العدد (4022) الاربعاء 20/09/2017 (ستيفن هوكينغ)       ستيفن هوكينغ.. النضال من اجل الحقيقة       ستيفن هوكنج وخلق العالم؟       نظرية كل شيء: انظروا إلى النجوم وليس إلى أقدامكم       ستيفن هوكينغ.. الافكار الاكثر تأثيرا على مستقبلنا       هوكينغ وتجدّد "الاهتمام الشعبي" بالعلم       إشعاع هوكينج.. إشعاع الإرادة والتحدى       ستيفن هوكينغ يجتذب السينما من "ثقب أسود" مشع!       نص من مقابلة ستيفن هوكنج مع لاري كنج..لا يمكن لكارثة موضعيّة محو الجنس البشري بأكمله       حين ينتصر العقل على عوق الجسد    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :23
من الضيوف : 23
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 17437287
عدد الزيارات اليوم : 3568
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


سيد درويش.. الموسيقار الذي لا يغيب

دنيس جونسون ديفز
مستشرق عاش في مصر
عدت  من جديد أقلب في قصاصات الصحف التي أحتفظ بها من أيامي الأولى في القاهرة،  عندما طلب مني أصدقاء مصريون أن أكتب للأجانب باللغة الإنجليزية عن  القاهرة المصرية العريقة في جوهرها، وأن أقول شيئا عن المشاهير في ذلك  الزمان، حيث ساد الشعور، وهو شعور كان في موضعه حقا، بأن معظم الأجانب خاصة  الإنجليز، يميلون للنظر إلى مصر، وتحديدا العاصمة، باعتبارها شيئا يشكل  امتدادا لأوروبا.


وقد تصادف في ذلك الوقت أن كان لي العديد من الأصدقاء المصريين الذين يعملون في مجالات الأدب والموسيقى والمسرح (التي كانت بداياتها تتبلور في ذلك الوقت)، وسرعان ما علمت أن الموسيقى العربية تضرب جذورها في وقت بعيد. وقد كان الغناء دوماً، وليس الآلة الموسيقية، هو الذي يهيمن على العصور السابقة، وكان أول شكل من أشكال الغناء هو كما نعلم الحداء.
وقد وصفه المؤرخ الشهير المسعودي باعتباره قد ضرب جذوره بالطريقة الغريبة التالية: يبدو أن رجلا قد سقط من فوق راحلته فكسر رسغه، فصاح متألما:”يا يداه، يا يداه"، وتصادف أن هذه الصيحة التي علا بها صوت الرجل قد تزامنت مع خطوات راحلته وجعلتها تواصل السير، ويقال: إنه من هذه الصيحة جاء الحداء الذي استخدم في ما تردده القوافل، والذي يشكل أقدم شكل للغناء عرفه العرب.

وخلال أكثر المراحل تبكيراً في الإسلام، لم تكن الموسيقى تحظى بحماس كبير ممن يتسمون بالورع، وهناك أحاديث تنسب إلى الرسول الكريم مفادها أن الأدوات الموسيقية كلها هي مآذن الشيطان، وإن كنا لا ندري مدى دقة ذلك ولا صحته. ولكن التاريخ يحدثنا بأن الموسيقى كانت إلى حد كبير جزءا من الحياة اليومية لسكان شبه الجزيرة العربية في تلك السنوات الأولى، بحيث لا يمكن تنحيتها جانباً وتجاهلها.
وهكذا فإن المرء يجد في كل كتب التاريخ الأولى ذكرا دائما للدور المهم الذي لعبه الشعر والموسيقى في بلاط الحكام العرب، تماما كما كانت الحال في حياة الناس العاديين، وأن المغنين والعازفين كانوا من بين أولئك الذين يحظون بالتقدير والمردود المادي الكبير في المجتمع. ويمكن لأي قارئ إدراك هذا من كتب مثل”ألف ليلة وليلة”و"كتاب الأغاني".
والأخير يحتوي على تاريخ الموسيقى في العالم الإسلامي، منذ أقدم العصور حتى العصر العباسي. واشتهرت مئات الأغاني في بلاطات الخلفاء، وسجلت الطرائف عن المغنيات فيه وفي غيره من الأعمال. ولكن لم يتم الاحتفاظ بنغمة موسيقية واحدة، وذلك بسبب عدم وجود نظام لكتابة الأنغام الموسيقية حينذاك.
ولما كانت الموسيقى القديمة تنتقل شفهياً، فإن من المستحيل تحديد طبيعة الشبه بين تلك الموسيقى الغامضة التي تعود إلى حوالي 12 قرنا أو يزيد، وبين موسيقى اليوم. وقد كان هناك تراجع بطيء ولكنه ثابت، كحال الفنون الأخرى، في حقل الموسيقى بعد سقوط بغداد وتمزق العالم العربي، وفي سنوات قريبة فحسب كانت هناك بداية للإحياء الحقيقي، والشخص المسؤول بصورة رئيسية عن هذا الإحياء - على الأقل في مصر - هو الموسيقار سيد درويش.
ولد سيد درويش عام 1892 في الاسكندرية، وكان مغنياً وملحناً معاً، وأصبح أباً للموسيقى الشعبية المصرية. وقد ولد لأبوين فقيرين لم يكن لديهما من الموارد المالية ما يكفي لإدخاله المدرسة، وهكذا فإنه في عمر مبكر عمل مبيضاً للبيوت، وفي ذلك العمر المبكر أظهر عشقا للموسيقى، رغم أنه لم تتح له قط الفرصة لدراستها.
واعتاد خلال قيامه بعمله كمبيض، أن يغني ليسري عن رفاقه العاملين في هذه المهنة، الذين سرعان ما أجمعوا على أنه ينبغي أن يدفع له أجره اليومي دون أن يطلب منه القيام بالتبييض، لكي يتاح له تكريس كل طاقاته للغناء. وقد كان هذا ترتيباً ملائماً لسيد درويش، الذي كسب منذ ذلك الحين قوته بغناء الأغاني الشعبية التي كانت سائدة في ذلك العهد.
كما هي الحال في حياتنا جميعا، لعبت الصدفة دورها في حياة سيد درويش، حيث تصادف أن استمع تاجر من طنطا له وهو يغني فتأثر كثيرا بما سمع، ليس بالغناء الفعلي، وإنما بالطريقة التي تناول بها سيد درويش الأغاني التي يرددها مغنون لهم شهرتهم مثل الشيخ سلامة حجازي، وبادر إلى تغييرها وتحديثها، فأعطى سيد درويش بعض المال وشجعه على الدراسة.
عاد سيد درويش بعدئذ إلى الإسكندرية وانطلق يغني في الحفلات الخاصة، ثم وجد رجلاً وافق على أن يصاحب غناءه بالعزف على الأرغون، وكان من إنجازات سيد درويش تأليف موسيقى تواكب كلمات النشيد الوطني المصري”بلادي.. بلادي".
لقيت عبقرية سيد درويش التقدير من سيدة كانت تقيم في الإسكندرية، فاستمعت إلى غنائه وأعطته من المال ما يتيح له أخذ دروس في العزف على العود، وأتاحت له من الشعور بالأمن المالي ما يسمح له بتطوير عبقريته كملحن. وخلال هذه الفترة زار القاهرة بصورة متواترة، حيث التقى بالممثل الشهير نجيب الريحاني، الذي تألق في شخصية”كشكش بيه”وكانت له فرقته المسرحية الخاصة.
سرعان ما طارت شهرة سيد درويش في أرجاء مصر، وتمكن من التعبير عن روح العصر الذي كان يعيش فيه. وقد كان ذلك عصر الثورة المصرية على الاحتلال الإنجليزي، وهو عصر لم يكن من السموح فيه بالتعبير عن المشاعر الوطنية، ولكن سيد درويش تمكن من تغيير الكلمات في أغانيه بطريقة استطاع الشعب المصري أن يقرأ معها ما بين السطور، وأن يفهم المعاني التي تنقلها هذه الأغاني، رغم عين الرقابة الصارمة المفروضة في ذلك الزمان.
وكان من المحزن حقا أن يرحل سيد درويش عن عالمنا في عمر مبكر، وأن تتصادف وفاته مع اليوم ذاته الذي عاد فيه الزعيم سعد زغلول إلى الاسكندرية من الخارج، حيث كان الجميع يترقبون عودة زعيم البلاد. وهكذا لم يشهد جنازة سيد درويش إلا نفر قليل من الناس الذين شيعوا عبقري مصر إلى مثواه الأخير، بعد أن تمكن قبيل وفاته مباشرة من تلحين أغنية خالصة أعدت للترحيب بسعد زغلول.
ومع أن أغاني سيد درويش لم تعد اليوم رائجة، خاصة بين صفوف الشباب، فإن الحقيقة التي تفرض نفسها هي أنه كان مؤسس الموسيقى العربية الحديثة.
عن موقع جريدة الاهرام



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية