العدد (4069) الاربعاء 22/11/2017 (يانيس ريتسوس)       ريتسوس واللحظة الميتافيزيقية       يانيس ريتسوس... شاعر التفاصيل المهملة       هـل عـــــرف ريتسوس محمود البريكان؟       الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس شاعر النضال والثورة       عشرون قصيدة ليانيس ريتسوس       طقوس في الليل ليانيس ريتسوس.. مع ترجمة هاشم شفيق لأشعاره       أشعار يانيس ريتسوس: من الأسطوري إلى اليومي وبالعكس       يانيس ريتسوس وثقافة الماضي المتجلية في الحاضر       قصائد يانيس ريتسوس براعــة الكلمــة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :23
من الضيوف : 23
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 18471706
عدد الزيارات اليوم : 2395
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


جعفر الخليلي

مير بصري
 بقيت النجف قرونا  مديدة معقلاً من معاقل الدين واللغة، عزلتها الطبيعة في صحراء قاحلة لا ماء  فيها ولا نبات، وحرمتها الرياض الزاهرة والحقول الناضرة، وأكسبت اهلها  صرامة وجداً وصلابة وجفاءً وزهداً في مباهج الدنيا وملاهيها، دارت الحياة  حول الروضة الحيدرية المطهّرة، وانتشرت المدارس يؤمها طلبة العلم من اقاصي  البقاع


ودانيها ليجلسوا على البسط والحصران بين ايدي المؤدبين والمدرسين وليقضوا اعواماً طويلة في المطالعة والحفظ ومراجعة الكتب الصفر العتيقة التي طالعها وحفظها وراجعها ابناء الاجيال المتعاقبة. وقامت لمقابر تمتد من ظاهر البلدة وتلاصق مساكن الأحياء وتزاحمها وتدافعها.

قال الصافي النجفي:
صدق الذي سمّاك في وادي طوى  يا دار، بل وادي طوى وعراء
جلست على الأنهار بلدان الورى،  فعلام انت جلست في الصحراء؟
وقال:
فصادرات بلدتي مشايخ  وواردات بلدتي جائز
وهبت على المدينة الهرمة في مطلع القرن العشرين نسائم التبديل والتحويل، فنادى فريق من العلماء بالتجديد والاصلاح، ودعوا الى انشاء الحكم الدستوري في ايران وتقييد السلطة المطلقة. وتبعتهم زمر الشباب المتحمس الذي خذ يطالع مجلات مصر ولبنان والشام وينظم الشعر في المطالب السياسية والاجتماعية. وانشئت الى جانب المساجد ودور العلم القديمة، مدارس عصرية تعني بتدريس بسائط العلوم الحديثة. واصطرعت  الافكار بين القديم والجديد اصطراعا شديداً لا هوادة فيه ولا لين، ومهدت السبل للانتقاض على السلطة التركية أولاً وعلى الاحتلال البريطاني بعد ذلك، وهيئت النفوس للتمرّد على الجمود ونبذ البدع التي التفت حول لدين وكلست مظاهره. في تلك النجف لمتحفزة لمصطرعة المتطلعة ولد جعفر الخليلي سنة 1904. وكان ابوه الشيخ اسد من رجال الفضل والأدب يتعاطى الطب القديم شأن الكثير من افراد اسرته. تلك الاسرة التي انجبت ايضا على مر العصور رجال دين بلغوا قمة الزعامة الروحية. ونشأ جعفر بين أسرة منفتحة في بيئة متزمتة. وانتمى الى المدرسة العلوية التي انشئت قبل عهد قصير لتعليم الصبيان على اسس حديثة. واقبل على مطالعة الكتب الأدربية والمجلات بفهم شديد، وقرض الشعر وهو يافع.
وحدثت في النجف في أواخر العقد العثماني وبداية الاحتلال الانكليزي حركات وطنية طاغية اشترك فيها اخوه الاكبر عباس ووالده، لكن جعفر لم يبلغ السن التي تؤهله للعمل فاكتفى بالتطلع اليها والمساهمة فيه بفكره وروحه. ومال الى الكتابة فوضع، ولم يكد يشرف على عامه لثامن عشر، قصة انسانية بعنوان (التعساء).
وامتهن التعليم عشرة اعوام في الحلة والنجف وسوق الشيوخ والرميثة، وكان مدرساً للتاريخ والجغرافية في المدرسة الثانوية بالنجف ثلاث سنوات واصدر في تلك الاثناء جريدة (الفجر الصادق) الاسبوعية (7 آذار 1930)، وكنت حرة النزعة، تدعو الى النهضة والاصلاح، فاضطر على غلقها في تشرين الأول 1930 بعد ان انذرته السلطات المسؤولة بعدم الجمع بين التدريس والصحافة.
واستقال من التدريس سنة 1933، ثم اصدر جريدة «الراعي» (13 تموز 1934)، وقد عطلت لأسباب سياسية في 19 نيسان 1935، واصدر جريدته الثالثة (الهاتف) في 3 آيار 1935، فكانت مدرسة سيارة عالجت فنون الادب وعنيت بالقصة واظهرت مواهب جيل كامل من الشعراء والقصاصين، وانتقل الخليلي بهاتفه الى بغداد سنة 1948، ثم جعل جريدته سياسية يومية (27 كانون الاول 1949)، مع مواصلة العناية بالقصة والأدب واصدار اعداد ممتازة سنوية جامعة. وعاد الهاتف ادبيا اسبوعيا في تشرين الاول 1952 حتى احتجب سنة 1954.
انشأ الخليلي بعد ذلك دار التعارف للاعلان واخرج (موسوعة العتبات المقدسة) وهو مشروع ضخم نهض بأعبائه وتولى بنفسه شؤون الادارة والتحرير والطبع والنشر والتوزيع وجند لمساعدته اقلام صفوة من الادباء والبحاثين والكتاب.
اما جعفر الخليلي الرجل فهو، كما وصفه  روكس بن زائد العزيزي. «ربعة في الرجال، تكمن وراء لطفه المهذب رجولة حازمة تنم عليها نظرات فاحصة نفاذه. اناقة متناسقة تدل على ذوق رفيع، ونكتة حاضرة بارعة يواكبه وفاء للصديق وانصاف للخصم وهدوء نفسي ينم على حياة عائلية سعيدة.

مولفاته وأدبه:
جعفر الخليلي أديب وصحفي وشاعر، وهو من رواد القصة العراقية، له اسلوب لطيف، سلسل العبارة، قريب المتناول، يطعم كتاباته بالحكايات واللطائف والامثال الشعبية. كتب في السياسة والاجتماع والتاريخ والقصص والادب عامة، وبرع في وصف الحياة الاجتماعية ومعالجة المشاكل العامة وتصوير المجتمع والافراد والدعوة الى الاصلاح وحرية الفكر والتسامح وتوسيع افاق المعرفة والثقافة.
وضع مؤلفات كثيرة، منها، يوميّات (في جزءين) 1935، التعساء (1922) الضائع (1938)، عندما كنت قاضيا (1941) في قرى الجنّ (1939)، من فوق الرابية (1949) تسواهن (1953) على هامش الثورة العراقية الكبرى (1952) مجمع المتناقضات (1953) اعترافات (1937) حديث القوة (1942) اولاد الخليلي (1955) مقدمة في القصة العراقية (1957) هؤلاء الناس (1956) جغرافية البلاد العربية 1934) حبوب الاستقلال 1936) خيال الظل (1936) حديث السعلى (1934) السجين المطلق 1936) آل قتلة كما عرفتهم (1936) نفحات من خمائل الادب الفارسي (1965) التمور قديماً وحديثاً (1956) القصة العراقية قديما وحديثا (1962) هكذا عرفتهم اربعة اجزاء (1963 – 1973) موسوعة العتبات المقدسة وصدر منها 13 جزءاً (1965 – 71) الخ.
وله عدا ذلك مصنفت مخطوطة منها، نصيب بغداد من قصة كليلة ودمنة، صفحات من الجيل الماضي، الخ، اصدر جعفر الخليلي الجزء الخامس من «هكذا عرفتهم» (1980) ثم الجزء السادس (1982).
تغلب على قصص الخليلي الصيغة المحلية، لكنها مع ذلك انسانية الشمول، فالبشر هم هم مهما اختلفت عصورهم واقطارهم، وان النماذج البشرية التي رسمها الخليلي لتجتمع في مناح كثيرة بشخوص بوكاتشيو الايطالي وموباسان الفرنسي واو. هنري الاميركي على تباين الزمان والمكان، فمزعل الفحام يطلب البركة ليوسع عليه الرزق ولترفه اسرته الكبيرة، وام حسن المطلقة التي ابعد عنها ابنها وحرمت نعمة مشاهدته، وموسى الذي يعرف من اين تؤكل الكتف والذي سخر الجن توسلاً الى الانتقال من دار اهله الى دار مستقلة فرشت له باحسن الرياش، وابو علي الرجل المرح الفكه الذي يبتدع طريقة شاذة فريدة لتهدئة نفسه السريعة الى الغيظ والخصام، وعبد اللطيف الحلاق المصارع الذي يهرب من وجه العدالة ويتخفى خمس عشرة سنة ليجد بعد ذلك انه لم يكن مجرماً ولم تكن هناك جريمة، والشيخ احمد المزدوج الشخصية، الشرس في ارائه، الهادئ الحيي في السوق والشارع، والحاج حسين البقال الذي اشتهر بامانته وتساهله وكرمه ثم ظهر، بعد موته، انه كان يغش بضاعته ويسرق زبائنه بمهارة جازت على الناس، والشيخ يبعون القروي الذي يتظاهر بالعظمة الفارغة ويتشامخ على الجهلاء والسذج ليحصل على المال فيقع في الشرك الذي نصبه لسواه، كل اولئك وغيرهم من ابطال قصص الخليلي لهم اقرانهم ونظراؤهم في الازمنة الخالية والامصار النائية.
ان القاص الاميركي وليام سدني بورتر (1867 – 1910) االذي عرف باسمه المستعار (او، هنري) قد خلد في قصصه صوراً وشخوصاً من الحياة الاميركية في عقد استعمال الولايات الغربية والجنوبية والتوغل في مجاهل الصحارى والسهول والجبال المترامية الاطراف، فروى احاديث المجازفات وبراعة النصب والاحتيال في البورصة المالية وعلى قارعة الطرق، وسذاجة اهل القرى، وبؤس الطبقات الفقيرة في المدن الغنية الصاخبة، في تلك الحقبة التي مرت واندثرت ولم يبق لها في الغداة من اثر. ويمكن القول ان الخليلي قد عمل لعراق النصف الاول من المائة العشرية ما عمله او هنري، في قصصه الساحرة، لامريكا منتصف القرن التاسع عشر، فرسم، ببراعة فائقة ودقة واقعية واخلاص فني جميل، الصور والشخوص التي عرفها وسمع بها وتخيلها في عقد الانتقال والتطور الذي مضى الى غير رجعة، ان معالم الحياة في النجف وحواضر الفرات وارياف الجنوب، وهي في مقدمة مسارح قصص الخليلي. قد تغيرت وتبدلت تبدلاً اساسيا خلال جيل واحد من جراء انتشار الثقافة ووسائل المعيشة العصرية، وسوف تجد الاجيال القادمة صور تلك الحياة وغرائبها في (اولاد الخليلي) و(الضائع) و(هؤلاء الناس) و(في قرى الجن) و (عندما كنت قاضيا) و(من فوق الرابية) و(مجمع المتناقضات)، وتطلع على نماذج انسانية خاصة في بيئتها، عامة في المجتمع البشري طوال العصور، ذلك الى جانب المتعة الروحية التي تنبثق من الأدب الواقعي المخلص غير المصطنع ولا المفتعل، وجعفر الخليلي بعد ذلك اديب ذواقة وشاعر مطبوع. وقد رأيناه في (نفحات من خمائل الادب الفارسي) يسدي يدا جميلة للاداب العربية والفارسية على السواء فكان – كما قلت عنه في مناسبة ظهور كتابه – اديب اللغتين وجامع الحسنيين والذواقة الذي يحسن الاخيار ويحسن النقل والنظم والاداء.
ان نفحات الخليلي باقة عطرة من الزهور، زاهية الالوان، مختلفة الاشكال، عبقة الاشذاء، وهي نافذة تطل على خمائل الادب الفارسي وتهيئ للقارئ العربي ان يلم بشيء من روائح سعدي والفردوسي وحافظ وعرفي الشيرازي وعبيد زاكاني واقرانهم، وتجمع (النفحات) فنونا شتى من الشعر، فقيها الغزل:
قلتُ إن جئتني بثثتك ما بي   من أليم الجوى وفرط الشقاء
أيّ شيء أبثه، وانا إن   جئتني زال في مجبئك دائي؟
وفيها الهيام:
سألوني عن دار هاجرتي  قلت قلبي المولّه الدّنفُ
وفيها الحكمة:
هذي الحياة مراتع، وقطيعها  هذا الأنام، وذئبها الآجال
تغتال منه كل آنٍ واحداً،  فترى ولا يرتاح منها البال
وفيها الرحمة:
لا تؤذها نملةٌ تسعى بحبّتها   فإنها ذات روح ملء إحساس
وفيها الشك:
كم سعينا لكي ننال من الدنيا  مناها فما بلغن مناها
كيف تحظى بعد الممات باخرى  ما سعينا لها وما رمناها؟
وفيها الأمل:
قد تركنا الرياء والمكر طرا   وانتزعنا غل القلوب لتصفو
فاسقنيها سلافة، فكما انا   عفونا فإن ربك يعفو
وفيها غير ذلك كثير من الصور والمشاعر والافكار:
ولئن كانت المقطوعات اغلبها قصيراً فهنالك قطع طويلة جميلة كـ (العشاء اللذيذ).
لأبي القاسم حالت، وهي قصة أكل لحوم البشر الذي قصد باريس من أواسط الادغال الكثيفة ليختال تيهاً ويصاحب الغيد الحسان، فلما سئل عن حسناء رؤيت معه بالامس، قال:
لم تكن من رأيتموني وإيّاها،  كما قد ظننتم في الماء
إنما الكاعب الجميلة كانت   إن أردتم ان تعرفوها، عشائي!
وكـ ((عشق الفلاسفة) لحافظ الشيرازي :
شيمة العاشقين في الحب لطف  وغلوّ في المدح والإطراء
وتفان تسمو به الروح في الخلد سمو الابطال والشهداء
لا كلام تسوده غلظة القول   ووعظ يليق بالانبياء
والحسناء المتسائلة التي ناشدت الشاعر ان ينبئها عن الغادة التي تنفث السحر وتصمي الافئدة وتبث الشجي في النفوس:
فوضعت المرأة بين يديها   قائلاً: من ترين في المرآة!
لكن أطول القطع وابدعها، ولا ريب، هي أرجوزة القط والفيران لعبيد زاكاني (المتوفي سنة 1271م)، وهي قصة رمزية تعبر عن الانسان بالحيوان، ولا أملك أن ارويها هنا، وحسبي ان أحيل القارئ عليها ليأنس بقراءتها ويفكر في حكمتها ويخرج منها، كما يخرج من نفحات الخليلي جميعها، بمتعة روحية ولذة فكرية وسكرة شعرية. عرفت الخليلي وصحبته اعواماً طويلة، وقضيت معه في دار الهاتف والتعارف وغير دار الهاتف والتعارف اوقاتاً ممتعة وساعات هنيئة مغمورة بالمودة والوفاء، معمورة بالأدب والشعر، عطرة بانفاس اللذة الروحية والمتعة الذهنية، وكان، إذا سافر أو سافرت، اتصلت بيننا الرسائل، نتبادل الأفكار ونتنسم الأخبار ونبث اللوعة والشكوى، نتأسّى بالأدب، ونفرح فرحة الديب بالأديب، ونلتقي لقاء القريب للقريب، وحسبي أن أورد ابياتاً أرسلت بها إليه في بيروت في صيف سنة 1966 رداً على خطاب منه:
لك مني، أيا صديق حياتي،   ألف شوق يضوع ملء الجنانِ
وسلام مثل النسيم رقيق   وخطاب محمّل بالمعاني
أنا في بهجة وبسطة عيش   ورخاء يفوق حدّ الأماني
حامداً للخليل فضل مزايا   وسجايا قطوفهنّ دواني
بيد أني – وليس ذلك بدعاً -  أرهق الفكر في اتهام الزمان
أسهر الليل في اقتناص الدراري  وأخال المحال طوع البنان
واراني اردّد اليوم شعراً   لحكيم اضرّه المحبسان:
((علّلاني، فإنّ بيض الأماني  نيت والظلام ليس بفان!))
ولجعفر الخليلي شعر رقيق منه رثاؤه لقرينته التي توفيت قبل عدة سنوات من لحاقه بها، قال:
أنساك، لا والله لا أنساك  أنسى، وملء جوانحي ذكراك
البيت بعدك معول لا صوت في  ارجائه إلا عويل الباكي
والباب بعدك مقفل لا زائر   يأتي ولا ضيف يؤمّ حماك..

الشعر في النجف:
حدثني جعفر الخليلي، قال: كنت جالساً في صباح أحد الأيام في إدارة جريدة الهاتف بالنجف، فجاءني رجل يلبس الكوفية والعقال والزي البلدي، وقدم نفسه اديباً من بغداد، فرحبت بها اجمل ترحيب، وقال بعد هنيهة: إنني ماض الى الرياض وأرغب في مدح الملك عبد العزيز وولي عهده الأمير سعود طمعاً في صلتهما بعد ان كسد سوق الأدب في العراق. فهل لك ان تنظم لي قصيدتين في المعنى المطلوب، فقد خمدت القريحة واشتدت الحاجة واضنكت الأواء. قال الخليلي، فقلت: إن مجلس الأدب يلتئم في ((الهاتف)) عصراً، فلعلك إذا جئت حصلت على مأملك.
وجاء الرجل عصراً فوجد المجلس حافلاً بالشعراء والأدباء. ولما علموا بأمره هشوا له وبشوا، وأخذ كل منهم ينظم الشطر والبيت والبيتين حتى استقامت قصيدتان جيدتان في مدح الملك والأمير. فكتبهما الرجل بخطه وقرأهما مرة او مرتين، وسلم وخرج شاكراً.
ومضت اسابيع قليلة فاذا بالرجل يعود، وقد حسنت حاله وظهرت عليه مظاهر النعمة. واخرج من جيبه بضعة دنانير وقال: جزاكم الله وجزى الأخوان عني خيراً، فقد انشدت القصيدتين وفزت بجوائز آل سعود. وها أنا ذا قد عدت غانماً، فأرجوا ان تعطي هذه الدنانير الى الشعراء الذين تفضلو عليّ بالنظم.
لكن الخليلي اعاد اليه النقود وقال: لا داعي للشكر ولا للمكافأة، فاحتفظ بدنانيرك. ان الشعر يجري على ألسنة أهل النجف، وهي التي قامت في الصحراء وحرمت الماء، كما تجري دجلة في بغداد وكما يجري الفرات في الحلة. ومتى بيع الماء بالنقد؟
حدثني جعفر الخليلي أنه حين أصدر جرائده الفجر الصادق والراعي والهاتف في النجف في مطلع سنوات الثلاثين كان يدعو الى حرية الفكر ومكافحة البدع والخرافات، فكان العوام والمشايخ الجهلة ومن لف لفهم يناوئونه ويكفرونه.
كانت إدارة جريدته خارج مركز البلدة يقابلها مقهى لحفاري القبور وقرّاء الفواتح وامثالهم وتجاورها أرض عفاء وفي ذات مساء كان في مكتبه وليس معه سوى عامل واحد شيخ، فاذا به يرى جماعة من العوام والاوباش يحيطون بدار الجريدة وينادون بالويل والتبور ويهددون (الكافر) بالقصاص العاجل لي يرتدع عن غيه، وكان الجمهور يتزايد والأمر يتفاقم، والخليلي محصور في إدارته لا تلفون لديه ولا سبيل له لطلب المعونة ولا طريق للخلاص، فأحكم غلق باب الدار وسلم أمره لله منتظراً ما يكون.
وفجأة قدم قادم من المقهى. وقال إن جنازة ((سمينة)) جيئ بها من الحلة، فصاح القوم واكثرهم من مرتزقة (وادي السلام) مقبرة النجف، لنذهب الآن ولا يفلت (المأزق) من يدنا في فرصة قريبة! ولم تمر دقائق معدودة حتى خلال الطريق، فخرج الخليلي وصاحبه وهما لا يكادان يصدقان بالنجاة – واسرعا بالمضي الى البلدة.

كلمة أخيرة:
أصيب الخليلي بداء النقرس واشتد عليه الألم، فقيله له، لا تحزن، فالنقرس داء الملوك، قال: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، أيكون كل حظي من الملوك داءهم؟
حين اشتد الجفاء بين الحكومتين العراقية والايرانية ونفي الاف العراقيين من اصل ايراني الى ايران بعد خروج محمد رضا شاه وتولي آية الله روح الله الخميني مقاليد الأمور، خشي جعفر الخليلي ان يبعد الى ايران، فالتجأ مع أسرته في ربيع سنة 1980 الى عمّان وأقام فيها. وزار خلال هذه المدة لبنان وألمانية الغربية وفرنسا.
وذهب الى دبي بالامارات العربية المتحدة لزيارة ابنته ابتسام فتوفي ودفن فيها في 2 شباط 1985. وكتب أكرم زعيتر على اثر وفاة جعفر الخليلي يقول ان لقاء الخليلي متعة للذهن وترويح للنفس وحديثه ينم على حضور البديهة وبراعة النكتة وسعة الاطلاع ولطافة الاستطراء وطرافة الاستشهاد بالشعر.
وقا إن الحديث دار معه حول ضعف الذاكرة ونسيان الاسماء فانشد الخليلي:
فصرت إما عرضت حاجة   مهمة اودعتنها الطرسا
فصرت انسى الطرس في راحتي  وصرت انسى انني انسى
وقيل له: ان جميع صحفيي العراق يلقبونك (ابو الصحافة العراقية)، فأجاب: (انا ابوها حين يريدون لعنها بقولهم: لعن الله أبا الصحافة!).
وقال زعيتر إنه علم ان الخليلي ألف في عمان كتاب (مما احتفظت به الذاكرة من الخواطر) وكتاب (الشعر العربي والغناء) وقصة تمثيلية عنوانها (رهبان بلا دير).

وفاته:
حين علمت بوفاة الصديق جعفر الخليلي بادر الى الكتابة الى ابنته فريدة معرباً عن ألمي وحزني لهذا النبأ الفاجع. وقلت انه حي باثاره الأدبية وحيّ ببناته، واستشهدت بابيات من قصيدة احمد شوقي في رثاء شيخ وزراء مصر مصطفى فهمي باشا:
أنّ البنات ذخائر من رحمة  وكنوز حب صادق ووفاء
الساهرات لعلّة او كبرة   والصابرات لشدة وبلاء
والباكياتك حين ينقطع البكا   والزائراتك في العراء النائي...
وقد جائني جوابها يقول: ((بكيت اليوم بكاء مراً، ولا يعني انني نسيت البكاء، فهو يرافقني منذ رحيل أبي، لأنني فقدت صديقاً وإنساناً وأبا ومؤنساً في الوحدة والغربة، وبكائي اليوم جاء حسرة على أبي الذي مات وهو يلهج بك، مات وهو لاينساك قط، مات في قلبه حسرة على من عرفهم واحبهم، رسالتك اثرت شجوني، اثارت ذكريات تلك الأيام الحلوة في دارتكم العامرة ومأكولات السيدة اللذيذة والبنات الجميلات الحبيبات. كان عسيراً علينا ان ننساكم حتى في أوج محنتنا وغربتنا)).
ثم قالت ان اباها كان يعاني الآم النقرس والضغط العالي والقلب واشتدت عليه الوحدة القاسية، وليس معه غير ابنته فريدة التي رافقته في كل مكان. وقد مضيا في السنوات الأخيرة إلى المانيا وفرنسا وسويسرا، وقالت انه كان يزور اختها في دبي شتاء. وشاء القدر ان تذهب فريدة معه لأول مرة، فاصيب هناك بجلطة قوية ونقل الى المستشفى حيث عاش اسبوعاً وهو يتمتع بالصحة والراحة والعناية الفائقة. ونظم الشعر الجميل في مدح الطبيبات والعاملين على راحته... لكنه توفي في 2 شباط 1985، واقيمت الفواتح على روحه في سورية ولبنان ودبي والشارقة، وجرى تأبين الاربعين في سوريا والشارقة وفي مصر برعاية نادي الأدب الحديث...

عن كتاب اعلام الادب في العراق



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية