العدد(4048) الاثنين 23/10/2017       25 تشرين الاول 1920ذكرى تاسيس وزارة النقيب المؤقتة..المس بيل تتحدث عن تأليف الوزارة العراقية الاولى       افتتاح سدة الهندية الاولى في تشرين الاول 1890..سدة (شوندورفر) في الهندية.. كيف أنشئت وكيف انهارت؟!       الحلة في الحرب العالمية الأولى .. مأساة عاكف بك الدموية سنة 1916       المعهد العلمي 1921 اول ناد ثقافي في تاريخنا الحديث.. محاولة رائدة في محو الامية..       عبد العزيز القصاب يتحدث عن انتحار السعدون.. كيف فتحت وصية السعدون ومن نشرها؟       من يوميات كتبي في لندن : أهمية الكتب المهداة والموقعة       في ذكرى رحيله (22 تشرين الاول 1963) ناظم الغزالي.. حياة زاخرة بالذكريات الفنية       من طرائف الحياة الادبية..الشاعر الكاظمي وارتجاله الشعر بين الحقيقة والخيال       العدد (4045) الخميس 19/10/2017 (مؤيد نعمة 12 عاماً على الرحيل)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :27
من الضيوف : 27
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 17969722
عدد الزيارات اليوم : 1357
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


ستيفن هوكنج وخلق العالم؟

محمد باسل الطائي
أثار كتاب  الفيزيائي البريطاني ستيفن هوكنج الذي عنوانه (التصميم الأعظم) حتى قبل  صدوره الرسمي في التاسع من أيلول الماضي عاصفة من الردود والتعليقات عبر  وسائل الاعلام العالمية والبريطانية على وجه الخصوص. ذلك أن هوكنج صار يؤكد  أن الكون لا يحتاج إلى خالق بل إن الجاذبية كفيلة بالقيام بالدور اللازم  لنشأة هذا العالم بالصورة التي هو عليها.


والحق أن ستيفن هوكنج يريد الرد على تساؤل طالما دار في نفسه منذ زمن طويل، ذلك التساؤل الذي ظهر لي وأنا أحاوره على هامش المؤتمر الثامن لفيزياء النسبية والجاذبية الذي عقد في جامعة واترلو بكندا عام 1977 حيث كنت واحدا من المساهمين فيه وحضره 530 عالماً من علماء الفيزياء في العالم. سألت هوكنج: هل تعتقد أن هنالك فيما وراء هذه المعادلات الرياضية التي نخطها في بحوثنا شيئاً ما لا تستطيع المعادلات أن تصفه؟

أجابني أنا مؤمن بأن أي شيء ذي معنى يجب أن يكون منطقياً على الأقل. قلت: وهل تجد أن هنالك فيما وراء كل هذا النظام وهذا البنيان شيئاً منطقياً؟ أجابني بعد تأمل: أنا أبحث عن موجد هذا النظام... والآن وبعد أكثر ربع قرن على تلك المحاورة لم يجد هوكنج شيئاً فيما يبدو. ولكن لماذا؟ لماذا يجد بعض علماء الفيزياء على وجه الخصوص أنفسهم في مواجهة محرجة مع المجهول إذ يناقشون وجود الخالق؟ أليس العلماء أولى بمعرفة الخالق والوصول اليه؟ ما هي الإشكالية القائمة بين العلم والدين في الغرب وهل من سبيل إلى إيجاد توافق بينهما؟
مما لا شك فيه أن هنالك تياراً واسعاً ضمن الوسط العلمي في الغرب يتحفظ بشدة على وجود أي تأثير غيبي في العالم. ويجد هذا التيار أن العالم لا يحتاج إلى الله لتفسير حوادثه. فلكل حدث سبب ولكل حدث مُسبب هو فعل فيزيائي يتحرك في إطار منطقي مفهوم في إطار فيزيائنا المعاصرة. وليس هذا التوجه جديداَ بل كان قد بدأه بيير لابلاس في القرن الثامن عشر عندما أعلن في حضرة نابليون أنه لا يجد ضرورة لوجود الله لكي نفهم حركة السماوات. كان لابلاس وقتها يتحدث بمنطق العلم على عصره ذلك العلم الكلاسيكي الذي جسد الكون جملة ميكانيكية هائلة تحكمها قوة الجاذبية بصرامة كبيرة وتجعل حوادث العالم حتمية لا سبيل إلى أي خلل فيها. وبهذا تصير جميع الحوادث قابلة للتنبؤ بها حالما نعرف اشتراطاتها الابتدائية ونعرف القوانين التي تحكمها. وبدا هذا الأمرمنطقياً تماماً وبموجبه تمكن لابلاس وغيره من التنبؤ بمواعيد الخسوف والكسوف وطلوع الكواكب وحلول الشمس في منازلها وظهور المذنبات الدورية بدقة زمانية ومكانية غير مسبوقة. وهكذا مضى الحال وأسست حتمية لابلاس بهذا نتيجة فلسفية تقول بأن الكون حتمي. وبقي هذا الموقف على ما هو عليه حتى مطلع القرن العشرين إذ هبت رياح التغيير على الفيزياء فتمت كشوف تجريبية جديدة لم يعد بمستطاع نظرية الفيزياء الكلاسيكية تفسيرها. فوضع بلانك ونيلز بور وهيزنبرغ وشرودنجر وديراك الأسس النظرية لميكانيك الكموم. ووضع ألبرت أينشتاين الأسس النظرية لعلم الحركة الجديد الذي يقوم على تداخل الزمان والمكان ونسبيتهما. وهكذا بدأ عهد جديد في الفيزياء سمي الفيزياء الحديثة.
كان أهم السمات الجديدة لفيزياء الكموم تقريرها أن العالم جوازي إحتمالي وليس حتمي. بمعنى أن نتائج فعل ما نسميه القوانين الطبيعية ليس يقينياً بالصورة التي تصورها بيير لابلاس بل هنالك قدر أدنى من اللايقين أو عدم التحديد في قيم القياسات التي نجريها. وفي إطار نظرية الكم يتسبب هذا اللايقين عن الطبيعة الثنائية للعالم الذري، ثنائية الموجة والجسيم، حيث نجد الجسيمات تتصرف كأمواج والأمواج تتصرف كجسيمات. هذا الكشف الخطير زلزل البنيان المادي الحتمي لفلسفة العلم. وعلى الرغم من أن تلاميذ لابلاس بقوا فخورين بحساباتهم الدقيقة للميكانيك السماوي وحركة الكواكب والشمس والقمر إلا أن التأسيس النظري والفلسفي لذلك المنطق الحتمي أصبح لاغياً. وهنا يبرز السؤال الكبير: إذا كان الكون إحتمالياً وليس حتمياً فمن يتلاعب إذن بالإحتمال؟ وإذا لم تكن نتائج فعل قوانين الطبيعة حتمية فكيف يمكن أن تقوم بنية تركيبية بهذا القدر من النظام؟ لماذا لم يظهر الكون عشوائياً همجياً؟ هذا جملة من أسئلة كبرى إهتزت لها عروش عقول كبرى في مقدمتها عقل أينشتاين نفسه.
المشكلة التي يواجهها هوكنج وغيره بخصوص مسألة الإيمان بوجود خالق ذات رُكنين الأول هو أنهم يعتقدون أن كوناً يهيمن عليه الله لابد أن يكون عشوائياً يعمل بالمعجزات... وهذا ما تضمنه موقف البروفسور ستيفن واينبرغ خلال مناظرته الشهيرة مع البروفسور جون بولكنهورن عام 2002 بشأن توافق العلم والدين حيث يقول واينبرغ إنه على استعداد للإيمان بوجود إله فيما لو ظهر سيف من نار في القاعة فجأة ليقطع رأسه... فأجابه بولكنهورن إن الله لا يعمل بهذه الطريقة.
والركن الثاني في مصيبة إلحاد بعض الفيزيائيين أنهم يتصورورن أن قوانين الفيزياء التي يكتشفونها هي عين الحقيقة المشغلة لهذا العالم على حين أن الفيزياء نفسها تشير الى أن هذا غير صحيح فما نتوصل اليه هو صياغاتنا نحن لقوانين العالم وليس بالضرورة أن وصفنا صحيح فإن قانون نيوتن في الجاذبية مثلا غير صحيح في الوجه الدقيق كما بين ذلك أينشتاين من جانب آخر فإن قوانين الفيزياء على الحقيقة بحاجة الى مشغل... هذا ما نتعلمه من ميكانيك الكم فجميع الصياغات القانونية في ميكانيك الكم تتخذ الصياغة الرياضية الإجرائية Operator formulationوهذه الصياغة تخفي في مضمونها وجود المُشغل. من جانب آخر فإن جميع الفيزيائيين الدارسين لميكانيك الكم يعلمون أن الصفة المؤسسة لميكانيك العالم وظاهرات العالم هي الصفة الإحتمالية وليست الحتمية أي أن نتائج فعل قوانين العالم (القياسات) ليست حتمية بل هي احتمالية جوازية وبالتالي فإن العالم ليس واجبا بل هو ممكن... هذه الحقيقة تغيب عن عقل واينبرغ وعن عقل هوكنج حين يتحدثون عن الله...
لقد أوضحتُ في كتابي (دقيق الكلام: الرؤية الإسلامية لفلسفة الطبيعة) كيف أن كياناً خارجاً عن هذا العالم المادي يجب أن يكون هو المشغل لهذه القوانين وكيف أن متكلمي المسلمين كانوا قد عرفوا أن فعل القوانين الطبيعية هو جوازي احتمالي وليس حتمي منذ زمن طويل، منطلقين من منطلقات عقائدية صرف. ما نحتاجه في هذا الصدد علمياً هو فرضية واحدة لا غير وهي القول بتجدد العالم إذ أن التجدد يؤدي إلى توليد جميع الحالات الممكنة وهذا المبدأ هو ما كان قال به المتكلمون أيضاً. لذلك جاءت نظريتهم في طبيعيات الكلام منسجمة تماماً مع حقائق العالم كما كشفت عنه فيزيائنا المعاصرة.
ما ينبغي الانتباه اليه أن للعلم حقله وللدين حقله ويجب عدم الخلط بينهما فليس بمقدور العلم أن يثبت صحة المعتقدات الدينية بما فيها إثبات وجود الله. بل بإمكان العلم أن يكون دليلاً إلى وجود إله بالمعنى الإجمالي وليس على النحو التفصيلي. وليس بمقدور العلم البرهنة على عدم وجود الله أو نفي الحاجة اليه، لكن بإمكانه التأكيد على تواصل السلسلة المعرفية لظاهرات العالم على نحو منطقي لا يحتاج في أي من حالاتها الوسطية إلى تدخل غيبي. لكننا بالنتيجة النهائية دون شك نقف أما مجهول. هذا المجهول لا يمكن أن يكون لا شيء ولا يمكن أن يكون العدم لأن التحويل من عدم بحاجة إلى قدرة ما، وما أن نفكر بوجود قدرة فمن الضروري أن يكون هنالك قادر ومقدور. العالم يسير وفق قوانين منطقية وضمن تسلسل منطقي دون شك. لكن هيمنة الاحتمال والتجويز في وقوع ظاهرات العالم تتطلب منطقياً وجود مشغل لهذه الظاهرات وأن يكون العالم ممكنا لا واجباً.
ربما كان من حق هوكنج أن يرفض التصور الديني التقليدي للإله، لأن هذا التصور يعتمد على المعرفة الشخصية ومستوى التصور والإحاطة العلمية، لكن ليس من حقه نفي وجود قدرة فاعلة أوجدت العالم لأن العلم الذي يعمل فيه هوكنج يؤسس لضرورة وجود سبب لكل مسبب، بذات الوقت الذي يُبقي الباب مفتوحاً لسبب هو أول الأسباب ربما يتصل بما لم نعلمه بعد، فلا أحد يستطيع الجزم بأن العلم قد وصل غايته.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية