العدد (4022) الاربعاء 20/09/2017 (ستيفن هوكينغ)       ستيفن هوكينغ.. النضال من اجل الحقيقة       ستيفن هوكنج وخلق العالم؟       نظرية كل شيء: انظروا إلى النجوم وليس إلى أقدامكم       ستيفن هوكينغ.. الافكار الاكثر تأثيرا على مستقبلنا       هوكينغ وتجدّد "الاهتمام الشعبي" بالعلم       إشعاع هوكينج.. إشعاع الإرادة والتحدى       ستيفن هوكينغ يجتذب السينما من "ثقب أسود" مشع!       نص من مقابلة ستيفن هوكنج مع لاري كنج..لا يمكن لكارثة موضعيّة محو الجنس البشري بأكمله       حين ينتصر العقل على عوق الجسد    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :22
من الضيوف : 22
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 17437247
عدد الزيارات اليوم : 3528
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


ذكريات نازك الملائكة

جابر عصفور
كنا في سنة،1966  وكنت فتى في مفتتح سنوات عمره بالعمل الأكاديمي في جامعة القاهرة، وذهبت  لسبب لا أذكره إلي مقابلة أستاذتي الدكتورة سهير القلماوي، عليها رحمة  الله، ربما لشأن يتعلق بأحد الموضوعات العلمية التي كنت أريد التسجيل بها  لدرجة الماستير. ولم تكن علاقتي بسهير القلماوي علاقة التلميذ بأستاذته  التي كانت في ذروة شهرتها وتألقها الثقافي علي امتداد العالم العربي في ذلك  الوقت،


 وإنما كانت - في الوقت نفسه - علاقة الابن بأمه الروحية التي ترعاه، وتقود خطاه في مجالات العلم والحياة على السواء. ولذلك أسميت ابنتي الأولي باسم (سهير) آملا أن تكون صورة أخرى لأستاذتي، وبالفعل مضت سهير الصغيرة في طريق سميَّتها الكبيرة إلى أن حصلت على درجة الدكتوراه في المسرح الإسباني، وأصبحت مختصة جامعية فيه، تحمل درجة (مدرس) التي كنت أرجو أن يمتد بها العمر فأراها بدرجة (أستاذ) وفي مكانة سميَّتها، أمي الروحية التي أدين لها بالكثير، ولكن الموت سبق أمنياتي واختطفها منّي، فحملتها إلى المدافن نفسها التي أسهمت في حمل جثمان نازك الملائكة إليها قبل أيام معدودة، فبكيت ابنتي، وترحمت على نازك التي رافقتها إلى مثواها الكريم، ودعوت الله لابنتي ولها ولأستاذتي سهير القلماوي على السواء.

وأكاد أذكر، الآن، المشهد بتفاصيله الدقيقة، كنت جالسا أمام مكتب أستاذتي التي كانت تجلس وراءه، متطلعة إليّ، تحدثني عن موضوعات في النقد الأدبي (أظنها: كانت عن جماليات التكرار في الشعر العربي القديم). وفجأة، توقفت أستاذتي عن الكلام، وانتفضت فرحة، واقفة في لهفة المحب، صارخة بصوت الترحيب بصديق حميم: أهلا يا نازك. أخيرا، رأيتك. وتطلعت من مجلسي إلى هذه الضيفة التي أخذت انتباه أستاذتي كله. وظلّتا تتحدثان واقفتين، دون جلوس لدقائق قليلة، إلى أن انتبهت أستاذتي، فدعتها إلى الجلوس، وجلست معها أمامي، وفي مواجهتي. وبالطبع ابتسمت أستاذتي لدهشة الضيفة من عدم معرفة هذا الشاب الغريب، فقالت لها: هذا جابر عصفور تلميذي الذي أتوقع منه الكثير وابني الذي أراقبه وأرعاه، ثم التفتت لي باسمة سائلة: هل تعرف يا جابر الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة أم لا تعرفها؟ وبالطبع، قلت لها: ومن الذي لا يعرف الشاعرة الكبيرة؟! إني أعرف الدواوين التي أصدرتها: (عاشقة الليل)، و)شظايا ورماد)، و)قرارة الموجة)، كما أعرف كتابها (قضايا الشعر المعاصر) وكتابها الثاني عن شعر علي محمود طه، وهو أجمل ما قرأت عن هذا الشاعر الذي أحبه. ولم تتركني أستاذتي عند ذلك، بل بادرتني بالسؤال: ولكن ألم تقرأ شعرها؟ فقلت: بلي، وقد فتنتني قصائدها الليلية التي ذكّرتني بشعر جبران في ديوانها الأول (عاشقة الليل)، ولا أزال أذكر أسطر قصيدتها التي أحببتها كل الحب عن (الخيط المشدود في شجرة السرو).
وكان وجه نازك يضيء بالفرحة وأنا أقول هذا الكلام الذي لا أزال أذكره، ولا أزال (بالمناسبة) على حبي لقصائدها الليلية التي تمضي في الطريق الذي فتحه جبران للشعراء في عشق الليل، بكل دلالات الليل وسحر هدوئه، وجاذبية سكونه، ولانهائية سواده الرحيم. والتفتت نازك إلى سهير القلماوي، قائلة لها: معك حق في تبني هذا الشاب، فاندفعت بلساني الذي لا أستطيع أن ألجمه إلى اليوم، قائلا: ولكنك شابة. (ولم أكمل: وجميلة أيضا) فعاودتها الابتسامة الصافية التي أنارت وجهها المشرب بالحمرة. ونقلت أستاذتي الحديث إلى مجرى آخر، خاص بقضايا المرأة التي كانت كلتاهما تهتم بها، وهموم الوطن العربي التي كانت نازك قد أصدرت عنها كتابا. وظللت طوال الجلسة صامتا، تاركا لهما حرية الكلام، غير مشارك لهما أو مقاطعا، فقد اكتفيت بالتطلع غير المباشر إلي وجه نازك الملائكة الجميل والصبوح الذي كان مشربا بلون وردي يبين عن العافية وعرامة الشباب واندفاعه الذي يكاد يضج من أي إسار. ولم أشبع من تأمل هذا الوجه الصبوح الباسم الذي ظللت أذكره مترعا يتوهج بفرحة الحياة والنهم إلى المعرفة. ولا أظن أنها كانت جاوزت الأربعين إلا بعام أو عامين أو حتى ثلاثة على الأكثر، ولكن ما كانت نضارة الوجه تبين إلا عن أربعين عاما على الأكثر من صباحة الوجه ونضارة البسمة.
وللأسف، لم تطل الجلسة إلى ما كنت أرجوه كي أشبع من تأمل ملامح هذا الوجه الجاذب كالمغناطيس، ولا من العين التي كانت تشع بذكاء نادر، ولا من الوجنتين اللتين لمحت فيهما نوعا من حدة الإرادة ومضاء العزيمة. ومضت نازك الملائكة، وقبلت وجنتي أستاذتي التي بادلتها التحية الحميمة، ولم تنس أن تصافحني في تحفظ من عرف إنسانا للمرة الأولى.
هكذا، عرفت نازك للمرة الأولى. ولعل هذه المعرفة التي دفعتني إلى معاودة قراءة كتابها الجميل عن علي محمود طه الذي لم يتفوق عليه كتاب آخر إلى اليوم في المكانة والقيمة. رحمها الله فقد ماتت وحيدة، بعد أن فقدت زوجها الذي ظل يرعاها طوال سنوات مرضها الطويل التي أوصلتها إلى قرارة القرار من ظلمة الليل التي تحوّلت إلى ظلمة القبر، ورحم الله موتانا جميعا، فهم أعزاء لا يزالون يعيشون بيننا، في أعينن ذكراهم كملائكة رحلوا كي يأتوا بالغ.

************

كانت سنة 1968 هي السنة التي يرتبط بها المشهد الثاني من ذكريات نازك الملائكة التي لا تزال مكانتها في وجداني تنطوي على قيمة كبيرة، وضعتها في مكانة لا يجاورها فيها إلا أقل القليل من الأعلام الكبار الذين عرفتهم معرفة مباشرة. أذكر جيداً أنني كنت جالساً أطالع كتاباً، وأنا أستمع إلى موسيقى هادئة من المذياع، لكنني على نحو غير إرادي مددت أصابعي، وأدرت زرّ المحطات، ربما لأسمع موسيقى أخرى أرق، إلى أن سمعت صوت مذيع ينطق باسم نازك الملائكة مرحّباً بها في القاهرة، وتجيبه بصوتها الذي لا أزال أذكره من اللقاء الأول، وسألها مقدم البرنامج (وكان عن عالم الشعر، أيام أن كانت هناك برامج للشعر في الإذاعة المصرية التي أصابها ما أصاب غيرها) عن آخر دواوينها التي نشرتها، فأجابته بأنها أصدرت، أخيراً، ديوان (شجرة القمر). وسألها مقدم البرنامج عن سر هذا العنوان الجميل، ولكنه طلب منها قبل أن تخبر المستمعين بالسر أن تقرأ لهم بعض قصائد الديوان، فأجابته باختيار القصيدة الأولى، وهي (شجرة القمر)، وتدفق صوتها الرائق الواثق في نبرة رقيقة، لا تعرف اللحن أو الخطأ اللغوي أو التلعثم، بل الاندفاع الواثق الهادئ كخرير الماء الذي تسمعه الأذن كأنه أنامل تمر على أوتار، وأخذ صوتها يعلو تدريجياً كأنه لحن موسيقى تتصاعد نغماته المتضافرة لتصافح السمع بصوت شجي يقول :
على قمة من جبال الشمال كَسَاها الصنوبر
وغلَّفها أفق مخملي وجوّ معنبر وترسو الفراشات عند ذراها لتقضي الَمسَاءْ
وعند ينابيعه تستحم نجوم السَّمَاءْ
هنالك كان يعيش غُلامٌ بعيد الخيالْ
إذا جاع يأكلُ ضوء النجوم ولون الجبالْ
ويشرب عطر الصنوبر والياسمين الخضلْ
ويملا أفكاره من شذى الزنبق المنفعل وكان غلاماً غريبا غامض الذكرياتْ
وكان يطار عطر الرُّبى وصدى الأغنيات
وكانت خلاصة أحلامه أن يصيد القَمرْ
ويودعه قفصاً من ندًى وشذًى وزهرْ
وانجرفت مع الأبيات، مبحراً معها في أفقها الغسقي، كأني على شراع ملاّح يطوف بي عوالم لا أعرفها، ولكنها تفتنني، وتخايلني بالمضي في الطريق الذي يفضي إليها، مغوية بندائها السري الذي يدعو إلى الكشف عن عوالم تظل في حاجة إلى الكشف. وظلت نبرات صوت نازك تتدفق، حاملة روحي، أو عائدة بها إلى دنيا الطفل البريء الذي كنت لا أزال أنطوي عليه، رغم رطان الأحاديث الإيديولوية التي كنت ألوكها في ذلك الزمان البعيد، خصوصا بعد هزيمة 1967 التي ألقت بنا في جحيم الغرابة، نتقلب ما بين نيران إلقاء اللوم على ذواتنا أو اتهامات الآخرين بالخيانة. كل ذلك ضاع في لحظة، وتسرّب كالماء المرّ في رمال وردية ناعمة، استبدلت به براعم وزنابق وربى وشذى وزهرا، وتوحّدت مع هذا الفتى الذي يريد أن يصيد القمر، ولكن ليضعه بين ما يشبه ضلوعه، كأنه يريد أن يستأثر به لنفسه، في نوع من الأنانية الطفولية التي مارسناها في سنوات البراءة، ونسيت الناقد الكامن في داخلي الذي كان قد تجاوز الرومانسية، وانتقل منها إلى ما بعدها، لكن صوت نازك عذب القراءة عمل عمله بي، وحلّق بي على أجنحة الخيال الذي يقلب السمع بصرا، إلى مراقبة صبر هذا الفتى في المساء، وهو يحوك الشباك، راقداً على عشب بارد عند نبع مغمغم، ويسهر خيالي مع الفتى وهو يرمق وادي المساء ووجه القمر، وقد عكسته مياه غدير باردا عطرا، وما كان هذا الفتى يخلد إلى النوم إلا إذا مدّ الضياء الرقيق للقمر أصابعه الحانية، مقدماً له كأسا، شرابها لذيذ، دافعاً إلى النوم الذي تحوطه أحلام سكريّة الشذى.

ولا يمل الغلام الذي يظل منطوياً على حلمه في أن يصيد القمر إلى أن جاء اليوم الموعود، فتسلل إلى حيث يستلقي القمر، وطوّقه كالعاشق الذي استجاب إليه المعشوق، آمنا مطمئناً، فحمله إلى كوخه، واضعاً إياه في أعز مكان. وأفاق الليل فلم يجد أنيسه، وبحث جميع البشر عن مصدر سلواهم الحنون كلما طلبوا حمايته في الليل الموحش من سحائب الخوف، وزاد جنون عشاق القمر الذين لم يتوقفوا عن البحث، بينما الفتى غارق في نشوة الفرحة بالوحدة مع واحده الأحد الذي ظل يرعى لهفته إليه، إلى أن جاء موعد الفراق، فاستيقظ الفتى من أحلامه ليجد القمر غادر الكوخ، وتطلّع الفتى كالملهوف في كل مكان، فلم يجد سوى شجرة نفث فيها القمر من روحه ما أضاء أغصانها وجذعها، وأرضعها ضوءه المختفي في التراب العطر، فوجد الفتى بديلا من القمر في شجرته التي كانت واجهة كوخه، كأنها تحرسه وتكلؤه بحنانها، ومرت العصور بعدها، وتحولت حياة الغلام غريب الرؤى، الشاعر عبقري الجنون، إلى حكاية يتوارثها الجميع، خصوصاً حين يتطلعون إلى الشجرة التي جعلها القمر بديلا منه في الأرض، بينما مضى هو في مداره الفضي عبر السماء التي نثر فيها زهوره - النجوم، وتعاقبت العصور، وتحول الفتى وحكايته إلى رؤيا تسرّب إليها الزمان شيئاً فشيئاً، تماما؟كما يتسرب ضوء النهار فيمحو ضوء لليل الحاني، ويستبدل برقة القمر قسوة الشمس النهارية الحارقة.
أذكر أننى أعددت بعد ذلك بسنوات دراسة نقدية مطولة عن رمزية الليل في شعر نازك الملائكة، واستعنت بمعارفي في الأساطير ونظريات النقد الأدبي لتفسير هذه القصيدة التي عالجتها بالتشريح والتحليل الدقيق، فكانت كضوء الشمس النهارية التي اقتحمت هدأة الليل والحلم الرومانسي الأسطوري الذي تجسّد في شجرة القمر، وأحسب أن ما كتبته قد أعجب بعض قراء هذه الدراسة. ولكن، ها أنا، الآن، وبعد أن اشتعل رأسي شيباً، وأصبح بعضه أقرب إلى الأغصان المتدلاة من شجرة القمر، أعود إلى خيالي القديم الذي أوقده صوت نازك الجميل، وهو يحملني إلى عوالم لا أزال أنطوي عليها، وأرجو ألا تفارقني ولا تفارقك، أيها القارئ، يا شبيهي في حلم الطفولة الذي ننطوي عليه جميعا.

****************
ذهبت إلى العمل في جامعة الكويت، أستاذاً معاراً، سنة،1983 وكنت حديث عهد بدرجة الأستاذية التي هي أعلى درجات السلم الأكاديمي، وأسعدني وجود الكثيرين من الذين كنت أعرفهم من قبل في قسم اللغة العربية الذي بدأت التدريس فيه، مع مطلع شهر سبتمبر من العام نفسه، وقابلت الدكتور عبد الهادي محبوبة، زوج نازك الملائكة الذي كان قد تخرج من قسم اللغة العربية - آداب القاهرة - زميلا لأساتذتي الكبار أمثال : حسين نصار وشكري عياد، فأحببت الرجل على الفور لكريم خصاله وإحساسنا بالانتماء إلى قسم علمي واحد، ولكن المناصب تقلبت به وزوجه - نازك - إلى أن أصبح رئيساً لجامعة البصرة خمس سنوات تقريباً، إلى أن غادر العراق إلى الكويت، وعمل على تخريج الدفعات الأولى من تلامذتها الذين ظلوا أوفياء له ولزوجه نازك الملائكة التي تركت في نفوس طلابها أعمق الأثر الذي لا يزال باقياً إلى اليوم عند الأحياء منهم، مد الله في أعمارهم، وعرفت أن نازك الملائكة الأستاذة تقاعدت وحبست نفسها في الشقة التي كانت تسكنها وزوجها وابنهما الوحيد، البراق، وذلك في العمارة نفسها التي كنت أسكن فيها وعائلتي. وطلبت من الدكتور محبوبة أن أزورهم لتحية الشاعرة الكبيرة، فعرفت منه أنها مصابة بمرض الاكتئاب وترفض مقابلة أحد، فاحترمت رغبتها وصراحة الرجل الذي ظل صديقاً وفيّاً لي، حتى بعد أن ترك الكويت وانتقل إلى القاهرة مع نازك وابنها وظلت العائلة تعيش في شقة متواضعة إلى أن توفيت نازك الملائكة في العشرين من الشهر الماضي، في القاهرة التي بادلتها الحب.
وكنت أراها وزوجها محبوبة في فترات الربيع، يتريضان معا، واضعة ذراعها في ذراعه كما لو كانت تتكئ عليه، غير مدركة أو مهتمة بما حولها، ماضية تحت قيادته في استجابة كاملة، مذهولة عن الناس الذين يمكن أن تمر بهم، أو يلقوا إليهما بالتحية، فيرد محبوبة التحية بالنيابة عنها، وهي متعلقة بيده، كأنها طفل ضائع، تائه، ذاهل. وأعترف أن هذا المشهد أذهلني إلى أقصي درجة، فما أبعد الفارق بين هذه السيدة المسنة، الذاهلة، الصامتة أبدا التي كنت أراها والدكتور محبوبة يتريض بها، والسيدة الأخرى الجميلة المملوءة بالعافية التي قابلتها مع أستاذتي سهير القلماوي سنة 1966 تقريبا. وكان الفارق رهيبا بين هذه العجوز الذاهلة الصامتة والشاعرة صاحبة النبرات الصافية التي استمعت إليها وهي تلقي قصيدتها شجرة القمر عام 1986وكان يزيد من دهشتي أنها لم تتجاوز الستين إلا بعامين على أكثر تقدير، بينما زوجها الأكبر منها كان لا يزال يواصل التدريس في الجامعة، ويلقي التقدير من كل الذين عرفوه وكان الوحيد تقريبا الذي ربطتني به علاقة ابن بأب في جامعة الكويت.

وظللنا على هذا الحال إلى العام الثاني من عملي في جامعة الكويت. ولم يكن يرى نازك أحد منا في منزلها سوى المرحوم الشاعر عبده بدوي، الذي كان الوحيد الذي تأنس إليه دون بقية الزملاء الذين ظلوا أوفياء لها. ولذلك لم أندهش عندما استشارني زميلي عبد الله المهنا، مدّ الله في عمره، في أن نشترك في إصدار كتاب احتفالي تتولى طباعته جامعة الكويت، ويساهم فيه كل واحد منا ببحث علمي فوافقته على الفور، وشجعته على المضي في تنفيذ الفكرة التي تحمس لها، وحث الجميع على الكتابة، وظل يستحثهم إلى أن خرج الكتاب إلى النور من مطبوعات جامعة الكويت (عام 1985)، وقد ساهمت فيه ببحث مطول عن رمزية الليل في شعر نازك، كما ساهم فيه عبد الله المهنا، بالإضافة إلى عبده بدوي ومحمد رجب النجار، رحمهما الله. وقد ترك الكتاب أثراً طيباً في نفس نازك الملائكة التي أدركت - بالكتاب - أن حبها وتقديرها ومعرفة دورها بقيت في وجدان الكثيرين، خصوصاً تلامذتها الذين قامت بالتدريس لهم في جامعة الكويت، أو بالتأثير فيهم كشاعرة ومبدعة وناقدة ومضت الأعوام، وعدت إلى القاهرة التي سرعان ما أصبحت منشغلا بمناصبها المتتابعة: رئيس تحرير فصول مجلة النقد الأدبي، ورئيس قسم اللغة العربية، وأمين عام المجلس الأعلى للثقافة. ولم أنس نازك الملائكة ودورها الرائد، خصوصاً أنها عادت إلى القاهرة، ومعها الدكتور عبد الهادي محبوبة الذي لم يتوقف عن زيارتي ولم أتوقف عن محبته وتقدير مودته. وكنا نقيم الاحتفالات والمؤتمرات القومية والدولية. وكان منها (مؤتمر المرأة العربية والإبداع) سنة2002، ولم أجد أهم من نازك الملائكة وأحق منها بالتكريم، فاخترت تكريمها بطبع أعمالها الكاملة في أدق وأشمل طبعة غير مسبوقة. وبالفعل، اتفقت مع الدكتور محبوبة الذي تهلل وجهه بالفكرة، وجئنا بالشاعر عبده بدوي الذي قبل، مشكوراً، مراجعة كل شيء وتدقيقه، وواصلنا العمل في حماسة لا أزال أذكرها بإعزاز وفخر، فلم نترك شيئا من إنتاج نازك إلا وحصلنا عليه، وبدأنا الطباعة، وانطلق عبده بدوي في المراجعة، وظللت أتابع العمل إلى أن تم في أربعة مجلدات، اثنان منها للأعمال الشعرية الكاملة، واثنان للأعمال النثرية الكاملة. وضمت الأعمال الكاملة للشعر : مأساة حياة، عاشقة الليل، أغنية الإنسان، شظايا ورماد، قرارة الموجة، شجرة القمر، للصلاة والثورة، يغير ألوانه البحر، الوردة الحمراء. أما الأعمال النثرية فضمت : قضايا الشعر المعاصر، سيكولوجية الشعر، الصومعة والشرفة الحمراء (العنوان الأخير الذي اختارته لدراستها عن شعر علي محمود طه) التجريئية في المجتمع العربي، الشمس التي وراء القمة (وهي مجموعة من القصص التي جمعها الدكتور عبد الهادي بمعاونة ابنه البراق، الذي كان قد حصل على درجة الدكتوراة من أميركا، وكتب لها الاثنان مقدمة دالة). وهكذا اكتملت أعمال نازك الملائكة التي كانت ذروة احتفائنا بها في (مؤتمر المرأة العربية والإبداع) الذي كان - ولا يزال أضخم وأهم مؤتمر في الموضوع. وبقيت المجلدات علامات حب وتقدير من مثقفي مصر لشاعرة رائدة أحبت بلدهم التي هي بلدها فآثرت أن تدفن فيها، وسرت وراء نعشها مع ابنها البراق الذي لم أتركه إلا على وعد بالحصول على مخطوط قديم كتبته بقلمها عام،1977 وهو رواية بعنوان (ظل على القمر). وأرجو أن يجده لكي نضيفه إلى الطبعة الجديدة من الأعمال الكاملة التي تظل علامة عرفان ومحبة للوجه الصبوح الجميل المتوثب بالحياة الذي رأيته مع أستاذتي سهير القلماوي في صباح جميل من صباحات عام.1966

****************

ظل السؤال عن سبب مرض الاكتئاب العضال الذي أصاب نازك الملائكة يؤرقني، خصوصاً بعد أن أصدرنا كتاباً تذكارياً عنها،1985 اشتركت فيه مع عدد من زملائنا وعارفي قدرها من دارسي الأدب وتصورنا أن صدور الكتاب سوف يخفف من وقع المرض، ولكننا كنا واهمين، فقد ظللت أراها بين الحين والحين، سائرة مع زوجها المرحوم عبدالهادي محبوبة، وعيناها زائغتان، ووجهها على امتقاعه، متعلقة بيدي زوجها كغريق يتعلق بيد تنتشله من الغرق، ولم أتوقف عن سؤال نفسي عن سر هذا التحول الغريب في تغيرها، والنهاية الحزينة التي انتهت إليها، ويبدو أن كثرة أسئلتي قد أضاءت في ذهني نوعاً من الإجابة، فوطنها العراق يحكمه ديكتاتور بشع هو صدام حسين، ومع تكريم هذا الوطن لأمثال السياب والبياتي، والاحتفال بأبرز شعراء العراق وتكريمهم، أو محاولة شراء الذين بقوا على الحياة مثل عبدالوهاب البياتي الذي أُبعد عن العراق بحجة تعيينه مستشاراً ثقافيا في مدريد التي قضى فيها ما لا يقل عن خمس سنوات، جعلت منه صديقا للمستعربين الإسبان، وعلى رأسهم صديقنا المشترك بدرو مونتابث الذي ترجم مختارات من شعره، لكن الخوف من بطش صدام لم يفارق البياتي، وأذكر آخر لقاء لي معه في بغداد، وكان مذعوراً يتلفت حوله دائماً، ولا يتكلم إلا همساً وفي حذر، ولذلك لم أستغرب أنه استغل الفرصة التي أتيحت له، فهرب إلى دمشق التي سبقه إليها الجواهري، واستقر هناك، ومنحته الحكومة السورية سكناً ومعاشاً أتاح له ولابنته حياة مستورة.

أما نازك فكانت قد تركت العراق قبل ذلك بسنوات واستقرت في الكويت، وأبلغنا زوجها أنه قرر أن يستقر في مصر بعد أن ينتهي عمله في الكويت، ويظل ما بقي له من العمر مع نازك فيها، ومعهما ابنهما البراق، وبالفعل حقق الرجل ما خطط له، وضم رفاته، وبعده رفات نازك، تراب مصر التي أحباها، وبادلتهما حبا بحب، خصوصاً الأجيال التي عرفت قدرهما وكان من الطبيعي أن يتجاهل الإعلام العراقي، في عهد صدام، نازك الملائكة تماماً، ولا يتعرض لها، أو يشيد بذكرها، كما لو كان صدر حكم بإعدامها إعلامياً، والنتيجة أن توقف النقاد والدارسون في العراق عن ذكرها أو الإشادة بدورها الرائد في ابتداع قصيدة الشعر الحر، تلك التي نسبوا ريادتها إلى بدر شاكر السياب فضل الريادة لها، لأنه كان قد نشر قصيدته (هل كان حباً؟) في الشهر الذي نشرت فيه نازك قصيدتها (الكوليرا) في العام نفسه، وكلي ثقة بأن حملات التشكيك في ريادة نازك لحركة الشعر الحر قد تركت جرحاً عميقاً في نفسها، لم تبرأ منه قط، بدليل رسائلها التي نشرها أحد الدارسين مؤخراً، ونسي كثيرون أنها هي التي أطلقت على هذا النوع من الشعر اسم (الشعر الحر)، وذلك بسبب تحرره من نظام العروض الخليلي ونظام القافية القديم في الوقت نفسه، وأتصور أنه من أوجع الأمور وأشقها على نفوس الرواد تجاهل ريادتهم، بل تجاهل وجودهم نفسه، وتواصل إبداعهم، وأذكر أن نازك كانت قد أصدرت في هذه السنوات ديوانها الأخير (للصلاة والثورة) الذي لم يهتم به أحد، ولم يكتب عنه من تعوّد الكتابة عن إبداعها الشعري، في سنوات ألقها.

هذا السبب الأول تضافر في تقديري مع سبب ثان، أوسع من العراق، وهو سبب يرجع إلى حملات الاحتجاج العنيفة، وأشكال الرفض الحادة التي أثارها كتابها (قضايا الشعر المعاصر) سنة،1962 وكانت المشكلة الرئيسية التي أثارها الكتاب أن نازك أرادت أن تضع نظاماً عروضياً للشعر الحر وتلك مفارقة صعبة، بدا معها الأمر كما لو كانت رائدة الشعر الحر قررت أن تسجنه في نظام من صنعها، وهو ما رفضه كل شعراء الشعر الحر بلا استثناء على امتداد الأقطار العربية، خصوصاً أنها لاحظت ما بدا لها أنه خروج على الأذن العربية، وذلك حسبما تصورت هي ما تقبله هذه الأذن وما لا تقبله، وهي مسألة خلافية وشائكة لأبعد حد، إذ لا يمكن لأحد، مهما كان قدره، ومهما كانت معرفته بالتراث الشعري العربي أن يزعم القدرة على تمثيل هذه الأذن العربية، وأضيف إلى ذلك أشكال النقد السلبي التي ترتبت على مسألة العربية هذه وتوجه هذه الأشكال إلى أغلب شعراء الشعر الحر بوجه عام.
ولا يستطيع أحد أن يتصور عاصفة الهجوم على كتاب نازك ورفضه من أبرز أعلام الشعر الحر، وكانت البداية من مجلة (شعر) اللبنانية بمنحاها الليبرالي الذي كان معادياً للتيار القومي الذي تولت مجلة الآداب تمثيله، وإبراز الشعر المنتمي إليه، وفي الصدارة منه شعر نازك ومقالاتها، وبالطبع رأى شعراء مجلة (شعر) وأعلامها (يوسف الخال، وأدونيس، وأنسي الحاج، وجبرا ابراهيم جبرا، وغيرهم) في كتاب نازك الملائكة نموذجاً للنقد الرجعي الذي يعمل على إرجاع القصيدة التفعيلية إلى الوراء، بل وجد من ألح على التشكيك في التسمية من منطلق أن (الشعر الحر) مصطلح أوروبي ـ أميركي يطلق على الشعر المتحرر من الوزن والقافية تماماً، ولا يعتمد إلا على الإيقاعات الداخلية للغة. ولا أزال أذكر المقالات الحادة التي كتبها عبدالقادر القط ولويس عوض ومحمد النويهي، فضلاً عن صلاح عبدالصبور وأقرانه من الشعراء، في نقد كتاب نازك واتهامه بالمحافظة، وهي التهمة التي انتقلت من الكتاب إلى شعرها الذي أصبح كبار شعراء حركة الشعر الحر ينظرون إليه على أنه شعر محافظ يتذبذب ما بين الأفق القديم والجديد، الأمر الذي جعل المتحمسين للخروج على التقاليد من أبناء جيلي، وكنت منهم في ذلك الوقت، يرون في أدونيس والبياتي والسياب وصلاح عبدالصبور النماذج الواعدة في أفق التجديد، وصناع الذائقة الشعرية والإبداعية الجديدة التي لا ينبغي أن تسجنها قيود، أو توضع حولها السلاسل. وكانت النتيجة خفوت الأضواء عن نازك شيئاً فشيئاً، مع بعض الإحباطات الشخصية وهو الأمر الذي ظل يتفاقم مع الوقت إلى أن غرقت نازك في مرض الاكتئاب الذي ظل ملازماً لها في السنوات القليلة التي عاصرتها فيها في الكويت، وسنوات العزلة الكاملة التي فرضتها على نفسها، في القاهرة، إلى أن أدركها الموت برحمته، رحمها الله رحمة كبيرة جراء كل ما قدمت من إنجازات ستظل باقية في تاريخ الشعر العربي والتنظير له، بغض النظر عن الاختلاف حولها.
عن كتاب (في محبة الشعر)



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية