العدد (4022) الاربعاء 20/09/2017 (ستيفن هوكينغ)       ستيفن هوكينغ.. النضال من اجل الحقيقة       ستيفن هوكنج وخلق العالم؟       نظرية كل شيء: انظروا إلى النجوم وليس إلى أقدامكم       ستيفن هوكينغ.. الافكار الاكثر تأثيرا على مستقبلنا       هوكينغ وتجدّد "الاهتمام الشعبي" بالعلم       إشعاع هوكينج.. إشعاع الإرادة والتحدى       ستيفن هوكينغ يجتذب السينما من "ثقب أسود" مشع!       نص من مقابلة ستيفن هوكنج مع لاري كنج..لا يمكن لكارثة موضعيّة محو الجنس البشري بأكمله       حين ينتصر العقل على عوق الجسد    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :19
من الضيوف : 19
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 17437231
عدد الزيارات اليوم : 3512
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


مظاهر البنية الإيقاعية في شعر نازك الملائكة

د. سمير الخليل
يؤلف النمط  الشعري المألوف للقصيدة العمودية عند نازل الملائكة ببحرها وقافيتها  الموحدة نسبة قليلة جداً من شعرها لأنها لم تكن لترغب في بناء قصيدتها  وإيقاعها على قافية واحدة ولعلها في محاولتيها الاثنتين اللتين كتبت فيهما  قصيدة موحدة البحر والقافية وجدت رتابة وتقييداً دفعها إلى الخروج من أسار  النمطية نحو أفق أرحب، ونتيجة لتأثرها ببحور الشعر العربي وقواعده وعروضه  حاولت أن تتواصل مع الذوق العربي المتحكم في مراحلها الأولى


 فأفصحت عن تأثرها بالشعر المهجري والشعر المترجم واعتمدت صيغا أو تشكيلات عروضية تناولها شعراء سابقون على شكل مقطوعات منوعة القوافي وجديدة الأسلوب والصور.
فأثرت هذا النمط بشعر كثير في مقطوعاتها ومطولاتها ذات البنية المقطعية.
أبدعت نازل قصائد عدة بهندسيات جديدة ذات بنية مقطعية تتماثل معها المقاطع اللاحقة، مما يؤلف أنغاما إيقاعية تنوع المقطع موسيقياً وتكسر الرتابة في فضاء الزمن الموسيقي المحدد لتؤلف إشباعاً وزنياً يتصاعد ويتناقص على وفق الانفعالات والتوترات النفسية ولكن تلك الهندسيات المقبولة من لدن نازك شكلت قيوداً جديدة على أسلوب النظم فإذا كان المقطع الأول قد فرض نفسه وتمظهر على نحو ما، فإن الذي بعده قد أقحم في قالب اعد له سلفاً ما يخالف التوجه لبناء قصيدة جديدة حرة بعيدة عن القيود الإيقاعية الموروثة.
ثم قامت نازك بتقديم صورة إيقاعية جديدة فيها شيء من الابتكار وإن سبقتها بعض التجارب الفردية للقصيدة الحديثة في قصيدتها الكوليرا عام 1947 ثم توجهت بأنموذج طريف عام 1948 في قصيدتها (الخيط المشدود إلى شجرة السرو) التي تمثل نقطة الانطلاق الحقيقية للشعر الحر في العراق يقابلها أنموذج بدر شاكر السياب في قصيدته (في السوق القديم 1948)، وما يهمنا إن نازك قدمت للقصيدة الجديدة (الحرة) أجواء موسيقية طريفة وبنيات إيقاعية متنوعة وكان لوعيها بالتجديد وثقافتها النقدية الأدبية واطلاعها على الشعر والأوربي أثر مهم في تلك النقلة التي أحدثتها في النوع الشعــري المألوف، فجعلــــت السطر الشعري بديلاً عن البيـــت وربطت خصوصية الصوت وموسيقى الألفاظ مع دقة الانفعالات والشعور وحملت اللغة دلالات جديدة لا عهد بها، ناهيك عن عدم الالتزام بعدد محدد من التفعيلات اهتمت نازك بالأصوات على مستوى الحروف والمفردات والجمل والفت منها مساحات معبرة في وقعها الموسيقي، وقد أثمرت بنائياتها اللغوية والإيقاع والإيحاء والإيماء، ولكنها ظلت تحترم القافية لكونها قيمة موسيقية مهمة، ومن هنا كانت قصائدها تؤثر المفردة القافوية، وهيمن التكرار بوصفه عنصراً إيقاعياً على نسبة ليست بالقليلة من قصائدها المقطعية والحرة اهتمت به مستفيدة من المفردة المهيمنة مرة والعبارة البؤرية أخرى، ولا نجد هذا التكرار مخلاً بالنص الشعري أو بأجواء التجربة فقد اغتنى بما قبله وما بعده حتى صار صوتاً جديداً في الأداء الإيقاعي لشعر نازك الملائكة.
أفادت الشاعرة من خصــــائص اللغــــة في بناء الأفعال واستثمرت طاقاتها الإيقاعية لتوليد طاقة التأثير في المتلقي وشحن الأسطـــر الشعرية بمكونـــات أدائية متراكمة لمدها بزخم التوتر وخلق الصدمة وبعث الشعور، وحقق التماثل المتكرر لمثل تلك الصيغة في أداء إيقاع يضغط على الإحساس بوتائر تتقابل وتتماثل وتقترب وتتباعد كي تنتشر على مساحات النص فتشيع فيه إيقاعاً داخلياً مضافاً. ولقد أفادت نازك من البنى الصوتية للجمل الشعرية التي تؤلف السطر الشعري حتى صارت إيقاعات خاصة داخل التفعيلات ما اكسب السطر نغمية أدائية تتولد من الدلالة المنبعثة من الصوت نفسه ومن الإيقاع في أن نذكر أن أطول عدد غير قليل من قصائدها أثقل على المتلقي في مجال تواصل الاستجابة وكان بمقدورها تقليص  المتن الشعري وتكثيف معانيه لكي لا يبدو زائداً تتكرر إيقاعاته وأنماطه ووزنه كما أشرنا سابقاً ما يعد ترهلا ينأى عن الإبداع وذلك في مجال القصائد المطولة ذات المنحى الإيقاعي النمطي أو الموروث.
ولعل الشاعرة بقيت رهينة التوتر الجزئي ولم تنطلق كما انطلق الجيل الثاني (ما بعد الرواد) نحو تمظهر جديد وخرق للدلالات وانزياحات طريقة وتجاوز الصياغات المألوفة على مستوى العلاقات اللغوية، ولم تمتد تجربة نازك الشعرية لتستثمر إيقاعات الشعر المتنوعة كما فعل السياب وبقيت تنظم على التفعيلات الأكثر استعمالاً في الشعر العربي، وإن سجلت لنفسها سبقاً في النظم على وزن الموفور بقولها (ولا شيء أدافع به عن نفسي إلا كون الوزن ابتكاراً مني ولم يستعمله الشعراء قبلي) والموفور أحادي التفعيلة (مفاعلاتن) مع التغييرات الحاصلة في التفعيلة من زحافات وعلل ونوعت كذلك القصيدة فجعلتها من إيقاعين ولكنها لم تطور هذا النمط وغادرته الى غير رجعة.
يبقى أن نؤكد إن شعرها حقق تجربة الجرأة والامتحان العسير في خمسينات القرن الماضي وهو فيض شعري فتقته شدة التأثر بالتراث وبالواقع المعاصر لها ورهافة حسها في ابتداع إيقاع جديد، ولا نتصور ما يكون عليه الشعر في يومنا هذا لو عددنا ما قدمته نازك الملائكة وأقرانها من رواد الشعر الحر، ويبدو أن تطورات القصيدة الحرة وتشظياتها وتعدد أنماطها لم ترق للشاعرة فانزوت وآثرت الاعتزال كي تحفظ لنفسها تألق الريادة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية