العدد (4069) الاربعاء 22/11/2017 (يانيس ريتسوس)       ريتسوس واللحظة الميتافيزيقية       يانيس ريتسوس... شاعر التفاصيل المهملة       هـل عـــــرف ريتسوس محمود البريكان؟       الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس شاعر النضال والثورة       عشرون قصيدة ليانيس ريتسوس       طقوس في الليل ليانيس ريتسوس.. مع ترجمة هاشم شفيق لأشعاره       أشعار يانيس ريتسوس: من الأسطوري إلى اليومي وبالعكس       يانيس ريتسوس وثقافة الماضي المتجلية في الحاضر       قصائد يانيس ريتسوس براعــة الكلمــة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :32
من الضيوف : 32
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 18471765
عدد الزيارات اليوم : 2454
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


من يوميات كتبي في لندن ..رحلات مجهولة في العراق

 علي أبو الطحين
في مزاد سوثبيز  الخاص بالكتب النادرة، الذي أقيم في لندن في خريف سنة 1999، عُرضت مجموعة كبيرة من كتب الشرق الأوسط تعود للبرفسور روبرت مايكل بيرل المتخصص بالتاريخ والأدب الفارسي في جامعة لندن. هكذا مزادات متخصصة تستهوي هواة الكتب للبحث عن النوادر من المطبوعات كما تستهوي البائعين للحصول على مجاميع كبيرة من الكتب في مواضيع محددة وبأسعار مناسبة.


 رحلة توماس رييس 1815

في صالة المزاد ألتقيت بالمعماري العراقي الكبير الدكتور محمد مكية، رحمه الله، وجلسنا سوية نتابع المزاد. أشرت للدكتور مكية عن وجود كتاب صغير في المزاد لرحلة غير معروفة في العراق نشرت في لندن سنة 1822 لجندي في البحرية البريطانية اسمه توماس رييس، يشير كتلوك المزاد على انه كان في بغداد وزار خرائب بابل سنة 1815. كان السعر التقديري للكتاب مناسباً لا يتجاوز 300 دولار. أهتم الدكتور مكية بهذا الكتاب النادر عن العراق وشارك في المزاد حتى زاد سعر الكتاب على عشرة أضعاف السعر المقترح ليصل الى أكثر من ثلاثة آلاف دولار، دون ان يحصل عليه، فقد ذهب الكتاب الى أحد المشترين على التلفون من دولة قطر، كما كان الحال لمعظم الكتب المهمة في ذلك المزاد.
في اليوم التالي، رحت أبحث عن الكتب المهمة التي رأيتها في المزاد في معروضات وقوائم المكتبات في مواقع الأنترنت لمجموعة كبيرة من البائعين، وكم كانت فرحتي عظيمة بالعثور على كتاب رحلة توماس رييس من احد البائعين في أسكتلندا بسعر لا يتجاوز 75 دولار فقط. طلبت الكتاب على الفور، ووصلني بالبريد بعد بضعة أيام.
من الأسباب التي جعلت كتاب توماس رييس مجهولاً، هو ربما، أنه طبع بشكل محدود للمشتركين، وقد وردت أسماؤهم في الصفحات الخمسة الأولى من الكتاب. أضافة إلا أن عنوان الكتاب جاء مبهماً نوعما،”يوميات رحلات وأسفار”دون ذكر للأمكنة التي زارها المؤلف في رحلاته في صفحة العنوان ولا حتى هناك جدول بالمحتويات.
ولد توماس رييس لعائلة فقيرة في مدينة”كارمارثن”في ويلز سنة 1790، كان أبوه ريتشارد رييس يعمل كاتباً في كنيسة، دفعه وهو في الخامسة عشر من عمره في الدخول الى محل لتعليم الخياطة. استمر توماس في ذلك العمل لمدة سنتين ضد رغبته. أضطر بعدها الى ترك الخياطة والتطوع في القوات البحرية الملكية. كانت المنحة للدخول في البحرية ثلاثين جنيها إسترلينيا، أعطى منها عشرة جنيهات لأبيه، وأحتفظ بالعشرين لتعينه في مستقبله. بعد بضعة سنوات من الخدمة في البحرية اصبح برتبة عريف ونسب للعمل في احد السفن في الهند، تاركاً زوجته وابنته في بيت أهله. كان توماس رييس يدون يوميات رحلاته البحرية، ومنها رحلة قام بها من الهند الى الخليج العربي، وزار مدينة البصرة، ومنها الى بغداد في ربيع سنة 1815، ورحلة ثانية من الهند الى الخليج، حيث حط في مدينة بوشهر ومنها براً الى مدينة شيراز في إيران في سنة 1816.
عاد توماس رييس الى بريطانيا في صيف سنة 1817، ونسب للعمل في احد دوائر التجنيد التابعة للبحرية الملكية البريطانية. في صباح احد الايام الشديدة البرودة أصيب بالزكام، الذي تطور ليقضي على حياته في سنة 1820، قبل بلوغه الثلاثين من عمره.
خلال فترة مرضه، بدء توماس رييس يعد يومياته التي كان يدونها في اسفاره، وبعد وفاته قامت أحدى السيدات من أصدقاء العائلة بأختيار بعض من هذه اليوميات، واعدادها للنشر في كتاب، ليكون ريعه كعمل خيري الى ابنته اليتيمة. صدر الكتاب في لندن في سنة 1822، في 176 صفحة، بعنوان”يوميات رحلات وأسفار المرحوم توماس رييس”.
في الرحلة النهرية من البصرة الى بغداد يصف توماس رييس في يومياته الصعوبات والمشاكل في صعود النهر الى بغداد قبل عصر البخار، فالمراكب الشراعية كانت تسحب صعوداً عكس تيار الماء بأستخدام عمال على ساحل النهر يسحبون المراكب بالحبال. يقول رييس بانهم كانوا يستخدمون ستة عمال للسحب باستمرار، حيث يتم تبديلهم كل اربعة ساعات ليلاً ونهاراً. وبسبب قربهم من الساحل كانوا يتعرضون دوماً للمضايقات وطلب الخاوات من العرب في المدن والقصبات على النهر.
قبل وصولهم الى بغداد يصف المؤلف مشاهداته في آثار طاق كسرى وصعودهم فوق الطاق وخطورة النزول حين سبب انزلاقه بخدوش ورضوض في انحاء جسمه. عند وصول المركب الى بغداد، اطلقت المدفعية التركية ثلاث اطلاقات تحية لهم، فأمر القائد بأن يقوم توماس رييس بالرد على التحية باطلاقات من مدفعية المركب كما تقتضي الأعراف. جهز رييس الحشوة، وحين اطلق المدفع، حشرت الاطلاقة في داخل المدفع وانفجر، وبينما كان يعد الاطلاقة الثانية، كانت النار تلتهم شعر رأسه ولحيته وعندما أدرك الأمر كانت الدماء بدأت تنزف من جفونه حتى فقد بصره. سارع القائد بنقله الى غرفة القيادة واستخدم الكحول لتنظيف عينيه، وتقرر نقله لمعاينة طبيب القنصلية البريطانية في بغداد للعلاج.
في أزقة بغداد تعرض رييس للمضايقة كما يصف ذلك مطولاً، حتى أنقذه أربعة من البحارة الأمريكيين من مدينة نيويورك، كانوا قد وصولوا الى بغداد قبل أيام، حيث تركوا سفينتهم في البصرة وجاءوا الى بغداد لشراء حمولة من جلود الماعز، فأوصلوه الى القنصلية البريطانية. بعد عدة أيام من العلاج عاد له بصره، فبدأ يخرج للتجوال في المدينة وجهزت القنصلية البريطانية له حصان للذهاب الى بابل ليلتحق برفاقه مع قائده الذين ذهبوا لمشاهدة آثار المدينة التاريخية.
تشغل رحلة توماس رييس في الخليج والعراق وإيران أكثر من 100 صفحة من الكتاب، 45 صفحة منها عن رحلته في العراق.

رحلة الكونتيسة مدام هيلفير
الى العراق
تعد رحلة مدام بولين هيلفير، واحدة من الرحلات النسائية القليلة المنشورة عن العراق. لقد نشرت باللغة الالمانية بمجلدين في لايبزك سنة 1873، ونشرت الترجمة الأنكليزية كذلك بجزئين سنة 1878. وكان من الصعوبة الحصول على النسخة الأنكليزية، حتى تفاجأت في صيف سنة 1992، بنسخة معروضة في كاتلوك احد البائعين في لندن بسعر زهيد، تبين عندها، أن النسخة ناقصة لملزمة كاملة بالاصل، وحيث ان تلك الملزمة لا تتعلق بالرحلة في العراق، سارعت الى شرائها وكنت سعيدا بالحصول على هذا الكتاب النادر. لكن في السنوات التالية، أستطعت الحصول على نسخ أخرى كاملة.
كانت بولين ماتليدا وهي من عائلة ارستقراطية المانية في رحلة لزيارة صديقة لها في مدينة درسدن حين تعرفت على الطبيب الشاب جان ويليم هليفير، العائد في طريقة من مدينة هامبورغ عبر برلين الى موطنه في مدينة براغ الجيكية. تطورت علاقة الاعجاب بينهما الى زواج بعد بضعة شهور، وانتقلت للعيش معه في براغ. كان للطبيب هليفير هواية بالطبيعة في البحث عن الحشرات والفراشات وتصنيفها منذ طفولته، وأصبحت له خبرة كبيرة وولع متنامي بالسفر والترحال لاشباع هوايته. فقرر مع زوجته بولين في الذهاب والعيش في مدينة أزمير التركية. وهكذا بعد عشرة شهور من زواجهم، انتقل بيتهم من براغ الى أزمير في ربيع سنة 1835. وبعد مدة قليلة في أزمير، تعرف الزوجان هيلفير على شابان جذابان بملابسهم الشرقية ولغتهم الفرنسية والانكليزية، أدعا بأنهما من الأمراء الأفغان، من عائلة محمد خان دوست حاكم كابول في أفعانستان، وانهم في طريقهم الى بلادهم. تعلق الطبيب هليفير بهذان الشابان وقرر الرحيل معهم الى بيروت ومن هناك نحو الهند، ليحقق حلمه في ابحاث الطبيعة. ومن هنا تبدأ رحلة متاعب غير متوقعة للكونتيسة الالمانية الى سوريا والعراق ومنها عبر الخليج الى الهند، تنتهي بنهاية أليمة بمقتل الطبيب الشاب جان هليفير بسهم مسموم وهو يقوم بأبحاثة في احد الجزر الآسيوية النائية في مطلع سنة 1840، ولم يبلغ بعد الثلاثين من عمره. كان وقع الحادث مؤلماً على بولين هيلفير و رفضت الكتابة عن الرحلة حتى سنحت لها الفرصة بعد اكثر من ثلاثين عاماً لأصدار كتاب”رحلات الطبيب ومدام هيليفر الى سوريا وبلاد النهرين وبورما والبلاد الاخرى”سنة 1873.
عند وصول الزوجان الى سوريا، أعتذر الأصدقاء الأفغان بالبقاء في سوريا، حيث يرغب هيلفير بتجوال والابحاث، واتفقا على اللقاء في بغداد. وهنا طلب الأميران قرضا كبيرا من المال من هيليفر، مقابل بعض الجواهر والاحجار الكريمة الثمينة في حوزتهم، لحاجتهم للمال خلال الرحلة، على أن يسترد المبلغ عند لقائهم في بغداد.
في جولة الزوجان هيلفير في شمال سوريا التقيا بالبعثة البريطانية لإستكشاف الفرات، و رحب قائد الحملة الرائد فرانسيس جسيني بالزوجان ودعاهم للألتحاق بالبعثة التي تكاد ان تبدأ. أنطلقت حملة الفرات الإستكشافية في نهاية آذار 1836، وفي بداية حزيران وصلت الباخرة الفرات الى الفلوجة، بعد غرق الباخرة دجلة قرب القائم، فتقرر ذهاب فريق من ضباط الحملة الى بغداد للحصول على المال من القنصلية البريطانية، وكانت فرصة للزوجان هيليفر للذهاب الى بغداد ولقاء الامراء الافغان واسترداد اموالهم بعد فقدان ما يملكون في غرق الباخرة دجلة.
في بغداد، صدم الزوجان هيلفير بحقيقة أصدقائهم الامراء الأفغان، وأتضح بأنهما ليسا سوى لصان محترفان، وأن الجواهر والاحجار الكريمة مقلدة ومزيفة بأتقان. أمام هذه الاخبار المؤلمة، لم يكن امامهم سوى التفكير بالعودة الى وطنهم، لولا موقف الرائد تيلر المقيم البريطاني في بغداد، الذي أقترح أقراضهم بمئة جنيه استرليني لمواصلة رحلتهم، فكانت تلك المفاجأة حبل النجاة لهيلفير.
في بغداد، أصطحبت زوجة الرائد تيلر، وهي سيدة أرمنية تدعى روزا موسكو، السيدة بولين هيلفير في زيارة الى زوجتا والي بغداد، علي رضا باشا اللاز. تصف هيلفير الزيارة مع جمع من الحرس والخدم الى قصر الحرم. فالزوجة الأولى، وهي في الأربعين من عمرها، وتدل ملامحها على جمال سابق، كانت متمددة على الأريكة عند أستقبالهم. حواجبها واهدابها وجفونها مكحلة بالسواد، وأظفارها مصبوغة بالأحمر، يمتد الشال من رقبتها حتى حضنها، ومزينة بسلاسل وخواتم وأساوير من ذهب. تقول بولين لم يخطر على بالي قط، ان يستقبل اي شخص ما ضيوفه وهو في هذا الوضع، لو لم أرى ذلك بعيني. وكما هي ممدة على الأريكة كانت سيقانها متدلية على الجانب. لا أعرف أذا كانت هذه هي طريقة أستقبال الضيوف، أو كانت تقوم بتمارين رياضية. ويبدو ان السيدة تيلر معتادة على هذا الامر، فحين وصلنا قربها مدت لها يدها، وقدمتني أليها، فمنحتني نظرة بتمعن، وبدأت بالحديث مع السيدة تيلر حول الاحداث اليومية. وبعد جلسة قصيرة مع شرب القهوة، أستأذنا للذهاب ورؤية ابنتها الجميلة. فتصف البنت الصغيرة بأنها بملامح أوربية، بشرة وردية حساسة، وعيون خجولة زرقاء وشعر بني فاتح، مع طلعة وتعبير جميل. تحيط بالأميرة عشرة من القوقازيات الصغيرات الجميلات، وبينما الأميرة جالسة في ديوانها قامت الصغيرات بالرقص على أنغام الموسيقى في منظر جميل. لقد أخبرت ان هذا هو السلوك اليومي للفتيات الصغيرات حتى يأتي يوم زواجهن. ثم تصف زيارتهم الى زوجة الوالي الثانية الصغيرة السمراء وكانت تهز مهد طفلتها الصغيرة حديثة الولادة.. ألخ.
بعد بضعة أيام في بغداد كان على الفريق العودة الى الباخرة الفرات التي كانت في طريقها الى الحلة، فكانت فرصة للدكتور جان هيلفير للمزيد من الابحاث عن الحشرات والفراشات في الطريق حتى وصولهم الحلة. بعد مرور الباخرة بمدينة الديوانية وفي الطريق بين السماوة والناصرية، وبينما اعضاء من الطاقم ذهبوا لأستطلاع قلعة الخضر، بدء تجمع من عشائر العرب المسلحين والغاضبين وبسيل من الشتائم على الغرباء الانجاس، وتصاعدت حدة التوتر الى رمي الاطلاقات النارية على المركب، فلم يتردد الرائد جيسني، وهو لم يسبق له ان شارك في اي معركة في حياته، بتوجيه المدافع على تجمع العرب واطلاق القذائف، تقول هيليفر لم نعرف كم عدد الذين قتلوا والذين دفنوا تحت سقوط الاشجار عليهم، لكن القلة الباقية منهم أصابهم الهلع ولاذوا بالفرار.
في أحدى الليالي قرب سوق الشيوخ وبينما الجميع نيام على سطح الباخرة، سطا بعض اللصوص على الباخرة، وبينما كانت السيدة هليفير في حلم، رأت فيه هجوم احد الاسود عليها، بدأت تصرخ، أسد.. أسد، وكانت في الحقيقة تسحب مع فراشها الى حافة الباخرة، حتى عالج احد الحرس اللصوص باطلاقة فسقط الى الماء، وتم انقاذها. فكان الحديث في اليوم التالي التندر على محاولة اختطاف السيدة هيلفير، وعبثاً حاول زوجها، تفسير ما حدث على ان اللص عثر بفراشها والتف الغطاء حول قدمه، وبدء بسحبها مع محاولة هروبه، إلا ان هذا لم يشفع له، وبقية القضية مثار اً للضحك والتندر على محاولة اللصوص سرقة زوجته. 



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية