العدد (4022) الاربعاء 20/09/2017 (ستيفن هوكينغ)       ستيفن هوكينغ.. النضال من اجل الحقيقة       ستيفن هوكنج وخلق العالم؟       نظرية كل شيء: انظروا إلى النجوم وليس إلى أقدامكم       ستيفن هوكينغ.. الافكار الاكثر تأثيرا على مستقبلنا       هوكينغ وتجدّد "الاهتمام الشعبي" بالعلم       إشعاع هوكينج.. إشعاع الإرادة والتحدى       ستيفن هوكينغ يجتذب السينما من "ثقب أسود" مشع!       نص من مقابلة ستيفن هوكنج مع لاري كنج..لا يمكن لكارثة موضعيّة محو الجنس البشري بأكمله       حين ينتصر العقل على عوق الجسد    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :21
من الضيوف : 21
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 17437254
عدد الزيارات اليوم : 3535
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


نازك.. من أُسرة لها طِباع الملائكة

رشيد الخيُّون
لو  عاصرت نازك الملائكة أبا الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور (ت 280هـ)، صاحب  «كتاب بغداد»، لكان اسمها أول المترجمات في كتابه «بلاغات النساء»، حالها  حال امرأة أبي الأسود الدؤلي، ونائلة بنت القرافصة. فهي ما زالت الصدى  المحكي من صوت الأنوثة الضارب في أسماع الرجال ببغداد، وسيرتها الأدبية  واحدة من المعزيات بما يجري من خراب.


 أترى من السهولة أن يعترف الشاعر الشرقي، العربي على وجه الخصوص، بأن شعره سليل إبداع امرأة؟! هذا ما اعترف به أكثر مؤرخي الشعر الحديث لنازك الملائكة (1923 ـ 2007)، عندما عدوها ملهمته بالعراق، على الرغم أن الخلاف جارٍ، لكن قطعاً هي واحدة من المؤسسين.

ليس بين أجداد وآباء عائلة آل الملائكة البغدادية من اسمه ملائكة، أو ملاك، بل عرفوا بذلك لأن أقدامهم كانت تحف الأرض حفا دون ضجيج، يمرون وأفواههم مغلقة، تصوم عن كلام أو ثرثرة الطريق، فأصواتهم لا تخرج إلا أبيات شعر أو نثر أدب أو همسات لا تتعدى الشفاه. وأول من أطلق عليهم هذا الاسم الرومانسي الشاعر العراقي المعروف الأخرس، حيث محلة العاقولية، وقيل سكان جادة أبو أقلام من حي الكرادة داخل، من الجيران. فبعد جيرة طويلة لم يسمعوا صراخ الأطفال نازك وإحسان ونزار وعصام وسُها ولبنى يمارسون طفولتهم في البكاء والضوضاء، فكانوا يدلفون إلى بيتهم بعد عودتهم من المدارس مثلما تدلف الطيور إلى أوكارها، وتنقطع مع آخر خيط نور من النهار.

جاءت التسمية اسماً على مسمى لهذه العائلة الحالمة. ولم يكن اللقب وصل إلى نازك، من عشيرة أو مدينة أو عمل سحر وكرامات، بل جاء من طبع همس وهمهمة الكلام نثراً وشعراً، فكم الأُسرة كانت مفرطة في هدوئها، وكانت من قبل ذلك تُعرف باللقب الأرستقراطي آل الجلبي. كان ذلك في القرن التاسع عشر. وهو لقب له دلالاته، ليست الأخلاقية حسب بل الإبداعية أيضاً، فالأُسرة كانت أُسرة علم وأدب، الأم هي الشاعرة أم نزار سلمى، والأب هو الأديب والشاعر صادق الملائكة (ت 1969)، ونشأت نازك في تلك البيئة، حتى شقت طريقها إلى المجد الأدبي داخل العراق وخارجه.

كتب الأديب المصري، صديق العائلة، بدوي طبانة، كتاباً عنونه بـ«أدب المرأة العراقية في القرن العشرين»، كان لبيت الملائكة حصة كبرى فيه، فمن هذا البيت هلَّ على العراق ثلاث شواعر هنَّ الأم أم نزار (سلمى) وأبنتاها: نازك وإحسان. ويكتب لنازك أن تكون رائدة من رواد الشعر الحديث في الشعر العربي. مع أن الأخيرة نشأت على يد أبيها وأمها وبمكتبة العائلة على نمط الشعر الكلاسيكي، وظلت تقوله بين الحين والآخر. وبالنسبة للأم كانت درجة الشعر عندها تتراوح بين الجزالة والركاكة. لكن امرأة عراقية في العقود الأولى للقرن العشرين قالت الشعر وزاحمت الرجال في مجالس الأدب وظلت وفية له، وغذت صغارها به لم يكن أمراً هيناًً، وحصل أن حققت أم نزار مستقبلها في الرقي الشعري بابنتها نازك، التي ذاع صيتها شاعرة مطبوعة، تجاوزت نظم والدها ووالدتها إلى عالم الموهبة الرحيب.

الأم هي سلمى بنت عبد الرزاق، التي توفيت سنة 1953، نشر ديوانها بعد وفاتها، وكان قد تضمن مناجاة إلى الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي بقولها:

أيها الراحل الذي أختار دار الخـ
لد مأوى نم وليطب مأواكا
إن قبراً حللت فيه مقيماً
قد حوى الشعر والنهي مذ حواكا

وأشارت إلى نصرته للمرأة في وقت مبكر، يتراوح بين نهاية الدولة العثمانية وبداية العراق الحديث، فقالت:
من لليلى؟ وكنت ناصر ليلى
ما عهدناك ناسياً ليلاكا
كنت حتى الجماد توحي إليه
حين تشدو الشعور والإدراكا

خلت الدار في جادة أبو أقلام وخلا العراق من نفس آل الملائكة، فنازك أقامت وماتت بمصر، بعد تعب بشيخوخة ممزوجة بالغربة، رغم أن المصريين أحاطوها بألفة ومودة، مثلما أحاطوا قبلها الشاعر العراقي عبد المحسن الكاظمي، وابنته الشاعرة رباب. لكن ذلك لا يمنع تسرب شعور الغربة إلى أعماقها، فعاشت وزوجها هناك، وقد فارقها قبل سنوات، ولسان حالها يقول:

تائهة والحياة بحر
شاطئه مبعد سحيق
تائهة والظلام داج
والصمت تحت الدجى عميق
يا زورقي آه لو رجعنا
من قبل أن يخبو البريق
أنظر حواليك أي نوء
تجمد من هوله العروق

ليس الأسى في وفاة نازك الملائكة، فهي أعطت وأجادت وأسست ونالت حظوتها من تعليم وثقافة وشهرة، ولو أُتيحت الفرص لبقية نساء العراق، اللواتي يحاربنَّ اليوم من أجل رفع الحيف عليهنَّ في قانون أحوال شخصية، وأشعرهنَّ بالثقة والإنسانية بحذف موافقة (المحرم) على سفرهنَّ، لظهرت بينهنَّ نوازك ومالكات ناصية الأدب والشعر. لكن، الأسى أن تقضي رائدة الشعر الحديث شيخوختها تحت نجمة قصية من نجوم منافي ومهاجر العراقيين، وان لا يعرف عنها حفيداتها وأحفادها الشعراء الشباب أخبارها إلا عبر ما تتنعم به الجرائد الثقافية من نقل أخبارها. إن عائلة مثل آل الملائكة تستحق التخليد بتمثال يقام في جادة محلتهم، يجاورون دجلة، ويلبسون ثياب الملائكة. أقول وأتمنى هذا، وليس في ليل بغداد الطويل من سامر يرد على قول أو همس أمنية!

عن البيان الاماراتية



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية