العدد(4048) الاثنين 23/10/2017       25 تشرين الاول 1920ذكرى تاسيس وزارة النقيب المؤقتة..المس بيل تتحدث عن تأليف الوزارة العراقية الاولى       افتتاح سدة الهندية الاولى في تشرين الاول 1890..سدة (شوندورفر) في الهندية.. كيف أنشئت وكيف انهارت؟!       الحلة في الحرب العالمية الأولى .. مأساة عاكف بك الدموية سنة 1916       المعهد العلمي 1921 اول ناد ثقافي في تاريخنا الحديث.. محاولة رائدة في محو الامية..       عبد العزيز القصاب يتحدث عن انتحار السعدون.. كيف فتحت وصية السعدون ومن نشرها؟       من يوميات كتبي في لندن : أهمية الكتب المهداة والموقعة       في ذكرى رحيله (22 تشرين الاول 1963) ناظم الغزالي.. حياة زاخرة بالذكريات الفنية       من طرائف الحياة الادبية..الشاعر الكاظمي وارتجاله الشعر بين الحقيقة والخيال       العدد (4045) الخميس 19/10/2017 (مؤيد نعمة 12 عاماً على الرحيل)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :28
من الضيوف : 28
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 17969690
عدد الزيارات اليوم : 1325
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


من تاريخ كربلاء..مشاهدات الرحالة نيبور في كربلاء

ترجمة و إعداد: د.عدنان جواد الطعمة
يعتبر  الرحالة الألماني كارستن نيبور من كبار و اشهر الرحالين الأوروبيين الذين  زاروا كربلاء بعد الرحالة البرتغالي تكسيرا.أحاول قدر الإمكان ترجمة ماذكره  كارستن نيبور عن رحلته هذه بأمانة و موضوعية مهما كانت تعليقاته سلبية أم  إيجابية، لكي يطلع السادة المؤرخون و الباحثون عن تفاصيلها كاملة.كما أود  الإشارة بأن الرسوم التي رسمها باللون الأسود عن العتبات المقدسة في العراق


 قمت شخصيا بتلوينها لإعطائها رونقا خاصا يليق بها، علما باني قمت ايضا بترجمة خريطة رحلته إلى العربية ورسمتها.و للفائدة العامة سأنشرها كلها مع نبذة عن تاريخ حياة الرحالة الكبير و كذلك الأمر الملكي الذي صدر من الملك الدانماركي فريديريك الخامس الذي أمر أعضاء المشاركين في البعثة إلى المنطقة العربية باحترام مشاعر و مقدسات المسلمين و عدم التعليق عليهم أو المساس بعقيدتهم ومشاعرهم.
في منتصف القرن الثامن عشر تمتع الملك فريديريك الخامس ووزيره بسمعة وسط أوربا بأنهم رعاة فن.وكان هذا في البال عندما اقترح البروفسور Johann David Michaëlis في ألمانيا على Tydske Kancelli) إن على الملك أن يرسل ببعثة استكشافية إلى البلدان المجهولة، ما كان يزعم في التاريخ القديم بالعربية السعيدة.و عزز طلبه بالنظر إلى المقترح وفق ما جاء في الإنجيل بهذا الخصوص:”طبيعة هذه البلدان مازالت غنية بإمكانياتها و والتي نجهلها نحن": هذه القصة تعود إلى عهد قديم جدا، اللهجة فيها تختلف عن العربية الغربية التي نعرفها.هذا كان أهم الأدوات حتى الآن التي مكنتنا من فهم العبرية.أية إضاءة لا نتوقعها تُلقى على الإنجيل، أهم كتب العهد القديم، والتي علمتنا اللهجة الشرقية للجزيرة العربية كما عرفنا الغربية.الإقتراح الأصلي كان بإرسال رجل إلى اليمن من ترانكابار في الهند، ولكن خلال أربعة أعوام تطورت الفكرة إلى رحلة استكشافية علمية متكونة من خمسة رجال جذبوا اهتمام كل عالم العلم الأوربي.
في كوبنهاجن عمل جملة من البروفيسورية في الجامعة مخطط بالأمر ووصاياه الملكي الذي يقضي الملك فريدريك الخامس بموجبه إرسال البعثة في 15/12/ 1760. ومن جملة الوصايا :
على كل المشاركين أن يظهروا أدبا ولطفا شديدين اتجاه السكان العرب.عليهم ألا يبدو أي اعتراض لدينهم.علاوة على ذلك ألا يعطوا انطباع وإن كان غير مباشر حول ازدرائهم للدين.عليهم الإحجام عن كل ما يثير بغيضة السكان العرب.ومن الضروري أيضا من خلال مهمتهم أن يحرصوا قدر الإمكان على عدم إثارة الشبهات، أو إثارة شك المحمديين الجاهلين حول تصور تجسسهم، أو بحثهم عن كنوز، أو ممارسة السحر والشعوذة أو إيذائهم للبلد.يجب عليهم ألا يثيروا حفيظة وغيرة وانتقام العرب عبر طرح النموذج الليبرالي الأوربي بالتعامل مع المرأة أو الإتيان بما يشابه ذلك.وكما هو الهدف أيضا من التعليمات تذكيرهم بالالتزام الأخلاقي وعدم توجيه الاهتمام لأي شكل من أشكال الحب الذي في غير محله للأشخاص المتزوجين أو غير المتزوجين الذي من الممكن أن يدعو إلى إثارة الرغبة الشرقية بالانتقام.يجب عليهم حتى في أقصى حالات التعرض للمضايقة الشديدة أو الشتيمة وأن كانوا في حماية السلطات المدنية عدم الدفاع عن أنفسهم باللجوء إلى العراك.التجربة في هذه البلدان التي يحكمها”الدين الإسلامي”تبين مدى خطورة هذه الأمور حيث إهانة المسلم يثأر لها بقتل المتعدي.إزاء ذلك الذي من الممكن أن يؤدي إلى تعرض المسافرين الآخرين إلى المضايقة لا نحذر بجدية فقط، بل نمنع هذه الأفعال الطائشة منعا باتا.هذا الذي يخالف التعليمات ويجلب لنفسه المتاعب، نتركه لقدره ولا نجبر الآخرين من المسافرين من المجموعة حمايته حتى لا يعرضوا حياتهم للخطر.
انطلقت الرحلة في الرابع من كانون الثاني عام 1761.خط مسار الرحلة كان عبر القسطنطينية والإسكندرية إلى القاهرة والمواصلة على طول ساحل البحر الأحمر حتى اليمن حيث أقاموا هناك من شهر كانون الأول 1762 إلى أواخر شهر آب 1763.في اليمن توفي اثنان من المشاركين von Haven, Forskal بسبب الإصابة بالملاريا على ما يبدو.
الأربعة الآخرون أبحروا إلى بومباي، وبعدها توفي اثنان آخران هما Baurenfeind , Berggren خلال الرحلة.وفي بومباي توفي الخامس Kramer وحيث الوحيد الحي الذي بقي هو Carsten Niebuhr.أكمل رحلته إلى عمان وإيران ومن ثم عبر العراق و سورية إلى فلسطين مرورا بقبرص.من ثم من القدس إلى القسطنطينية وإلى أوربا الشرقية ومن ثم كوبنهاجن التي وصلها في العشرين من شهر تشرين الثاني عام 1767.

وإليكم نص رحلة الرحالة الألماني الشهير كارستن نيبور من الحلة إلى كربلاء بتاريخ 27 كانون الأول/ ديسمبر 1765 ميلادية:
بقيت في الحلة في اليوم السادس والعشرين من كانون الأول.وفي اليوم التالي توجهت لمواصلة رحلتي إلى مشهد الحسين (الحضرة الحسينية)، و هي التي بنيت في هذا المكان والمشهورة عند (المحمدية على حد تعبيره) المسلمين بإسم كربلاء.تقع و تبعد مدينة كربلاء حوالي باتجاه الشمال الغربي سبع ساعات أو خمسة أميال ألمانية عن مدينة الحلة.و على جنبي الطريق كله لا يرى المرء شيئا سوى الطهمازية، و هي قرية كبيرة تكثر فيها بساتين وحدائق النخيل التي زرعت فسائلها من قبل شاه عباس (أنظر اللوح Tab.XLI.).
كربلاء في ذلك الوقت الذي استشهد الحسين مع كثير من أقربائه و اصحابه غير مأهولة بالسكان، لكن هذه المذبحة (المعركة) أتاحت الفرصة لإسكان هذه البقعة.وقد تم مد وتوصيل المياه (بواسطة نهر الحسيينية - المترجم) من نهر الفرات إلى هناك، أما الآن فإن المرء يرى غابة نخيل كبيرة.
و مدينة كربلاء التي تقع فيها غابة النخيل هي أكبر و عدد سكانها أكثر من عدد سكان مدينة مشهد علي (النجف)، إلا أن بيوتها لم تكن مبنية بناءا متينا لكي تبقى دائمة، بل أنها بنيت مثل بيوت البصرة و الحلة و أغلبها من الطين و اللبن غير المحروق (مشوي).لدى سور المدينة خمسة أبواب، وسور المدينة بالمناسبة أيضا مبني من أحجار الطين و اللبن غير المحروق والتي جففت فقط تحت حرارة الشمس.و سور المدينة الآن مهشم و متهدم كليا.
بهذا الزي التركي دخل كارستن نيبور إلى الحضرة الحسينية في كربلاء والغريب هنا أن يلاحظ المرء مشهدا كبيرا (حضرة كبيرة) فيه مصلى صغير يطلق عليه بإسم مذبح الحسين.لقد بني المذبح فوق المكان أو الموضع الذي دعس الحسين بحوافر الخيول و دفن فيه، في حين يشك البعض بإمكان أحد أن يحدد موضع مذبح الحسين و دفنه بالضبط، وكأنهم ينكرون بوقوع لمذبحة (المعركة) في هذه البقعة.
رأيت من الخطر أن أرسم هذا الجامع (الحضرة الحسينية) لأنه أكثر خطورة من مشهد علي.ولم أسمح لنفسي الظهور أمام المدخل في النهار، و لكني ذهبت في المساء بصحبة مرافقي في السفر و ارتديت عمامة تركية و دخلت داخل الحضرة بمناسبة إحدى الزيارات والأعياد الكبيرة، حيث كانت كل من و الصحن و الأماكن مضاءة.
و عند عودتي إلى سكني رسمت اللوح الذي سيوضّح للقارئ على الأقل نوعية بناء هذا الحرم.

و الواجهة الأمامية لجدار الحضرة مملوءة بالنوافذ (الشبابيك) الزجاجية، منظر فريد لا يشاهد المرء مثله في مكان آخر في هذه البلاد إلا شبابيك خالية من الزجاج.
و لعل زجاج نوافذ الواجهة الأمامية او الجدار الأمامي كان هدية من تاجر إيراني الذي قام بنفسه بشحن و إرسال الزجاج من معمل في مدينة شيراز.
و خلف البناية الأمامية شيدت قبة عالية و تحتها دفن الحسين كما يدعي المرء.و تحيط بالقبة أربع منائر (مآذن) صغيرة و خلفها شيدت أربع قباب عريضة نسبيا إلا أنها لم تكن عالية (مثل قبة الحسين)، ولهذا السبب لم يكن بإمكاني رسمها من هذا الجانب.و جميعها مشيدة و قائمة في ساحة كبيرة (يقصد بها صحن الحسين - المترجم) تحيط بها من أطرافها الأربعة مساكن السادة و العلماء و خدمة الروضة.
و أمام الباب الرئيسي للجامع (للحضرة الحسينية - المترجم) كان يوجد شمعدان كبير ضخم يحمل مصابيح و أضوية كثيرة لم يكن موجودا مثله في مشهد الإمام علي.و لم يلاحظ المرء يوم ذاك وجود الذهب في الروضة الحسينية.و على الرغم من وجود تحفيات نفيسة عند ضريح الإمام الحسين، إلا أنه لا يمكن مقارنتها بتلك النفائس التي كانت موجودة عند ضريح الإمام علي.يظهر الشيعة للعيان هنا أيضا قبور أقرباء و أصحاب الحسين الذين استشهدوا و فقدوا حياتهم في واقعة (مذبحة) كربلاء و الذين يعتبرونهم شهداءا.وقد شيّد للعباس (الأخ غير الشقيق للحسين) جامع كبير داخل المدينة تقديرا لمواقفه البطولية و تضحيته التي تحدث لي الناس عنها، وأود ذكر ما يلي عنها فقط:
عانى الحسين كثيرا من العطش الشديد، حيث أرسل أخاه العباس إلى الخيمه كاه (المخيّم) لجلب الماء، إلا أن العباس لم يجد في المخيم الماء.ثم ركب فرسه حاملا معه قرابه و اتجه نحو الشمال لمدة ساعة.و هناك ملأها بالماء.و في أثناء طريق عودته تعرض له الأعداء الذين حاولوا أخذ الماء منه و قطعوا إحدى يديه و مسك القربة باليد الأخرى، إلا أنهم بتروها أيضا.وأخيرا مسك العباس القربة بين اسنانه و في تلك اللحظة رمى أحدهم القربة بالسهم وثقبها و سال الماء , و هكذا عاد العباس إلى أخيه الحسين بدون ماء و لم يستطع إطفاء ظمأ الحسين ,
من المزارات أو الأمكنة العجيبة التي يؤمها الزوار هو المكان الذي سقط فيه فرس (جواد) الحسین براكبه و يجد المرء مثله خارج المدينة في طريقه إلى مشهد الإمام علي، و فوق هذا المكان شيّد مزارا صغيرا.
وقد حدثني دليلي و مرافقي في الرحلة عن خطب و أحاديث و أقوال الإمام الحسين هنا لأفراد عائلته و عن الأوامر التي وجهها إلى عسكره و أصحابه، إعتبرتها زائدة عن اللزوم لتدوينها.
أمر الحسين بنصب خيمته لآخر مرة في الخيمه كاه (المخيّم).يبدو المخيم الآن حديقة كبيرة على الجانب الآخر من المدينة.و في المكان الذي لم يجد العباس فيحینه ماءا، يرى المرء بركة (أو بئرا) كبيرة.و يعتقد الشيعة أن تدفق ماء البئر نشأ من خلال معجزة، حيث تعتبر هذه البئر (البركة) مقدسة لديهم، بحيث يأتي الزوار إلى هنا حبا للحسين و يتباركون بشرب الماء منها حتى الثمالة، و يعتقدوم بأنهم أيضا سيصبحون شهداءا.و في هذه الحديقة يوجد أيضا مبنى مهجور يشير إلى أن خيمة الحسين نصبت هنا.و بالقرب من هذا المبنى يشاهد المرء مبنى صغيرا واطئا دفن فيه شهداء آخرون.
إن صاحبة المنزل الذي أسكن فيه سيدة عجوز أرملة، فرحت كثيرا عندما سمعت بأني زرت قبر العريس القاسم.و هذا الشهيد كان بالنسبة لها من الشهداء المفضلين عندها.و في أثناء حديثها لي عن هذا الشاب الشجاع كانت الدموع تسيل في عينيها، حيث قالت أنه كان قد التزم بالعرس لأنه كتب و أمضى عقد الزواج بحضور شهود، و لكنه في يوم و ليلة عرسه أستشهد مع الحسين و الشهداء الآخرين.وكانت السيدة العجوز الطيبة تعلم و تعرف عن كل كلمة تحدث بها الحبيبان (المخطوبان) مع بعضهما قبل بداية الواقعة.
كنت هنا في شهر رجب عندما كان البدر كاملا ساطعا، وكان مئات الحجاج يفدون في ذلك الوقت من أجل أن يقضوا ليلتهم عند قبر الإمام الحسين.
و لما لم يكن لديهم تقويما مطبوعا، وكانوا غير متأكدين من تاريخ أيام زيارتهم فإن أغلبيتهم يبقون ليلتين في الحضرة و الصحن، لكي يتأكدوا من عدم فوات مواعيد زيارتهم.
رايت هنا و بكل تقدير و إعجاب كيف أن المؤمنين يؤدون صلاتهم و زيارتهم و كيف أنهم يقبلون باب المدخل الرئيسي للحضرة الحسينية بحماس.و في داخل الحضرة و بسبب حزنهم العميق على استشهاد الحسين يقبلون أرضية الحضرة الحسينية بشوق و حماس ايضا و قسم منهم يضربون رؤوسهم ضد الجدران و ضد شبابيك الضريح المعدنية بقوة.
و حتى بعض الزوار و من شدة الحزن و الإنفعال و الصراخ يمر بمرحلة لاشعورية عند قبر الإمام الحسين الكبير يقتل نفسه لإعتقاده بأنه سيصبح شهيدا و يدخل الجنة مع الحسين و أهله و اقربائه و اصحابه الشهداء لأنه ضحى بحياته للحسين.يجب أن أعترف بأني لم أسمع رثاءا أكثر من رثاء الشيعة في هذا الجامع (الحضرة الحسينية).فالناس يبكون ويصرخون فكأن الحسين ابوهم المتوفي اليوم.و هذا الحزن لم يكن للرياء، مثل رثاء بعض النساء اللواتي يبكين على الميت من أجل النقود، بل حزنهم حقيقي نابع من القلب، بحيث أن عيون الزوار الخارجين من أو الداخلين إلى الجامع (الحضرة الحسينية) كلها كانت وارمة.و أن أهالي هذه المدينة هم أكثر حزنا و حماسا من الذين في مدينة مشهد علي.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية