العدد (4069) الاربعاء 22/11/2017 (يانيس ريتسوس)       ريتسوس واللحظة الميتافيزيقية       يانيس ريتسوس... شاعر التفاصيل المهملة       هـل عـــــرف ريتسوس محمود البريكان؟       الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس شاعر النضال والثورة       عشرون قصيدة ليانيس ريتسوس       طقوس في الليل ليانيس ريتسوس.. مع ترجمة هاشم شفيق لأشعاره       أشعار يانيس ريتسوس: من الأسطوري إلى اليومي وبالعكس       يانيس ريتسوس وثقافة الماضي المتجلية في الحاضر       قصائد يانيس ريتسوس براعــة الكلمــة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :34
من الضيوف : 34
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 18471789
عدد الزيارات اليوم : 2478
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


من معالم مدينة النجف.. السور القديم

عادل الفتلاوي
لا يخفى على  المطلعِ على تاريخ مدينةِ النجف الأشرف أنها أنشئتْ بسبب وجودِ مرقد الإمام  أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) في تلكَ البقعةِ في ظهر الكوفةِ التي  تعددت اسماؤها من الغريين والغري إلى الذكوات البيض وخد العذراء وغيرها حتى  استقرت على”النجف”وللمؤرخينِ تفسيرات شتّى بهذا الشأن،


 وبعد ظهوره بدأت طائفة من العلويين السفر إلى هذهِ البقة لمجاورة صاحب القبر الشريف فضلا عن المحبين قصد التبرك بتسارع ملحوظ، والحديث فيه وعماراته يطول كثيرا، لكن المدينة بدأت تتسعُ فيها مساحتان الأولى بيوتها ومحلاتها و(العـكود) التي شغلتها مختلف طبقات المجتمع، و(الجبانة) مقبرتها الكبيرة.
وفي هذه السلسلة من المقالات سوف نخوض استعراضا تاريخيا لهذهِ المدينة الضاربة في القدمِ وسورها وأطرافها (عـكودها) الأثريةِ وكيف طمست معالمها وهدمت الكثير من شواهدها التاريخية نتيجة التخريب العمد وسوء التخطيط والعوامل السياسية التي أفرغتها من حضارتها وآثارها إلى عمران جديد كأنها مدينة أقيمت حديثا وبقي أرثها وتراثها مدوّنًا في بطونِ الكتبِ فقط لا يمتُّ إلى الواقعِ بصلةٍ تذكر إلا بعض الخرائب والأطلالِ البالية لبعض البيوتِ التي طمرت وهدم الكثير منها واستبدل بفنادق حديثة الطراز من أجل السياحة والتجارة الدينية التي يقوم اقتصاد المدينة عليها.
في هذه المقالة سنستعرض سور المدينةِ التاريخي الذي بقيت منه آثار قليلة حتى مطلع 2000 قبل ان يتم هدمه تماما وتبنى عليه محال تجارية ومدرجات جديدة وبها انقضى آخر عهد هذا السور التاريخي الذي كان يوما حائط صدّ الهجمات المعادية على هذه المدينةِ، فعندما بدأ السكن في هذه البقعة من الأرض توالت عليها هجمات الوهابيين من أراضي نجد من جهة وغزوات الأعراب للسلب والنهب من جهة أخرى، وإذ لم تكن حول المدينة مدن محصّنة أو بالعدّة الكافية لصدّ هكذا هجمات فلجأ أهلها إلى بناء سور حول المدينة يقيها هذه الاعتداءات المتكررة، فكان للنجف بمرور الزمن ستة أسوار:

السور الأول..
ذكر المؤرخون ان الذي بناه هو محمد بن زيد الداعي صاحب الديلم المتوفي سنة287هـ فإنهُ لما بنى القبة بنى سورًا حولها-حول القبة-، ولا يوجد مصدر يؤكد ذلك بشكل تفصيلي ويبدو أن المقصود هو سور الصحن لا النجف لأنّ الداعي اشتهر بعمارته للمراقد البناء حول القبة لا المدينة.
السور الثاني..
وبناه الأمير أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان التغلبي، ذكره ابن حوقل في كتابه(صورة الأرض) بقوله: وجعل عليه حصنا منيعًا، وهو من القوّاد العباسيين.

السور الثالث..
سور عضد الدولة البويهي (فناخسروا بن بويه الديلمي) المتوفي(983م) فقد قام بتحصين النجف بسور منيع بين سنتي 367- 372هجرية، ووسع البلدة بعد ان لم تكن واسعة فصارت حول المرقد بلاد صغيرة محيطة به، وعمّر المرقد العلوي وبسط العطاء على القوّام(السدنة)، وذكرت صاحب"نزهة القلوب”حمد الله المستوفي (ت766) أن محيط البلاد 2500 خطوة في زمانه، ويستنتج الشيخ جعفر باقر محبوبة في كتابه ماضي النجف وحاضرها أن موقع السور الثالث هو عند أول سوق الصفارين.. 

السور الرابع..
بناه ابو محمد الحسن بن سهلان وزير سلطان الدولة بن بويه الديلمي الملقّب بسيد الجيوش، بعد نذرٍ نذره إن عافاه الله من مرض ألمّ به كما ذكره ابن الأثير في حوادث سنة 400 هـ قائلا: فأمر ببناء سورٍ عليه فبناه هذه السنة وتولّى بناؤه أبو سحاق الأرجاني، وكان هذا السور يبعد عن المرقد نحو 199 مترا، وقد أمتدّ هذا السور بحسب الروايات إلى أواخر القرن السادس..

السور الخامس..
بناه السلطان أُويس الجلايري(وهو من سلالة مغوليّة تسمّى بالجلايريّة) وقد حكمت العراق من سنة (1339 الى سنة 1411م) وبنى ولده أحمد بابه، وذكر يعقوب سركيس في ملاحظاته عن هذا البناء ناقلا عن الرحالة (تكسير) الذي دخل النجف في شهر ربيع الثاني في 23 منه سنة 1013 ذكر: ان المدينة محاط بسور ولكن فيه ألف فتحة وهو مبني كالجامع والدور بآجر وطين.. ونقل سركيس عن الرحالة نيبور.. النجف مسوّرة وللسور الآن بابان باب المشهد وباب النهر ولهما باب ثالث يقال له باب الشام ولكنه مغلق ببناء والسور مهدّم بحيث يمكن دخول المدينة من خمسين موضعا.
وكان وروده-أي الرحالة نيبور- في هذه الأنحاء في كانون الأول 1765/ جمادي الآخر ورجب سنة 1179، وأوضح (محبوبة) ان هذا الكلام حول السور إنما يقصد به سور السلطان ويس الجلايري، وكان منخفضا يبعد عن السور الرابع 150 خطوة وهي عبارة عن 75 مترا فيكون محيطه(3442) وموقعه من جهة الشرق قريبا من مدرسة الصدر فتكون مدرسة الصدر ومقبرته خارجتين عن هذا السور.
وكان هناك باب كبير هو باب البلدة وقد تقادم عهده وانقض من جميع جهاته فبناه رجل هندي، وفي تلك الأيام أيضا تصدى بعض ملوك الهند لبناء سور حوله..”نسبه إلى آصف الدولة وانه سوّر المشهدين (الغروي والحائري) بإيعاز من العلامة السيد علي الكبير. كما ان نادر شاه عند مجيئه النجف أمر بتسويرها خوفا من الأعراب المعروفين بـ(شمّر وعنزة) لأنهم كانوا في أذية النجف وأهلها- عن الأنوار العلوية للعلامة النقدي- وركّب صندوقا من الفولاذ على القبر الشريف، وقال”محبوبة”انه رأى تعليقة على آخر مخطوط شرائع الإسلام جاء فيها ان سور النجف جرت عليه إصلاحات سنة 1039هـ

السور السادس..
لما كان السور المتقدم منخفضا ولم يكن على ما يرام لعدم ارتفاعه إلا عن سرية عابرة وجيش غير مرابط وكثرت هجمات الوهابيين واستدت صولتهم كاتب علماء النجف رجالات إيران ذلك الوقت فانتدب لتسويرها نظام الدولة الحاج محمد حسين خان العلاف الأصفهاني وزير فتح علي القاجاري فبنى سورها السادس والأخير وشيّد أركانه وبنى خلفه خندقا عميقا وأقام فيه الأبراج المكتنفة بالمعاقل والمراصد والمخافر وجعل له في طبقاته ثقوبا ومنافذ متقاربة مختلفة في الصغر والكبر لوضع فوهات المدافع والبنادق عند الحاجة وكان ابتداء بنائه سنة 1217هـ واتمامه سنة 1226، وجعل له بابان أحدهما مقابل باب الكوفة ويعرف بالباب الكبير -ويعرف الآن بباب الساعة- والآخر في جهة القبلة وعرف آنذاك بباب الثلمة، وفتح فيها بابا ثالثا جهة باب القبلة سنة 1288 أيام السلطان عبد العزيز سمي بباب السقائين، وفتحت الحكومة التركية بابا رابعا بالقرب من الباب الكبير، وكان هذا السور يبعد عن السور الخامس بـ(170) خطوة ومحيطه ما يقارب من (4500) خطوة..
وظلت أسوار النجف متينة سور تم بناؤه سنة (1810م/12)، وتصدعت أجزاء منه خلال الحصار الذي فرضته القوات البريطانية على النجف الأشرف أثناء مقاومة النجفيين المحاصرين للغزاة الأجانب الذين منعوا عنهم إمدادات الغذاء والدواء عام (1920م)، وقد أزيل من السور أغلبه سنة (1937م)، ثم هدمته الحكومة السابقة لاحقا, وهو السور السادس لمدينة النجف الأشرف التي أعتاد أعداؤها الكثر أن يشنوا الهجمات عليها لإسكات صوت الحق الهادر منها، فكان كلما تداعى سور بني سور بديل عنه وهكذا حتى السور السادس وهو السور الأخير.
     اما الرحالة (بيترز) وهو استاذ امريكي رئيس بعثة (بنسلفانيا) فقد زار النجف عام (1890م) بعد ان وصلها من السماوة سالكاً الفرات عن طريق (شط العطشان) بعد ان استأجر (طرادة) ومما قاله:(كانت النجف محاطة بسور تسد أبوابهُ عند الغروب.. وهذا السور متداع مشرف على السقوط.. ثم يصف ارتفاع السور بقوله : (وكان ارتفاع السور يبلغ خمساً وعشرين قدماً وسمكه خمس الى ست اقدام..)، و(يكون محيط الاسوار كله شكلاً مربعاً تقريباً، يضم في داخله كتلة كبيرة من البيوت المتماسكة).
مراحل الهدم
في سنة 1930 عزمت الحكومة العراقية على تخطيط بلدة خلف السور من جهة الشرق وأحدثت ابوابا عدّة متقاربة من السور فصارت محلة واسعة تعرف بالغازية نسبة إلى الملك غازي الأول، وفي أيام القائم مقام صالح حمام 1939 قلع السور بتمامه من سائر جهاته وأعطيت قطع أراض مجاورة للسور للفقراء وأصحاب الأواوين مجاور للغازية فصارت محلة ثانية تعرف بالصالحية واتصلت المحلتان بالبلدة القديمة، وبقي من السور بعض القطع والشواهد من قاعدته حتى وقت متأخر من تسعينات القرن الماضي إلى ان جاء النظام السابق فطمر آخر بقاياه وبنى فوقه محال تجارية ومدرجات حديثة للقادم من جهة(بنات الحسن).
وهذا ما استطعنا حصره من المعلومات حول هذا السور التاريخي الذي دثره الزمن واليد التي عاثت به تخريبا عن عمْدٍ أو إهمال، وكثير من التفاصيل التاريخية بحاجة إلى أن تكون دقيقة في النقل مثل هل من هذه الأسوار ما كان سورا للمرقد لا المدينة؟ فحين يحدّد المؤرخون المسافة بين المرقد والسور نجدها قليلة ولا تتجاوز في بعض الأحيان 200 متر فقط، فضلا عن عدم وجود معلومات عن مراحل إصلاحهِ ولا ابوابهِ القديمة أعلاه، فعلى كل الأحوال هو أرث تاريخي وشاهد مهم لحقبة امتدت لألف عام تقريبا حتى يردم هذا السور تماما.

............
المصادر:
ماضي النجف وحاضرها/ جعفر محبوبة، المفصل في تاريخ النجف/ حسن الحكيم، مشهد الإمام/ محمد علي جعفر التميمي، النجف الأشرف/ عبد الحسين الرفيعي



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية