العدد(4048) الاثنين 23/10/2017       25 تشرين الاول 1920ذكرى تاسيس وزارة النقيب المؤقتة..المس بيل تتحدث عن تأليف الوزارة العراقية الاولى       افتتاح سدة الهندية الاولى في تشرين الاول 1890..سدة (شوندورفر) في الهندية.. كيف أنشئت وكيف انهارت؟!       الحلة في الحرب العالمية الأولى .. مأساة عاكف بك الدموية سنة 1916       المعهد العلمي 1921 اول ناد ثقافي في تاريخنا الحديث.. محاولة رائدة في محو الامية..       عبد العزيز القصاب يتحدث عن انتحار السعدون.. كيف فتحت وصية السعدون ومن نشرها؟       من يوميات كتبي في لندن : أهمية الكتب المهداة والموقعة       في ذكرى رحيله (22 تشرين الاول 1963) ناظم الغزالي.. حياة زاخرة بالذكريات الفنية       من طرائف الحياة الادبية..الشاعر الكاظمي وارتجاله الشعر بين الحقيقة والخيال       العدد (4045) الخميس 19/10/2017 (مؤيد نعمة 12 عاماً على الرحيل)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :28
من الضيوف : 28
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 17969663
عدد الزيارات اليوم : 1298
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


لا تدعني اذهب ابداً والخيارات الاخلاقية

ترجمة: لطفية الدليمي
مقطع  من الفصل السادس المعنون (المستقبل والرواية المعاصرة) من كتابي المترجم  (الرواية المعاصرة) للبروفسور (روبرت إيغلستون) الذي سيصدر قريباً عن دار  المدى، والمقطع يتناول رواية (لاتدعني أذهب أبداً) للروائي كازو إيشيغورو  الفائز بجائزة نوبل للأدب 2017.


رواية لاتدعني أذهب أبداً  Never Let Me Go (2005) للروائي كازو إيشيغارو Kazuo Ishiguro تختلف عن الرواية السابقة : تكرّس هذه الرواية جانباً مهماً منها للخيارات الأخلاقية والعلاقات العائلية (الشخصية الرئيسية في الرواية هي فتاة تُراقِص لعبة للأطفال وتتظاهر بأنها أمّ) ؛ غير أنها ترسم صورة للمستقبل أكثر تشاؤماً ورعباً بكثير ممّا تفعل الرواية السابقة، لكن هذه الصورة التشاؤمية المرعبة والمظلمة  تنساب بخفة وتؤدة مع تطور الرواية ولانكاد نرتطم بوقعها الصادم فينا بسبب لمسة المقاربة الخفيفة التي برع فيها الكاتب، وكذلك بسبب المزاج الهادئ غير المنفعل للشخصية المركزية في الرواية، كاثي إج. Kathy H (الرواية تُسرَد بصيغة الشخص الأول)، وبسبب هذه المزايا في الرواية فإن تاثير”مابعد القراءة after - reading”يستمر طويلاً مع القارئ  (المقصود بمصطلح مابعد القراءة هو الطريقة التي يستمر بها تأثير الرواية في القارئ لبعض الوقت بعد إتمامه قراءة الصفحة الأخيرة منها). إن كل أعمال إيشيغورو  تختصّ بالمساءلة الإستكشافية للتشابكات التأريخية المعقدة بين الفرد ومجتمعه الأوسع وبخاصة في تلك الأوقات التي يكون فيها المجتمع أمام معضلات أخلاقية مفصلية عميقة التأثير، ويعمل إيشيغورو دوماً على إقتفاء أثر المثالب الجمعية والتواريخ الفاسدة، ومن ثمّ مساءلة كيفية ترشّحها ومفاعيل تأثيرها في الشخصيات الرئيسية لرواياته. رواية (لاتدعني أذهب أبداً) تختلف قليلاً عن الخط العام لروايات إيشيغورو من حيث أنها تركّز الاهتمام الأكبر فيها على شخصية ليست مُساهِمة في الفساد بل هي ضحية من ضحاياه العديدين. تحصل وقائع الرواية في إنكلترا أواخر تسعينات القرن العشرين، وهي تبدأ على النحو التالي :

   إسمي كاثي إج. (Kathy H.). أنا بعمر الحادية والثلاثين، وقد عملت في حقل خدمة الآخرين مايزيد على الأحد عشر عاماً. أعلم أن هذه الفترة تبدو طويلة ؛ غير أنهم يريدونني أن أعمل في الخدمة لثمانية شهور إضافية وحتى نهاية هذه السنة.

   حرف (إج H) ذو دلالة بالغة : ماالسبب وراء عدم إمتلاك كاثي إسماً كاملاً؟ يذكّرُنا الحرف المفرد هذا بتلك الشخصيات في روايات كافكا الموصوفة بحرف (K) والعالقة في عوالم متصارعة، ويذكّرنا كذلك بالشخصيات التي تدعى بأرقام لصيقة  بها (تذكير بحال السجناء كما جرت العادة غالباً، المترجمة)، وفوق ذلك فإن مصطلح (العمل في خدمة الآخرين) يبدو ببساطة أكثر من محض وصفٍ لوظيفة يؤديها المرء.

    تمضي كاثي في وصف نشأتها في مدرسة أنيقة ثرية تدعى (هاليشام)، ولايبدو الطلبة في تلك المدرسة منخرطين في تحصيل دروس كثيرة باستثناء الفنّ، ويدعى المدرّسون في هذه المدرسة (الحرّاس) - تلك إستعارة أنيقة أخرى في تلك المدرسة الأنيقة.  يبدأ القارئ شيئاً فشيئاً، ومع تقدّمه في قراءة الرواية، يدرك بأن كاثي وزميلها تومي وكلّ أصدقائهم الآخرين ليسوا سوى مستنسخات بشرية Clones، وانهم ماوُجدوا لغرض سوى التبرّع بأعضائهم البشرية  (يوصفون بالمتبرّعين عوضاً عن كونهم هِباتٍ مجانية، وهذا جانب من جوانب العالم الفظّ ذي النظرة المشوّهة. في إنعطافة كفوءة من جانب المؤلف يعمل بعض هؤلاء المتبرعين في خدمة زملائهم المستنسخين المحتضرين، وهنا نسمع، وبصورة أساسية، صوت قطعة من التقنية : كائن بشري مستنسخ وراثياً له مشاعر، ورغبات، ومخاوف، وشخصية - هو شخص بشري مثلنا إذن - قُدّر له أن يستخدم ثم يُطرَح جانباً. لنستمع إلى أحد الحرّاس المتقاعدين وهو يخبر كاثي :

   ينبغي أن تحاولي رؤية الأمر من الوجهة التأريخية.  بعد الحرب (المقصود هو الحرب العالمية الثانية، المترجمة)، في بداية  الخمسينات، وبعد أن توالت الفتوحات العلمية العظيمة بسرعة عظيمة لم يكن ثمة مايكفي من الوقت لطرح أسئلة حساسة تفيض بالمشاعر. كان امامنا فجأة الكثير من هذه الإمكانيات الجديدة، والطرق الجديدة في علاج حالات كانت تعدّ سابقاً عصية على العلاج..... لوقت طويل فضّل الناس الإعتقاد بأن هذه الأعضاء البشرية تظهر من لاشيء، او في أقصى الحالات كانوا يظنون أنها تُزرَعُ في نوع من الفراغ. كان ثمة دلائل ؛ غير أن الناس عندما باتوا مهتمّين بأمر... بأمر الطلبة (أي المتبرّعين من طلبة مدرسة هاليشام، المترجمة) كان الوقت قد فات وتأخّر الأمر كثيراً.....  كيف يمكنك أن تطلب من عالمٍ بات مقتنعاً أن السرطان داء يمكن علاجه،،، كيف يمكنك أن تطلب من هكذا عالَمٍ ان يطرح كل شيء جانباً ليعود ثانية إلى الأيام المظلمة؟  بصرف النظر عن مدى شعور الناس بعدم الراحة أزاء كينونتك الوجودية فإن إهتمامهم الطاغي الأول سيبقى في ضمان أن لايموت أطفالهم او شركاؤهم أو والديهم أو اصدقائهم بسبب السرطان أو إعتلالات الأعصاب الحركية او أمراض القلب..........

   يُشجّعُ الطلبة في هاليشام على إنتاج الفنّ لأنه - كما يقول الحارس المتقاعد -”سيكشف عن حقيقة ذواتكم الداخلية..... لأن فنّكم سيكشف عن أرواحكم!”، وهذا الفنّ الذي يبدو رؤيوياً إلى حدّ ما إستخدمه الكاتب كواحد من الدلائل للبرهنة على ان تلك المستنسخات البشرية كانت إنسانية إلى حد بعيد وينبغي أن تلقى معاملة أفضل بكثير، ولكن لايبدو أن لها تأثيراً كبيراً في إحداث فرق محسوس بأي قدر كان : كاثي ورفقاؤها واقعون في مصيدة لايستطيعون منها فكاكاً، وهذه المصيدة لاتتمثّل في الحرّاس أو الأبنية المسوّرة بجدران عالية ؛ بل هي ببساطة القبول العالمي المذعن لهذا (التفكير التقني) الذي يقبل وجود كاثي ورفقائها من أجل نحرهم لاحقاً طلباً لأعضائهم البشرية، ولايبدو ثمة ممانعة من جانب هؤلاء ولابارقة  أمل في الخلاص كذلك. نحن في الغالب لانلحظ (الإطار) التقني الذي يغلّف حياة هؤلاء (كاثي ورفقائها)، وربما يفيدنا هذا الإطار من خلال تذكيرنا بالكيفية اللامبالية التي نتعامل بها مع الكثير من الأطر التقنية في حياتنا غير الروائية بحيث باتت الأمور تُقبَلُ كما هي من غير مساءلة جدية للآثار المترتبة عليها، وهنا يحضر على الفور الناقد الألماني العظيم (والتر بنجامين Walter Benjamin) الذي كتب يوماً (ليس ثمة وثيقة تحكي عن الحضارة وهي ليست في الوقت ذاته وثيقة للبربرية المقترنة بتلك الحضارة).

   الصورة الأساسية والأكثر جوهرية في الرواية بكاملها هي تلك التي نرى فيها كاثي وهي ترقص لوحدها على أنغام أغنية (لاتدعني أذهب أبداً) وتُلاعب دمية لها في الوقت ذاته :

   سأتخيّل...  إمرأة أخبروها بأن لن يكون لها أطفال وهي التي لطالما تاقت حقاً لهؤلاء الأطفال كلّ حياتها، ثم تحصل معجزة، شيء مثل معجزة، ويكون لها طفل، وتحمل ذلك الطفل قريباً في احضانها وتتجول وهي ملتصقة به وتغني (طفلي، لاتدعني أذهب أبداً.....) لأنها مفرطة السعادة والفرح ؛ ولكن أيضاً بسبب كونها خائفة من أن شيئاً مخيفاً سيحصل : ربما سيمرض ذلك الطفل أو سيؤخذ بعيداً عنها......

   لايسمح لكاثي أبداً بأن يكون لها أطفال، ولربّما تكون قد صمّمت وراياً لتكون غير قادرة على إنجاب أطفال. الطفل إذن في الرواية هو كناية عن ذاتها هي، المسلوبة، وعن آمالها وتطلعاتها لمستقبلها الشخصي المتسربل بالفناء، والقاحل والعبثي والخالي من لحظات البهجة ماخلا تلك البرهات التي تداعب فيه دميتها الأثيرة. إن فقدان الأمل في مستقبل طموح بالنسبة للمستنسخات البشرية (وهو ماتعبّر عنه تلك الصورة الأمومية الجديرة بكل شفقة وتعاطف) هو بالضبط نتيجة لغياب الحب الإنساني الشفاف والرقيق الذي يكنّه المرء لأطفاله، وشركائه في الحياة، وأبويه، وأصدقائه،،، وبهذه الكيفية، ومن خلال الحب، ينعطف أي أمل خالص في التقنية وحدها ليستحيل أمراً شريراً في نهاية المطاف.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية