العدد (4022) الاربعاء 20/09/2017 (ستيفن هوكينغ)       ستيفن هوكينغ.. النضال من اجل الحقيقة       ستيفن هوكنج وخلق العالم؟       نظرية كل شيء: انظروا إلى النجوم وليس إلى أقدامكم       ستيفن هوكينغ.. الافكار الاكثر تأثيرا على مستقبلنا       هوكينغ وتجدّد "الاهتمام الشعبي" بالعلم       إشعاع هوكينج.. إشعاع الإرادة والتحدى       ستيفن هوكينغ يجتذب السينما من "ثقب أسود" مشع!       نص من مقابلة ستيفن هوكنج مع لاري كنج..لا يمكن لكارثة موضعيّة محو الجنس البشري بأكمله       حين ينتصر العقل على عوق الجسد    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :20
من الضيوف : 20
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 17437267
عدد الزيارات اليوم : 3548
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


سيد درويش بوهيمي..وزاهد!

كان  المسرح غاصاً بالجماهير،  وكان الممثلون يلقون ألحانا عرف الناس انها  لنابغة لموسيقي هو سيد درويش،  فارهفوا آذانهم لئلا يفوتهم شيء منها، واذا  برجل ينتصب واقفاً ويصرخ بأعلى  صوته:
- يا ناس يا هوه! والله العظيم دي مش ألحاني.. دول عاوزين يشوهوا أسمي..
ثم خر مغشياً عليه.. فتجمهر حوله المتفرجون وتساءلوا: ترى من يكون هذا المجنون؟ واذا بنفر من معارف الفقيد العظيم يقولون:


- هذا سيد درويش!

وقد أغمى عليه من فرط التأثر إذ لاحظ ان الممثلين يخطئون في اداء ألحانه.
هذا هو سيد درويش، او الشيخ سيد، اولا وآخراً.. سيد درويش الذي إجتمع له مالم يجتمع لفنان مصري قبله، وما يندر ان يجتمع لأحد بعده.

حياة فذة
نشأ فتى معمماً يدرس القرآن وأصول الدين ويحلم بأنه سيصبح في يوم من الايام إماماً لقرية او مأذونا شرعياً.. وقد قطع في دراساته الدينية شوطاً بعيداً، وكادت أمانيه تتحقق، لولا ميله الفجائي الى احتراف التلحين وشغفه بالموسيقى والغناء. ولم تمض سنوات حتى ذاع صيته واعترف له الكل بالزعامة.
ومما يروى عن كفاحه قبل ان يبلغ قمة المجد ان الشيخ سىلامة حجازي عرف له قدره وسمح له بالغناء على مسرحه ذات ليلة بعد ان قدمه للجمهور، فلما بدأ الشيخ سيد درويش يغني، وكانت ألحانه فذة غير مألوفة، إستنكر الجمهور غناءه وراح يصيح طالباً الشيخ سلامة.. فخرج هذا اليهم وهتف:
- عاوزين ايه يا ناس ياللي ما تعرفوش الفن؟
وراح يصب على الجماهير وابلا من قارص الكلم ويرميهم بالجمود، أما الشيخ سيد درويش فقد اختفى خلف الكواليس واخذ يبكي ويتأوه!
وبهذه الدموع والآهات والكفاح المضني تربع على عرش الموسيقى، وبلغ من المجد في حياته مالا مزيد عليه، فقد اعترف له الجميع بانه جدد الموسيقى للمرة الثانية بعد عبده الحمولي، ووضع الغناء التمثيلي على اساس مكين، واثبت ان الموسيقى الشرقية، كأختها الغربية، قادرة على التعبير عن مختلف المشاعر وتصوير الطبيعة أروع تصوير.

هل أخجلوا تواضعه؟
ومن طريف ما يروى بهذا الصدد ان الشيخ سيد لم يكن من شأنه التواضع وانكار الذات، فقد كان يحب ان يرى تمجيد الناس له ويسمع اشادتهم بذكره، كما كان يحرص على رواية احاديثهم لكل من يجلس معه مدة أطول من المدة المخصصة للتعرف والسلام والحديث عن الجو وما اليه.
وكان يثور على كل من يحاول انكار عبقريته، ويعبر عن تلك الثورة بالقيام ومغادرة المجلس الذي يجلس فيه منكر فضله..
يبدو انه عاد فانكر عبقريته في أواخر أيام حياته! وهذا عجيب من رجل مات وهو في ذروة مجده. فقد قال من رأوه قبيل وفاته انه ثار على نفسه، ان صح هذا التعبير، وراح ينكر كل آثاره الموسيقية ولا يرضى عن مجهوده (العقيم..!) وهذا يدل على ضخامة آماله، وقد صمم على السفر الى ايطاليا ليدرس الموسيقى الغربية دراسة تفصيلية جامعة، ولكن الموت ختم حياته وقضى على كل أمانيه.

بوهيمي.. زاهد..
ولم نكن نتوقع ان يجتمع الزهد والحياة البوهيمية في رجل واحد.. حتى رأيناهما في سيد درويش.
فأما بوهيميته فلم يكن يحدها حد، فقد كان (فوضى) يندر ان نجد لها مثيلا في سائر الفنانين. كان يأكل اي شيء. وفي اي مكان، وكان يصوم اياماً فلا يأكل ولا يشرب إلا ما يسد الرمق.
وكنت تراه في كل مكان، ثم يختفي فلا يعرف له احد مستقراً. وقد روى عنه انه كان مختلياً بنفسه في قهوة على ضفة النيل ليتم تأليف لحن من ألحانه بينما كان بيته غاصاً باصدقائه ومعارفه وكانت عروسه تنتظره ليلة الزفاف!!
وكان ينام وينام وينام، ثم يسهر ويسهر ويسهر فلا ضابط لنومه او سهره.
وكان يجلس معك ويحدثك في أمر من الأمور، ثم تأخذه (جلالة) الفن فينساك وينسى كل ما حوله و(يدندن) قليلا ثم يغيب عنك كلية فتتركه وقد يئست من عودته الى عالمنا الارضي..!
وكان طيباً جداً ورقيقاً جداً. فاذا ثارت ثائرته تبدلت حاله وأصبح شرساً جداً وقاسياً جداً..
اما ملابسه فقد كانت فوضى لاحد لها. ولم يكن ينتظم منها الارباط رقة الفن الذي كان لا يفارق رقبته لحظة، وكان يتقاضى ثمن الحانه في فترات متقطعة اذ ام يكن له مرتب ثابت – اللهم الا عند اشتغاله مع نجيب الريحاني – فكان يرسل جانبا من النقود الى عائلته في الاسكندرية، وينفق الباقي – وقد يتجاوز مئات الجنيهات على أكثر من عشرة من اصدقائه كانوا يصاحبونه في سهراته البوهيمية ولياليه الليلاء- او الملاح كما كان يسميها هو وقد مرت به أيام سود في اواخر الحرب العظمى وخلال الثورة المصرية سنة 1919 كان فيها مفلساً بكل معاني الافلاس، ومع ذلك لم يحيد عن حياته البوهيمية قيد شعره.

الزهد في الحياة
هذا عن حياته البوهيمية اما زهده فقد كان فريداً بين الوان الزهد المعروفة.. كان هذا الزهد يأتيه على (نوبات) تشبه نوبات الجنون، وكان تارة يائسا من الحياة واخرى نافرا من عالم اللهو والحياة البوهيمية، كما كان في احيان اخرى تشاؤمياً ومتوقعا للموت القريب.
ومن اشد ذكريات تشاؤمه إيلاما، مارواه الاستاذ بديع خيري من ان صديقه الراحل كان يتوقع الموت في كل حين، وقد اهدى إليه ذات يوم صورة له كتب عليها:
صديقي ان عفا رسمي
وهد الموت بنياني
فتاج الروح واذكرني
نزيل العالم الثاني
وكان يكتب امثال هذين البيتين المفعمين بالتشاؤم كلما اهدى الى صديقه صورة له..
ودخل على صديقه ذات يوم وقد اصفر لونه وظهر عليه التأثر الشديد وقال:"أسمع.. انا النهاردة الصبح كنت قاعد باشتغل جوه اودني في امان الله، بصيت على غفلة لقيت صورتي اللي محطوطة قدامي جنب زهرية ورد وقلبت على الارض لوحدها بدون اي شيء ما يمسها، واقول لك الحق مر على ذهني ساعتها خاطر محزن ألهمني بان السنة دي مش حاتتم علي وانا في الدنيا".
ومن المصادفات العجيبة ان سيد درويش مات بعد هذه الحادثة ببضعة اشهر وقد كان استبداله بالعمامة والجبة والقفطان الزي الاوربي، مظهرا من مظاهر زهده.. ولذلك حكاية مؤثرة: فقد كان عليه ان يقف خلف ستار المسرح بين الممثلين والممثلات – وكلهم من الافندية والحان – فكان يشعر بألم شديد كلما فكر في انه المعمم الوحيد بين عشرات ممن قد يسخرون من العمامة، وقد يروح به الالم ذات ليلة فانخرط في البكاء وراح يلوم نفسه أشد اللوم على تحقير الزي الديني المحترم في اوساط لا تحترمه، وقرر خلع المبلابس الدينية ولبس الملابس الافرنجية.
بيد انه ظل يدعى"الشيخ سيد درويش"الى آخر يوم في حياته.

ملحن النشيد
سيد درويش هو اول موسيقي مصري هجر التخت وما اليه هجراً تاما واعتمد في الحانه على صدق التعبير والقوة، وهو أول مصري رفع لواء الثورة على الاغاني و(الطقاطيق) الشرقية الراكدة التي تجعلك توقع (الواحدة) برجلك دون ان تهتز لها اوتار قلبك. ويخطئ من يظن انه كان في ثورته مقلدا للالحان الغربية، فقد كان مجدداً في الموسيقى الشرقية، ولم يكن يخطر بباله ان يسرق الحاناً اوربية وبمصرها إذ كان في غنى عن ذلك بعبقريته وخصب خياله وهو الموسيقي المصري الوحيد الذي يبكيك بالحانه الحزينة، ويضحكك بنغماته الضاحكة، ويثير اشجانك ويبعث فيك روح الحماسة والنبالة بمقطوعاته الغنائية المختلفة، وأكبر دليل على ذلك النشيد الحماسي الذي لحنه فجأة آية من آيات القومية المصرية، تنشده فيحيل اليك ان دماءك تجري حارة ثائرة جياشة في عروقك..
وبعد.. هذا هو الشيخ سيد درويش الذي نحتفل بذكراه الثانية عشرة والذي يعد بحق ركنا من اركان النهضة القومية المصرية، وزعيماً من اكبر زعماء الفن الحديث.
رحمه الله وطيب ثراه
فنان
كل شيء والدنيا /  أيلول- 1935



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية