ضياء الشكرجي
في تاريخ الشعوب هناك عقود من عمرها تُعَدّ عقود الانعطافات والتحولات  المصيرية. فبالنسبة للمنطقة العربية إن عقدي الخمسينات والستينات من القرن  السابق على سبيل المثال كانا قد مثلا عهد الانقلابات العسكرية، كما حصل في  مصر وسوريا والعراق واليمن وليبيا.


 واليوم تشهد المنطقة العربية وعموم المنطقة ذات الأكثرية المسلمة مخاضات ولادة جديدة، من شأنها أن تجعل من عقدنا الحالي، أي العقد الثاني من الألفية الثالثة، عهدا للثورات الشعبية من أجل إسقاط النظم الديكتاتورية والمباشرة أخيرا بإجراء التحول الديمقراطي، ولعله بما يشبه عقد التسعينات بالنسبة لدول أوربا الشرقية، أو ما كانت تعرف بدول المعسكر الاشتراكي، حيث كان ذلك العقد عقد الثورات الشعبية التي أطاحت بتلك الأنظمة الديكتاتورية، لتنطلق عملية التحول الديمقراطي في ذلك الجزء من العالم بعد نظم شمولية دامت ما بين أربعين إلى سبعين سنة.
نعم فاليوم تشهد المنطقة العربية والمنطقة ذات الأكثرية المسلمة ثورات، ومخاضات ولادات ثورية، بدأت في تونس، حيث أشعل فتيلها البطل محمد البوعزيزي، عندما أحرق جسده من أجل أن يضيء زيته المحترق درب الثورات الشعبية من أجل الديمقراطية. ثم سرعان ما جاءت ثورة مصر العظيمة بأيامها الثمانية عشر، والتي ختمت بإسقاط الديكتاتور، وقبلهما بسنتين كانت إيران التي قمعت ثورتها الشعبية العظيمة، والتي انبعثت اليوم الروح فيها مجددا لتعيش حراكا ثوريا ضد ديكتاتورية ولاية الفقيه، التي لا يعاني منها شعب إيران وحده، بل تنعكس بسيئاتها على عموم المنطقة، والعراق أول من يعاني منها، وكذلك لبنان وغيرهما. وتعاقبت الثورات أو لا أقل الحراكات الثورية الشعبية في اليمن، وليبيا، والبحرين، كما وهناك حراك في الجزائر، والأردن والمغرب، ناهيك عما يجري في العراق، والخامس والعشرون من الشهر الجاري أوشك قريبا، ونشهد منذ مدة مقدماته في عموم محافظات العراق، مع فارق أن الاحتجاجات الشعبية العراقية لا تهدف الى إسقاط نظام ديكتاتوري، بل تريد إصلاح نظام بوعاء ديمقراطي بمضامين لا ديمقراطية، إذ إن ديمقراطيته ديمقراطية عرجاء، ومصابة بشتى العاهات، كالفساد وسرقة المال العام، وتأسيس إمارات الأسر والأحزاب الغارقة في المليارات، وغياب الخدمات، وتردي الحالة المعيشية، والطائفية السياسية، والمحاصصة الطائفية والعرقية والحزبية.
وعلى ذكر مصر، فإنني لأرى ذلك اليوم الذي ستكون مصر في موقع الريادة للعالم العربي مرة ثانية، فقد تبوأت مصر موقع الريادة فيما قد لم نعد نرى الكثير من مفرداته إيجابيا بالضرورة، ألا هو ريادتها للتيار العروبي، ولموجة الانقلابات العسكرية، وقيادة الصراع العربي الإسرائيلي، لكنها وتكفيرا عن الوجه السلبي لتلك الريادة، ستكون هذه المرة كما يبدو رائدة التحول الديمقراطي في المنطقة، وليس مستبعدا أن تقطع مصر أشواطا أسرع بكثير، وتنجز خطوات أنضج بكثير، مما حصل في العراق على طريق التحول الديمقراطي، ولعل في ذلك ثمة فائدة لنراجع أنفسنا في وهم أنا غدونا الواحة الديمقراطية وسط صحراء الديكتاتوريات أو اللاديمقراطيات.
أما لو انتصر أحرار إيران في الإطاحة بواحدة من أمقت الديكتاتوريات ألا وهي ديكتاتورية ولاية الفقيه، فإن ذلك سيكون في صالح التحول الديمقراطي والاستقرار في عموم المنطقة، لاسيما في الدول العربية، وفي مقدمتها العراق.
ولكن للتحول الديمقراطي شروطه. وكثيرا من تلك الشروط قد التزمت بها ثورة (25 يناير - 11 فبراير) في مصر، ومن هذه الشروط الابتعاد عن ثقافة عبادة وتأليه الفرد، والتعويل على الجماهير، لاسيما الشباب، فلم يكن هناك قائد بكاريزما تسحر الجماهير، علاوة على الحضور الواضح للمرأة المصرية، أو للشابات المصريات. كما كانت ظاهرة المصالحة بل والتضامن بين الجيش والجماهير، وكان هناك الابتعاد عن تسييس الدين، وعما يسمى بمشاريع أسلمة المجتمع تحت شعار (الإسلام هو الحل)، أو ما يشبه الانبعاث الجديد لما سمي في الثمانينات بالصحوة الإسلامية، فالفصل بين الدين والدولة هو من أهم ركائز النظام الديمقراطي. وقد كانت حتى الآن المخاوف مما يعقب إسقاط الديكتاتوريات تكمن في كون هذه الشعوب تقف بين نارين، نار ديكتاتورية قائمة، ونار هيمنة ممكنة لقوى الإسلام السياسي بامتطاء الموجة الديمقراطية إلى هدف أسلمة المجتمع غير المعلن هذه المرة، هذه القوى، أي قوى الإسلام السياسي، التي لا يتحلى معظم عناصرها بما يمكن تسميته بثقافة الحرية. ويتجلى غياب ثقافة الحرية لدى إسلاميي العراق على سبيل المثال، بشطحات ألسنة عند المسؤولين الإسلاميين، كتلك المقولة التي اشتهرت عن رئيس الوزراء بقوله: «هو يكدر واحد ياخذها حتى ننطيها بعد»، وقول آخر له بأن العملية السياسية تنهار برمتها إذا ما أعادت المحكمة الاتحادية النظر في قرارها بجواز ربط الهيئات المستقلة بمجلس الوزراء، والتصريح الأخير لوزير التعليم العالي بوصفه للمخاوف من اعتماد الفصل بين الجنسين في الجامعات بكونها «إشاعات قذرة»، وهذه لغة حكام النظم الشمولية، فبدلا من تصحيح سوء الفهم، على فرض وجود سوء فهم، ذلك الذي من جراءه انبعثت المخاوف من هكذا إجراءات، لاسيما إن هذه المخاوف لم تأت من فراغ، بل كانت بسبب زيارة الوزير الدعوي الجديد لمراجع النجف فور تسنّمه مهمته الوزارية الجديدة، وسمع الجميع كيف دعا أحد المراجع إلى وضع حد للاختلاط المؤدي إلى الميوعة، فما كان من الوزير إلا أن يتعهد بالالتزام بتعليمات المراجع العظام. بل وكانت هناك إجراءات في بعض الجامعات تشير إلى المباشرة بتفعيل قرار الفصل. فنحن حتى مع حسن الظن بالوزير، بأنه لم يكن في ذهنه العمل بـ(تكليفه الشرعي) في طاعة المرجعية في فتوى، أو لنقل دعوة أو ترجيح أو نصيحة الفصل بين الجنسين، حتى لو كان أمرها إرشاديا وليس ولائيا، لا نتوقع من وزير أن يصف من يعبر عن مخاوفه بـ(القذارة)، فما هكذا يتعامل المسؤولون في نظام ينبغي له أن يكون ديمقراطيا مع أبناء شعبه بكيل الشتائم لكل من يخالفهم وينتقدهم، فهذه لغة مستبدي النظم الشمولية يا معالي الوزير. والمالكي هو صاحب مقولة أن من البديهيات أن يكون رئيس الوزراء في العراق شيعيا، والجعفري هو الذي يصف نفسه بالشيعي عندما تكلم مرة مبديا تفهمه لمخاوف الكرد، فعقب أن لكل مكون مخاوفه، ثم قال: «فـ(نحن) في محافظات الجنوب أيضا لنا مخاوفنا»، بمعنى «و(نحن) الشيعة أيضا لنا مخاوفنا»، بدلا من أن يقول أن أبناء محافظات الجنوب لهم مخاوفهم، ولا يقول «نحن»، لاسيما إنه رئيس ما يسمى بـ(تيار الإصلاح الوطني)، ولا ينبغي أن يطرح نفسه بوصفه شخصية قيادية شيعية.
فإن ما يهدد المشروع الديمقراطي في العراق وفي عموم المنطقة هو الطائفية، والإسلام السياسي، والفساد المالي والإداري – والعراق في طليعة البلدان المبتلاة بالفساد –، والميليشيات، وتسييس القوات المسلحة العسكرية منها والأمنية، وتحويل السياسة إلى أقصر طريق لتحول السياسي إلى صاحب مليارات، بعصا سحرية استنسخها فرعون من موسى، ليسخرها لمآربه.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية