العدد (4069) الاربعاء 22/11/2017 (يانيس ريتسوس)       ريتسوس واللحظة الميتافيزيقية       يانيس ريتسوس... شاعر التفاصيل المهملة       هـل عـــــرف ريتسوس محمود البريكان؟       الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس شاعر النضال والثورة       عشرون قصيدة ليانيس ريتسوس       طقوس في الليل ليانيس ريتسوس.. مع ترجمة هاشم شفيق لأشعاره       أشعار يانيس ريتسوس: من الأسطوري إلى اليومي وبالعكس       يانيس ريتسوس وثقافة الماضي المتجلية في الحاضر       قصائد يانيس ريتسوس براعــة الكلمــة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :34
من الضيوف : 34
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 18471801
عدد الزيارات اليوم : 2490
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


صاحبي الذي أكلته الضحكات والطيبة

علي حسين
الآن أمسك القلم  وأكتب عن فاضل خليل.. أستجمع شجاعتي.. وأُلملم ذكرياتي.. وأتظاهر بالتماسك  وأنا أحاول تقديم التحية لهذا الفنان الطيب القلب والأخلاق.
الكتابة  عن  فاضل خليل  تأجلت كثيراً.. وكنتُ على موعد معه للاحتفاء به ضمن فعاليات  بيت المدى، لكنه كان يؤجل الموعد أحياناً بسبب الانشغالات وأحياناً كثيرة  بسبب الأمراض التي افترسته في الآونة الأخيرة وكان في كل مرة يضحك


 ويقول :”بعدني عدل من أموت احتفلوا بيّ وضحكوا”.. اليوم أستميح صديقي صاحب الضحكة المتميزة بأن أكتب عنه ليس رثاءً.. وإنما تحية لفنان  كبير  بما يليق بموهبته.
فاضل خليل  فنان من جيل اكتوى بنار الموهبة وعرف أنّ التمثيل الذي لايصدر عن القلب ويخترق القلب وينظّم حركة الإنسان في حياته ويثقّف وجدانه وعقله ويغيّر في تكوين المشاهد النفسي.. ويشكّل حركة الحياة ليس بالتمثيل، وكل هذه الاشياء غير مفهومة لبعض ممثلي الزمن الحاضر.. ربما لايعرف البعض عن فاضل خليل  سوى أنه ممثل لأدوار قليلة في المسرح  وأستاذ جامعي تفرغ لتقديم خبرته لطلابه.. لكنه أكبر من ذلك بكثير وأهم من ذلك بكثير.. يكفي أنه كان أحد نجوم فرقة المسرح الفني الحديث  في عصرها الذهبي،  واحد أسطوات الاذاعة، وابرز نجوم التلفزيون في زمنه المشرق.
مازلتُ أتذكّر اللحظة الأولى التي شاهدتُ فيها فاضل خليل  عام 1978 يؤدي دور عبد القادر  في مسرحية الخان، يقول لقاسم محمد بصوت محروق من الأسى  :”.. أوف اشوكت راح نرتاح، ونعيش  عيشه ما بيها واوي يصرخ بالراس، نعيش عيشة محسوبة علينا، مو مثل هسه ما نعرف  إحنه محسوبين على الخان، لو محسوبين خارج الخان”حياة نظيفة  كان يتمناها عبد القادر ومثلما تمناها حسين عام 1969 في مسرحية النخلة والجيران   وهي نفس الحياة التي تمناها الشاب القادم من مدينة العمارة  الذي اقتحم  كلية الفنون الجميلة عام 1966 ليسجل نفسه طالباً في قسم المسرح.
لم يكن  الفتى الخجول  يحلم أنه سيجلس مع إبراهيم جلال الذي علّمه السِّحرَ،  وكيف يتحول المسرح ألى الفكر وحياة.ويمثل على خشبة واحدة مع يوسف العاني، ويتحدث مع زينب، ويسمع حكايات”الخال”خليل شوقي، كان آنذاك يملك  حلماً كبيراً لصياغة صورة لعراق جديد شعاره المستقبل وغايته إسعاد الناس وبثّ الفرح في نفوسهم، جاء  فاضل خليل من عائلة فقيرة، يقودها أب مولع بالثقافة، قرر أن يحول بيته الى مكتبة كبيرة، حاول الابن أن ينقل ما تعلمه في مكتبة والده إلى كل أعمالها الفنية، فهو من جيل مأخوذ بحب المعرفة، وبالإصرار على أن ينشغلوا بهموم الناس البسطاء.
ومنذ الأيام الاولى لصداقتي مع فاضل خليل، وأنا  محتار في تبيين حدود الطاقة الداخلية لهذا الممثل الموهوب الذي كان يعكسها في أداء شديد التلقائية والصعوبة في آن واحد.. ولكنه أداء منساب ورائق يأتي من منابع موهبة ودراسة عميقة للشخصية التي يؤديها. هو أداء لانستطيع أن نقوم بوضعه بمربع من مربعات أصول التمثيل سواء كانت عند ستانسلافسكي أو إبرشت أو جروتوفسكي..في الوقت الذي لا نستطيع فيه أن نقول إنه أداء لايلتزم بقاعدة معرفية وبدارسة مستفيضة لعمل الممثل.. صيغة في التمثيل اخترعها فاضل خليل  لنفسه.. ولم تكن وليدة صدفة.. وإنما وليدة إحساس متدفق عُني بأن يدرسه ويفحصه.. ومن ثم يعلّمه لتلامذته.
كان التمثيل بالنسبة له صدى صوت يتردد داخل نفسه ويطالبه بأن يبتعد عن تكرار ما يقدمه الآخرون، كيف لا وهو واحد من جيل جواد الأسدي وعقيل مهدي وفاضل السوداني وعبد الجبار كاظم وصلاح القصب.. جيل تمرد على القواعد وحطم المألوف، جيل لم يهدأ ولم يستقر، جيل اتسم بالتجديد الى جانب العمق، جيل جبل على الصبر والتواضع والمعرفة، لكنه بالمقابل جيل الزهو الذاتي.
أخرج  مسرحيات كثيرة، ومثّل مسرحيات كثيرة أيضا. وكان هو البطل في الإخراج وفي التمثيل. ووضع كتباً ودراسات ومقالات  كان فيها جميعا  يُظهر دوره دائماً كناقد ومعلم والأهم ذواقه من الطراز”الفخم”للفن بشكل عام والمسرح بشكل خاص..
كان صديقي الذي يحب كنية”الفخم”يطلقها على كل عمل مسرحي يدهشه أو كتاب يستهويه أو أغنية يطرب لها، أو فيلم سينمائي يدهشه، أحد الكبار الذين أفدنا جميعا من تجربتهم  المهنية والأخلاقية في الفن والحياة  وكان مكتبه في كلية الفنون الجميلة أيام ما كان عميداً لها، مكتب استشارة فنية  لكل من يصل إليه من الطلبة والأساتذة. فوجوده كان يبعث على الطمأنينة، ومثابرته كانت تبعث على الأمل. وعندما استسلم هادئاً لمرضه الأخير، كان لا يزال يحلم بمشروع ما، بمسرحية  ما. حتى لحظة موته كانت أشبه بمشهد مسرحي توقع الجميع أن ترفع الستار ليظهر فاضل خليل من جديد ضاحكاً وهو يحيّي الجمهور،  لكن الضحكة هذه المرة لم تكتمل.. فقد قررت ان تاكل صاحبها.. الرجل الذي كان يشبه نفسه لانه كان بحق تعبيرا عن جيله.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية