العدد (4086) الاربعاء 13/12/2017 (تيـد هيوز)       على هامش "رسائل عيد الميلاد" تيد هيوز والتكفير عن طريق الكلمات       تيد هيوز... الشاعر أم الوحش؟       بعد الطيران الاول       تيد هيوز وكيف تكون كاتبًا؟       تيد هيوز.. كرة قدم       تيد هيوز.. كرة قدم       تيد هيوز شاعر من القرن العشرين       وفقاً لرسائل كانت مجهولة حتى الآن.. تيد هيوز أساء معاملة سيلفيا بلاث       تيد هيوز .. آخر حاملي أختام لغة شكسبير    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :40
من الضيوف : 40
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 18790429
عدد الزيارات اليوم : 9992
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


ملحمـة الإخفـاق البطولي.. قراءة في رواية "مقامات اسماعيل الذبيح" لـ عبد الخالق الركابي

د. شجاع العاني
الرواية  الحديثة، عمل خيالي نثري، على عكس الملحمة القديمة التي صيغت شعراً، على أن  بعضاً من الروايات الحديثة ترتقي من حيث موضوعاتها وشخصياتها الى مرتبة  الملحمة القديمة، فقد عُدَّ تولستوي هومير العصر الحديث، وعدت روايته  «الحرب والسلام"ملحمة العصر الحديث.


ورواية الركابي «مقامات اسماعيل الذبيح"تخلو من ذكر الآلهة، وتفتقر الى الإبتهال الى هذه الآلهة، الذي يلي المقدمة في الملحمة، إلا أن موضوعها الحربي وامتدادها الزمني لقرن ونيف، وشخصية اسماعيل شبه الأسطورية، وامتدادها المكاني بامتداد المشرق العربي، كل ذلك يجعل منها ملحمة نثرية تصور نضال أمة مغدورة من أجل استقلالها وكرامتها.
أقول ذلك بالرغم من أن شخصية البطل لم تكتمل اسطرتها، ولم يصورها الروائي من خلال الفعل، بل عمد الى وصفها بالأسطورية من خلال بيانات وتصريحات الراوي في أكثر من مكان، كقولهِ أَن الرواة، على مدى عقود من الزمن، كانوا يحيطون اسم اسماعيل «بهالة أسطورية ص 15» وقوله وهو يصف تأثير لقائه بإسماعيل: «كأن حضوره بدد تلك الهالة الأسطورية ص 107».

ومع ذلك، فان هذه الرواية ترقى الى مصاف الملحمة، إذ الرواية تأكيد لإحلال الخبرة الفردية محل تقاليد المجموع، وهي تصور مصائر الفرد البشري، وان في إطار المجتمع الذي يعيش ضمنه، وهي أي الرواية ترقى الى مرتبة الملحمة عندما لا تنعكس في مضمونها مصائر انسانية فحسب، بل ومصائر شعبية مرتبطة بأحداث ذات مغزى تأريخي عالمي(1).
وقد اجتمعت هذه الخصائص في رواية «مقامات اسماعيل الذبيح"لتجعل منها ملحمة الإخفاق البطولي العربي، لأنها تصور مصائر نضال أمة بأكملها لأكثر من قرن من الزمن، انتهى الى ما انتهى اليه من إخفاق وانكسارات لا تزال ماثلة حتى يومنا هذا.
وقد وثق الكاتب أحداث روايته بالإستناد الى مراجع كثيرة ذكرها في آخر الرواية، وكان هذا الأمر قد دفع ناقداً هو الأستاذ فاضل ثامر الى تناول موضوعتي التاريخ والتخييل وصراعهما في الرواية، قائلاً:- الرواية ثمرة مكتبة «تأريخية كبيرة، وليست مجرد نسج تخييلي افتراضي، ابتكره الروائي»(2)
على أن ما يحسب للروائي قدرته على أن ينقذ التخييل من السقوط في فخ التاريخ أو ينزلق إليه، برغم أن بعض مقامات الرواية، كالمقامة الشامية والمقامة الفلسطينية تعاني من ثقل التاريخ، ولم تستطع قصص الحب التي ابتكرها المؤلف ان تنقذها بالكامل، وان خففت كثيراً من هذا الثقل.
نمط روائي جديد
يعد هذا النمط من السرد الروائي جديداً على الرواية العربية، فلم تشهد هذه الرواية - كما نعلم - عبر تاريخها رواية عربية ذات امتداد عربي يشمل الأقطار العربية كلها أو معظمها، وإن صدرت بعض الروايات التي صورت إقليماً عربياً كما في رواية «حب في بلاد الشام"لنادية خوست التي تدور أحداثها في أقطار بلاد الشام المعروفة قبل أن يجزئها المحتل الأجنبي.
أما عنوان الرواية فقد استنبطه الروائي من شكل الرواية حيث استخدم شكل المقامة العربية الموروثة، بديلاً عن الفصول، مع تخليه عن السجع، ومن المضمون حيث الآية القرآنية التي تشير الى حلم ابراهيم أو رؤياه، واستسلام اسماعيل لمشيئة أبيه. وقد اشتق كامل الأطرش عنواناً لسلسلة من المقالات أطلق عليها عنوان «مقامات اسماعيل الذبيح"واذا كنت آخذاً على الروائي عدم أسطرة شخصية اسماعيل بشكل وافٍ ومن خلال الفعل لا من خلال تصريحات وبيانات الرواة، فانني آخذ وأُدهش من اقدام كامل الاطرش وهو النهضوي العروبي صاحب جريدة (اليقظة) المبشرة بهذه النهضة، أن يصدر عنه قول يصور اسماعيل بأنه قربان قدمه والده «شأن آلاف الآباء الذين قدموا أبناءهم أضاحي مجانية في حرب لم يكن لهم فيها ناقة ولا جمل؟» ثم يضيف «بلى... لم لا يكون هو الذي تخلى عنك يا اسماعيل... الذبيح؟ ص 396»
ويأتي قول الأطرش في سياق الجدل الدائر حول شخصية المقصود في الآية القرآنية، ففي حين يرى الأطرش والمسلمون من حوله أن المقصود اسماعيل، يرى رسام الكاريكاتير المسيحي في الصحيفة، أن الذبيح المقصود هو اسحق وليس اسماعيل. دون أن يتطرق النقاش الى التحول المهم من القرابين البشرية التي لا يسكت غضب الإله يهوه إلا هي، وانتقالها مع الديانة الجديدة الى القرابين الحيوانية اذ حلّ «التيس بديلاً عن يوسف والجماعة، حيث تمّ استبدال الضحية الأصلية/ يوسف بأخرى»(3).
كما اننا لا نجد مسوغاً لوصف الأطرش لإسماعيل بأنه أضحية مجانية، وأن أباه تخلى عنه شأن آباء كثيرين وهو الذي يكتب سلسلة مقامات باسمه منوهاً ببطولاته وشجاعته في مقارعة الخصوم. البريطانيين أولاً ثم الأتراك، فالمحتلين الغربيين فيما بعد، في كل من فلسطين وسوريا.
والكاتب يؤسس لبطولة اسماعيل، فهي في البدء كانت بطولة رياضية، ثم تحولت هذه البطولة من الرياضة (الزورخانة) الى بطولة وطنية وقومية، حين يتطوع للدفاع عن البصرة عند احتلال البريطانيين لها ويُؤسر خلال المعارك في (الشعيبة) ويقاد الى معسكرات الأسر في الهند، ويتحول الى قتال الأتراك العثمانيين عندما يرى صديقه جابر ينحر على يد الأتراك، ويشارك في الثورة السورية، ثم ينتهي به المطاف في القدس ويتزوج من فاطمة أخت زميله المقاتل رمزي الخالدي، وقد اكتسب اسماعيل شعبية كبيرة يعللها الكاتب بالإذلال الذي لقيه هذا الشعب على أيدي المحتلين، الذي جعله يبحث عن البطل المخلص والذي يراه في كل شكل من أشكال البطولة. واسماعيل لا يعود مجرد فرد في الرواية وانما هو رمز للأمة وقضيتها المركزية قضية فلسطين!
* * *
البناء الفني
برغم أن هذه الرواية مختلفة عن روايات الكاتب الأخرى من حيث الإمتداد في الزمان والمكان، إلا أنها تخضع لثوابت قارة في أدب الكاتب، وأبرز هذه الثوابت:
1- الشفاهية والكتابية: إذ تروى الأحداث في كل روايات الكاتب تقريباً، رواية شفاهية، عن طريق راوٍ أو عدة رواة شفاهيين، ثم يتهيأ الروائي الكاتب الذي يقوم بتدوين هذه الأحداث.
2- التوازي في بناء الأحداث: إذ يتم سرد الأحداث من الماضي القريب أو الحاضر بالتقابل أو التوازي مع أحداث من الماضي البعيد.
ولقد أصبحت هذه الثوابت بمثابة القالب الفني لمعظم روايات الكاتب أو كلها. والرواية التي بين أيدينا تخضع هي أيضاً لهذه الثوابت، إذ يقوم أكثر من راوٍ برواية سيرة (اسماعيل) بطل الزورخانة. ثم المقاتل ضد البريطانيين في البصرة، ثم المقاتل مع البريطانيين ضد العثمانين بعد مقتل صاحبه جابر على أيدي الأتراك، ثم نضاله القومي ضد المحتلين في سوريا وفلسطين.
إن الراوي الذي يستهل رواية الأحداث من لحظة انموذجية، هي لحظة النكسة عام 1967، حين يقابل اسماعيل في علوة الجلبي في سوق الشورجة هذا الراوي يخبرنا بانه طلب الى مريم إبنه اسماعيل التي كانت تروي له ما جرى لأبيها منذ تسلله من غوطة دمشق بعد إخفاق ثورة سوريا عام 1927 - الى جبل الدروز ثم الى القدس، طلب إليها، أن تروي له الأحداث كيفما اتفق، وأن تترك مهمة تنسيقها له، أي للراوي الأول في الرواية.
يقول الراوي «كنت أسارع الى طمأنتها طالباً منها أن تترك لي مهمة تنسيق تلك الأحداث بالصيغة التي تتطلبها كتابة رواية ستسهم في بنائها أصوات رواة عديدين ص 484».
ثم يضيف: «وهكذا كان لابد لي أن أبدأ روايتي بالعودة ستة وثلاثين عاماً الى الوراء لا نطلق بأحداثها من لحظة لقائي اسماعيل الذبيح في علوة الجلبي عقب أيام من نكسة حزيران 484».
نحن بازاء نص في الرواية ينتمي الى وظيفة من وظائف الراوي تدعى بالوظيفة الإدارية، إذ في سرد رواية الميتافكشن، التي أسميتها في وقت مبكر بالرواية التي تتأمل ذاتها - وهو مصطلح في النقد الغربي - ينبغي أن يقدم الراوي الى جانب سرده للأحداث سرداً آخر أو خطاباً يعقب فيه على سرده، مبيناً فيه كيفية بنائه للأحداث وتمفصلات هذا البناء، وقد قدم راوي «مقامات"خطاباً مبثوثاً في أكثر من مكان في الرواية ولكنه يكاد يقتصر على ناحية أو جانب واحد من البناء، هو متابعة الراوي الأول لرواة عديدين بدءاً بالملا شاكر الذي كان يسرد الأحداث في بيت الراوي كل ليلة.
كما نضع أيدينا على مسألتين، احداهما أن كتابة الرواية تعود زمنياً الى عام 2003، وأن الروائي أراد كتابة رواية متعددة الأصوات! لكن قارئ الرواية، لا يعثر في الرواية على مثل هذه التعددية، بل يجد أسلوباً واحداً في كل مقامات وفصول الرواية، هو أسلوب الكاتب الذي يجسده الراوي الأول، الذي يقوم بصياغة كل روايات الساردين للأحداث، وهو يقول في ذلك: «وهي حكاية لم أحسب حينذاك أنها ستغدو، بتعاقب الأعوام، بلا نهاية، إذ بقيت تنمو، وتتفرع، وتتشعب بحسب الصيغ التي أتلقاها من رواتها لأصل بها بدوري الى هذه الصيغة التي أحاول ترويضها بين دفتي كتاب، كأنني أطمح الى أن أضفي ختمي الشخصي على ما بقي ملكاً مشاعاً للجميع ص 38».
والحقيقة ان الراوي الكتابي هذا، جار على أصوات الرواة الشفاهيين بينما لا نسمع في الرواية أصواتهم إلا من خلال صوته هو، دون أن يكون لأصواتهم هذه نبرة خاصة بهم.
وفي هذه الأصوات تتردد مؤثرات واضحة من القص العربي القديم وخاصة من ألف ليلة وليلة، إذ برغم أن الرواة هم من الذكور، فان صورة شهرزاد في الليالي واضحة في سرد الرواية، إذ يقول الراوي في أول مساء يسرد فيه الملا شاكر بعضاً من الحكاية: «ختم الملا شاكر حكايته بإطفاء سيكارته معلناً بذلك انتهاء جلسة ذلك المساء ص 37، وفي هذه العبارة تتردد عبارة الراوي في الليالي: ولما جاء الصباح سكتت شهرزاد عن الكلام المباح!
على أن للموروث العربي القديم وخاصة قصص ألف ليلة وليلة، تأثيراً من نوع آخر كامنٌ في تعدد الرواة وتنوعهم، فثمة راو أول بضمير المتكلم هو الذات الثانية للمؤلف، يشرع دائماً في افتتاح السرد في فصول الرواية، ثم لا يلبث أن يسلمنا الى رواة آخرين كالملا شاكر أو يحيى القبنجي أو الحاج ذياب رؤوف أو غيرهم ممن عرف وعايش اسماعيل. وقد يتحول الراوي الثاني من ضمير المتكلم الى ضمير الغائب في أية لحظة أو يعود منه الى ضمير المتكلم وعلى سبيل المثال، فالراوي الأول يتصدر السرد في المقامة الشامية قائلاً «لم يتم الذهاب الى بلاد الشام بالطريقة التي كان الدرويش يوسف ينوي أن يحدثني عنها ص 353"ثم يتسلم الدرويش يوسف السرد «على تلك الوتيرة مضى الدرويش يوسف يحدثني عما جرى له مع اسماعيل، ثم نعود الى الراوي الأول ليسلمنا الى رواية الحاج ذياب رؤوف منقولة وبضمير الغائب، ففي اللحظة التي غادر فيها العربة قرب الفندق القائم قبالة المدرج الروماني فوجئوا ص 356"ثم يشارك راو كلي العلم رواية الحدث رواية موضوعية وبضمير الغيبة، وهكذا يتنوع الراوي وتتنوع الضمائر، ويتنوع السرد بين سرد ذاتي تارة وموضوعي تارة أخرى.
ان هذا التنوع ليذكرنا بسرد الليالي والساردين فيه، فثمة راو غير معلن أو ممسرح تتلقى منه شهرزاد المعلومات والأخبار عن طريق الأذن «بلغني أيها الملك السعيد"فتصبح هي راوية الأحداث، وما أن نصل الى إحدى الشخصيات المشاركة في صنع الأحداث، حتى تتسلم هذهِ الشخصيات أو بعضها رواية الأحداث رواية ذاتية، وهكذا دواليك.
وبما أنني أتحدث هنا عن السارد، أود أن أشير الى ما يبدو أنه فرق واضح في قول السارد الأول «...التي كان ينوي الدرويش يوسف أن يحدثني» فالرؤية الداخلية هذه لا تتأتى إلا من راوٍ كلي العلم، شبيه بالاله، أما المعلن فليس لديه مثل هذه الصلاحية.
وأنا أقول ذلك بتحفظ إذ لا أدري إذا ما كان الراوي سيلتفت لاحقاً ليسوغ هذه الرؤية الداخلية، بأن يخبره الدرويش يوسف بنواياه فيما بعد، لكني سارعت الى ذكر هذا الخرق، ذلك أن يحيى القبنجي الذي يروي فصول المقامة الحجازية يرويها من الداخل، كقوله: «بقي اسماعيل يهذي بذلك الكلام على امتداد ليلة مؤرقة ص 64»
أو قوله الدال على مدى حاجة الناس الى البطل المخلص: «واكتشف اسماعيل مذهولاً مقدار تعطش الناس الى وجود بطل مثله يستعيضون بانتصاراته عن إذلالهم اليومي على أيدي المحتلين ص 80» وربما وجدت اشارة سريعة في بداية الفصل تسوغ هذا الإقتحام لداخل الشخصية، لكن مع سرود طويلة كهذه ينبغي تكرار الفعل المسوغ كأن يذكر القبنجي أن اسماعيل نفسه أخبره بذلك، في أكثر من موضع من السرد وبأكثر من طريقة.
لقد تحدثنا عن أحد الثوابت القارة في قص الروائي عبد الخالق الركابي، أما الثابت الشكلي الثاني فهو، نسق التوازي في بناء الأحداث. ونعني به التوازي الزمني بين الحاضر والماضي القريب والماضي البعيد، فنحن ما أن نكمل قراءة فصل تتم أحداثه في الحاضر، حتى ننتقل الى فصل تتم أحداثه في الماضي البعيد، فالفصل الأول عن «علوة الجلبي"تليها المقامة العثمانية التي تتحدث عن الإحتلال العثماني الذي استمر حتى عام 1917 الذي شهد دخول القوات البريطانية الى بغداد، وماترويه (مريم) في الحاضر ص 105 تعقبه المقامة العراقية 125 التي تتحدث عن الحرب العالمية الأولى، والفصل عن (حرب أخرى) وهي الحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج أو حرب تحرير الكويت تعقبها (المقامة الحجازية) التي تدور أحداثها أيام الثورة العربية الكبرى. وهكذا يقابل الماضي البعيد الحاضر أو الماضي القريب.
أما فيما يخص تأثير (فن المقامة) العربي القديم، على الرواية، فنحن نجده يكاد يقتصر على العنوان فقط، إذ لا علاقة بين فصول الرواية التي أطلق عليها المؤلف مصطلح (مقامة) وبين فن المقامة في التراث العربي.
لقد كانت الرواية تتكون من عشر مقامات بالإضافة الى مقتطفات من أرشيف اسماعيل الذبيح، إلا أن المؤلف اختزلها في الطبعة الأخيرة الى خمس فقط، هي على التوالي: العثمانية، والعراقية، والحجازية، والشامية، والفلسطينية. واستبدل عنوانات للفصول بالمقامات الخمس وحسنا فعل بحذف المقامات العربية، لأن المقامات الباقية هي ضمناً عربية.
يقوم فن المقامة العربي القديم على راو واحد هو عيسى بن هشام لدى الهمذاني والحارث بن همام لدى الحريري وعلى بطل هو أيضاً - يجمع بين المقامات في خيط واحد هو الاسكندري عند الهمذاني والسروجي لدى الحريري أما موضوعات المقامات وعنواناتها فمختلفة، ويعد النضد أو النظم هو النسق الرابط بين المقامات لدى مؤلفيها، أما في رواية الركابي، فالنسق هو التتابع والرواة مختلفون وان كان البطل واحداً هو اسماعيل والموضوع واحد وهو الحرب، وتخلو المقامات في الرواية من السجع وتنهج أسلوب النثر المرسل، على عكس فن المقامة الذي يقوم على السجع، وينطوي على وظيفة تعليم اللغة، وهي وظيفة لا تحفل بها الرواية الحديثة التي تهدف الى تصوير المجتمع.
وبرغم أن الراوي يشير الى أن التسمية اشتقت من المقامات التي كتبها كامل الأطرش وتناول فيها حياة اسماعيل الذبيح وبطولاته وفي ضوء مرجعية الآية القرآنية «فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يابنّي اني أرى في المنام اني أذبحك فانظر ماذا ترى قال ياابتِ افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين» برغم عدم وجود علاقة فنية وشكلية، فان استخدام المقامة عنواناً يتجانس مع موضوع الرواية.
القارئ لرواية الركابي يجد فيها سفراً تأريخياً، دون فيها الكاتب تأريخ أمة في قرن ونيف من الزمن وكانت بحق ملحمة الإخفاق البطولي لهذه الأمة المغدورة، ولا عجب أن نجد التاريخ كله ماثلاً في الرواية، فقد انحدر هذا الفن من التاريخ(4) أصلاً. ولكن ما يحسب للروائي هذا التوازن بين ماهو واقعي تأريخي، وماهو متخيل، بحيث تقرأ رواية هي التاريخ وتقرأ التاريخ في رواية!


الهوامش
1- انظر س. بتروف: الواقعية النقدية في الأدب،
ترجمة شوكت يوسف ص 253.
2- فاضل ثامر: رواية «مقامات اسماعيل الذبيح"
لعبد الخالق الركابي، بين سلطة التاريخ وفتنة التخييل، مجلة الثقافة الجديدة، العدد، 376/377 ايلول 2015 ص 178
3- ناجح المعموري: تأويل النص التوراتي
«قميص يوسف» دار تموز للطباعة والنشر، دمشق
2015 ص 25
4- انظر: نظرية المنهج الشكلي: نصوص الشكلانيين الروس، ترجمة ابراهيم الخطيب ص 112.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية