العدد (4070) الخميس 23/11/2017 (بدري حسون فريد..رحيل الاستاذ)       لفريد بدري حسون فريد سمو يتوهج       لنتذكــر بـــدري حسون فريد       حوار مع الرائد المسرحي الفنان بدري حسون فريد              لقاءمع الفنان الكبيربدري حسون فريد:المسرح لم يولدفي يوم واحد،بل هو سلسلةمن إرهاصات فكريةوإجتماعية       بدري حسون فريد.. ذاكرة الايام العصيبة       بدري حسون فريد.. غربة مزدوجة!       عشت ومتّ شامخاً سيدي بدري حسون فريد       الرائد المسرحي بدري حسون فريد وكتابه: قصتي مع المسرح    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :36
من الضيوف : 36
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 18508618
عدد الزيارات اليوم : 3942
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


ذكرياتي عن "أبو صخير"

باسم عبد الحميد حمودي
هي  اليوم مركز قضاء تابع لمحافظة النجف الاشرف.وقدكانت  قبل انشطار النجف  -  كقضاء – في السبعينات عن كربلاء وتحولها الى محافظة تابعة الى محافظة  القادسية (الديوانية  اليوم).
تبعد ابو صخير عن النجف عشرين كيلو مترا  وعن ناحية  الحيرة (الجعّارة سابقا) كيلومترين في حسابات عام   1946 وذلك  يعني ان المباني قد امتدت بين المدينتين  وانحسرت تلك البساتين الجميلة  التي كانت تفصل بينهما.


يخرج من نهر الفرات عند نهاية  حدود البلدة القديمة (وأنا أتحدث هنا عن الفترة1946- 1947) جدول صغيريمتد غربا باتجاه مدينة الحيرة ومزارعها هو جدول الغازية او الغازي بلغة اخرى، والتسمية هنا منسوبة للملك غازي الاول الذي تم  حفر النهير في عهده لايصال الماء الى بساتين هذه المدينة التاريخية التي عرفها العالم قبيل الاسلام، وهي عاصمة لدولة المناذرة   التي  ازدهرت حضارة العراق زمنها بفعل ذلك التلاقح بين ثقافة المدينة وثقافة الصحراء، وهي ترتبط بعلاقتها الوثيقة  بالحضارة الساسانية التي كانت تهيمن على النصف الشرقي من العالم بقدر ما كان توازن القوى عالميا قد جعل دولة الغساسنة و عاصمتها  (دمشق)  دولة حاجزة بين القوى الغربية الاعظم – ايامها – المتمثلة بدولة الروم.فيما كان المناذرة  من  آل لخم حكّام الحيرة   يحكمون الدولة الحاجزة لهيلمان الامبراطورية الفارسية في نصف الكرة الشرقي.
كان عرب الحيرة وعرب دمشق يتصارعان انتصا را لحليفيهما اللذين لم يقصرا ايضا في ايذاء من حالفهما لا من وقف ضدهما فحسب.
 في(الحيرة) آثار قصري الخورنق والسدير وهما قصران تاريخيان من مشاريع دولة المناذرة. وللخورنق حكاية معروفة  و مؤلمة حيث بناه واشرف على مخططاته  المعمارية المهندس (سنمّار)الذي تقول الحكاية أنه وضع حجارة في مكان من البناء اذاسحبها انهار بناء القصر كله!
سنمّار هذا –ويا للغرابة- تباهى امام الحاكم امير المناذرة  بهذا الانجاز المعماري وكانا يتفقدان القصربعد أكتماله، وقد وقفا عند اعلى أبراجه فامر الاميربرمي سنمار من أعلى  قصرالخورنق لكي يموت هذا السر معه، فمات سنمارهذه الميتة  البشعة وغطت دمائه تلك البقعة من ارض الحيرة..      
احدى الحكومات العراقية الحديثة أسمت قضاء أبوصخير بقضاء (المناذرة) نسبة للدولة القديمة التي كانت رمزا واحدى مدكات الحضارة العربية قبيل الاسلام، لكن الناس ظلت تسمي المناذرة ابي صخير، مثلما ظلت تسمي ناحية(آل بدير)المطلة على صحراء الحي والتي تحتضن نهايات نهر عفك  تسميها (العبرة) بكسر العين رغم استبدال أسمها الرسمي الى ناحية التحريرمرة وآل بديركما هو الامر دوما.
 ولاستبدالات أسماء المدن من شعبية الى رسمية شؤون وشجون، فالمشخاب كان اسمها الرسمي (الفيصلية) بعد تتويج الملك فيصل الاول عام 1921،  وقد اعيد اسم المشخاب اليها بعد ثورة 14 تموز وكان نهرها يفيض في موسم الفيضان فيؤذي الزرع وكذلك امر القرى والمدن المجاورة للمشخاب القريبة من ابي صخير مثل الشامية  والمهناوية والشنافية وغماس.
   في ذلك الزمان كان الفرات  يفيض على البطائح المجاورة لابي صخير والشاميّة ويغرق القرى في فصول الفيضان  وما يحمله من اسى وفرح البعض بذلك الفيضان الذي يعطيهم  خيرا وغرينا  ويعطيهم – بعد ذلك رز المشخاب الشهير وتمّن الشامية , وكان  موظفو هذه المدن –من غير أبنائها- يضطرون الى شراءكميات من ارز لاهليهم في المدن التي أتوامنها.
كانت بيوت الموظفين من غير أبناء المناذرة (أبو صخير) مشيدة من قبل الادارة المحلية  ليقيم بها هؤلاء ومع اسرهم  فأذا أنتقلوا الى مكان آخر(الحاكم -القاضي  –معاون الشرطة – مدير المدرسة –مفوّض الشرطة- محاسب البلدية – مدير المال وسواهم) سلمت هذه الدور الى من يخلفهم حيث تتقاضى حسابات القضاءمنهم مبالغ أيجار  تحسب على اساس الراتب الاساسي دون غلاء المعيشة بحيث لاتتجاوزالدرهم (الخمسون فلسا) عن كل دينارمنه)، وكانت بيوت هؤلاء تقع –يومذاك- عند طرف المدينة بالقرب من شاطئ (البدعة) وهي جدول صغيريخرج من الفرات وتتوزع مياهه على البساتين المجاورة للمدينة , و(البدعة) نهيرظل منتجع سباحة للصبية ومصدر نقل ديدان البلهارزيا اليهم حيث كان الصبية يعانون ويتحملون دورات الحقن الكثيرة في الورك للتخلص من مرض البول الدموي الناتج عن البلهارزيا.
 كانت  (البدعة) تحيط بالفناءات الخلفية لدور الموظفين فاذا اقبل الليل وعم الظلام تسللت الى البدعة اجسام نسائية غضة بالملابس الكاملة لتنعم بسباحة هانئة لا تستطيع الحصول على متعتها حتى في بغداد الامس غيرعابئة بالنتائج المرضية القادمة اذ تكفي المتعة  الآنية للمرأة أو الفتاة علاجا وهي تتقلب ليلا بين أحضان  الماء دون خوف من طارئ أو متسلل والدنيا أيامها (عام 1946) غير دنيا اليوم.
 المناذرة اليوم رسميا  وابو صخير هو الاسم الشعبي و هو الاسم الاثير لهذه المدينة التي شهدت نهضة فنية رائعة منتصف الخمسينات.
 زارها محمود شوكت رئيس الفرقة العربية للتمثيل ومعه فرقته وزارها حقي الشبلي مع فرقته، وزارتها فرق مسرحية اخرى،وكانت التقاليد تقضي بتخصيص يوم للنساء اضافة لعروض الرجال التي كانت تتم في المسرح الذي كان يقوم في  ساحة المدرسة الابتدائية الوحيدة متكونا من   (خشبة)مكونة من رحلات المدرسة التي تجمع ويوضع عليها غطاء يكّون ارضية لذلك المسرح الارتجالي المؤقت فيما تحوي اجزاء الساحة الباقية  كراسي المشاهدين.
 وفيما كانت الفرق المسرحيةالقادمة من العاصمة تزور ابي صخير ومعها ممثلاتها فقد اضطرت فرقةمسرحية من مدينة الحيرة ان  تكلف احد المعلمين أن  يقوم بأداء دور (ليلى) في  مسرحية (قيس وليلى) لاحمد شوقي  وكان على ذلك المعلم  أن يرتدي الفوطة والجرغد ليغطي رأسه ويظهر جمال عينيه مكحلين ووجهه الملون المصبوغ بألوان الماكياج غير الاحترافي من قبل معلم آخر هو أحد اعضاء الفرقة المسرحية التي تألفت من معلمي مدرسة الخورنق في الحيرة التي قدمت عملها وسط مدرسة قضاء ابي صخير   لضمان دعم القائممقام وتشجيعه وموظفيه بالتبرع للفقراءمن الطلبة، وقد تسلل بعض الطلبة الى (منارة) المدرسة ليشاهدوا العروض...
 وحكاية منارة المدرسة الابتدائية في ابي صخيرمعروفة  فقد كانت هذه المدرسة جامعا تم بناء غيره، واستخدمت الادارة المحلية بناية الجامع القديم ليكون مدرسة لفائدة الجيل الجديد، ولم يحتج الا القليل على هذا الاستخدام الذي لم يحول المحراب الى صف بل حوّل ساحة المدرسة – الجامع الى ارض مسرح تقدم المسرحيات  المتعددة في (فضائه) مثل قيس وليلى لمعلمي مدرسة الحيرة و(عبد الكريم الخطابي  أو ثورة الريف) لفرقة محمود شوكت  و(البخيل) لمولير وفرقة حقي الشبلي وسواها.
 هكذاكانت أبوصخير  مثلما كانت بلدا للثوار مثلما هي الحيرة والمشخاب والشامية والمهناوية، فقد ثار  السيد علوان الياسري فيها وفي المشخاب، مثلما ثار صفيه الشيخ عبد الواحد سكر الفرعون شيخ آل فتلة التي كان من شيوخها الثوار صكبان عبادي الحسين  في منطقة المهناوية.
 كانت كل هذه المناطق والقصبات  - وما تزال – متقاربة الفكر والارض محجتها النجف – وما تزال – مثلما كانت ارض ظهر الحيرة مثل ارض ظهر الكوفة مقرا ت لجاثليقات وكنائس واديرة منذ زمن اللخميين
  كان التعبد سمة لهذه الارض وكانت مراكز الاداء التهجدي مجسمة في هذه الارض التي ما ابتعدت يوماعن التجذير للفكر الرباني فهو فكر خالق تلقفه مخلوق وعاه  وجسده عطاء بشتى الصور والاشكال.
 (ابو صخير) مدينة الوعي بالحقيقة ومدينة الادانة لكل نوازع الشر، وهي جزء من ذكريات طفولة نلت من بدعتها مرض البلهارزيا، ومن مدرستها الانتقال من الثاني الابتدائي الى الثالث، ومن ابي صخير بدأت الرحلة الى بغداد.  وخلال السنة الوحيدة التي كنت فيها شهدت النجف مرارا وزرت الكوفة مرارا بواسطة (الكاري) وهو الترامواي الرابط بين مدينتي الامام القريبتين من (ابو صخير).
 تظل هذه المدينة الجميلة تشكل قيمة جمالية خاصة بالنسبة لي وقيمة رائعة لاهلها وللمدن والدساكر التي حولها.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية