العدد (4070) الخميس 23/11/2017 (بدري حسون فريد..رحيل الاستاذ)       لفريد بدري حسون فريد سمو يتوهج       لنتذكــر بـــدري حسون فريد       حوار مع الرائد المسرحي الفنان بدري حسون فريد              لقاءمع الفنان الكبيربدري حسون فريد:المسرح لم يولدفي يوم واحد،بل هو سلسلةمن إرهاصات فكريةوإجتماعية       بدري حسون فريد.. ذاكرة الايام العصيبة       بدري حسون فريد.. غربة مزدوجة!       عشت ومتّ شامخاً سيدي بدري حسون فريد       الرائد المسرحي بدري حسون فريد وكتابه: قصتي مع المسرح    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :31
من الضيوف : 31
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 18508712
عدد الزيارات اليوم : 4036
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


حسين الرحال والحلقات الاولى للماركسيين في بغداد

د. مؤيد شاكر الطائي
يعد  حسين  الرحال، رائد الفكر الماركسي في العراق، لجهوده في انشاء اول خلية  ماركسية  ضمت محمود احمد السيد ومحمد فاضل البياتي وعوني بكر صدقي ومصطفى  علي ومحمد  سليم فتاح وعبد الله جدوع. وقبل التعرف على افكار هذه الجماعة  ونشاطها،  لابد من اعطاء فكرة عن خلفيتها الاجتماعية وكيفية تشكيل تلك  الخلية.


 ان مؤسس الخلية ومحورها الفعال هو حسين علي صائب الرحال، المولود في بغداد عام 1903،وهو ابن عائلة متوسطة الحال، والده كان ضابطاً في الجيش العثماني.وعلى الرغم من مشاغله كان حريصا على اكمال تعليمه. فأدخله في المدرسة السلطانية في بغداد. وكان ابرزمعلميه معلم التاريخ”ارسين كيدور”وذلك عام 1914. ويشير”حنا بطاطو”الى ان لكيدور التأثير الكبير في نشر الماركسية في العراق من خلال تأثيره  في حسين الرحال الذي قام فيما بعد  بتشكيل اول خلية ماركسية في العراق.

وحقيقة الامر انه ومن خلال الاطلاع على مختلف المصادر لم نجد اثراً لكيدور في تطوير ونشر الفكر الماركسي في العراق. وان تأثير كيدور في الرحال كان ضعيفاً فان الاخير كان عمره (11) سنة عندما كان طالباً لدى كيدور، وهذا العمر قد يتسنى فيه للرحال تلقي بعض الافكار من كيدور بما يناسب عمره،لكن ليس بالشكل الذي رسمه بطاطو، من ان مستقبل الحركة الشيوعية والفكر الماركسي في العراق تطور بسبب هذا التأثير.    
كانت نقطة التحول في حياة حسين الرحال، تقدم والده في القيادة العليا للمدفعية في الجيش العثماني، وايفاده في بعثة عسكرية الى المانيا التي بهرته كثيراً، فسعى الى ارسال ولده في بعثة حكومية للدراسة فيها.وقد تحقق له ما اراد بفعل مكانته العسكرية، فاصبح حسين الرحال عام 1916 طالباً في احدى ثانويات برلين،حيث تعرف على الشباب الالمان وافكارهم. وكانت المانيا انذاك تمر بمرحلة ثورية بعد الهزيمة في الحرب العالمية الاولى وتشيع فيها الافكار الاشتراكية، واندلعت ثورة”السبارتاكيين الشيوعيين”عام 1918. واصبحت معارك الثورة في برلين تجري قريبا من سكنه، فسمع وقرأ بيانات ومطبوعات قادة الثورة وتعرف على افكارهم الماركسية.وقرأ ايضا الجريدة البرلينية”برلينرتاكه فلاك”وكراس بعنوان”حكومة السوفيات في هنغاريا”.وبسبب اضطرابات الاوضاع  ولصعوبة التحويل الخارجي لتغطية نفقات الدراسة، ترك دراسته في المانيا وعاد الى العراق في نهاية عام 1919.
 لم يبق حسين الرحال طويلا في العراق، اذ سافر الى الهند عام 1921، وامضى فيها عام والتقى هناك بصحفي هندي ثوري ساعده على معرفة المزيد من الافكار الماركسية، وتعلم في الهند ايضا اللغة الانكليزية، التي مكنته بعد عودته الى العراق عام 1922 من قراءة الكتب والمجلات الانكليزية التي كان يحصل عليها من المكتبة العصرية ومكتبة مكنزي.فقرأ مجلة”الليبرمونثلي البريطانية”،وكان يصدرها الشيوعي الهندي الاصل”بالم وات”. وكان يتابع ايضا المجلة الشيوعية التركية”رسم بي اي”، وعكف على دراسة كتاب كارل ماركس المعروف”رأس المال”الذي حصل عليه بمساعدة مكنزي. وفي نهايات عام 1922 التحق الرحال بكلية الحقوق.
اما الشخص الثاني من الجماعة، فهو محمود احمد السيد، المولود في بغداد عام 1903 في محلة باب الشيخ.وهوابن رجل دين وامام جامع الحيدرخانه. تربى ونشأ كما اراد والده نشأة دينية، فدرس في المدرسة التركية الابتدائية في بغداد، وبعد الاحتلال البريطاني للعراق زار الهند وقضى فيها بعض الوقت. ورجع الى العراق عام 1920،وكتب مقالات عدة في صحف محلية مثل”الاوقات البصرية”و”المشرق”، تطرق فيها الى مواضيع تخص الدين والاخلاق والمجتمع والدعوة الى العلم والمساواة ومواضيع اخرى دلت جميعها على اخلاص وتدين وتقوى، اذ كانت الاجواء الدينية لاتزال مسيطرة عليه.
كانت نقطة التحول الكبرى في حياة محمود احمد السيد، رجوعه من الهند وتعرفه على حسين الرحال، بعد ان تعرف على مصطفى علي وعوني بكر صدقي، اذ ان تعرفه على الرحال كانت له اهمية كبيرة في تفكيره وعقيدته واهتمامه، اذ تأثر كثيرا بأفكار الرحال، وبتأثير من الرحال انصرف السيد الى كتابة القصص ذات الطابع الاجتماعي الاشتراكي، وبذلك قلب فكر محمود احمد السيد رأسا على عقب، وهذا ما برز في قصصه التي كتبها بعد تعرفه على الرحال.
اما بقية افراد الجماعة التي تعرف عليها الرحال بعد تعرفه على السيد،فهم فاضل محمد البياتي وهو من عائلة غنية اذ كان ابوه بكباشي(مقدم) في الجيش العثماني. وعوني بكر صدقي  المدرس في المدرسة الحيدرية في بغداد، وكان ذا ميول صحفية وابن موظف صغير واسهم مع محمود احمد السيد عام 1922 في تأليف كتاب”السهام المتقابلة”، ومصطفى علي وهومعلم ابن نجار، ومحمد سليم فتاح، صهر حسين الرحال، كان طالباً في كلية الطب، وهو ابن مسؤول سابق في الحكومة العثمانية، وعبد الله جدوع، موظف في ادارة البريد والبرق وهو ابن خياط.
تركت شخصية الرحال اثراً كبيراً في هذه الجماعة، لما كان يتمتع به من ثقافة واسعة. وبهذا التعارف تكونت اول خلية ماركسية في العراق عام 1922.
كانت الخلية وبسبب عدم امكانيتها في الحصول على مكان خاصٍ بها لغرض الاجتماع واللقاء تجتمع في احدى غرف جامع الحيدرخانه التي حصلوا عليها بوساطة والد محمود احمد السيد. وقد اطلقوا علىغرفتهم هذه اسم”الصومعة”، وكان حسين الرحال يشير لمجموعته بأسم»جماعتي»، وحين تسأل عن عملها تجيب”ان همنا دراسة افكار جديدة”. وكانت تتخذ لها ايضا مكاناً بارزاً في مقهى النقيب في محلة قنبرعلي(وسط بغداد)، وفي مقاهي الباب الشرقي. وكانوا يعرفون بين الشباب بأسم”حملة الافكار الجديدة”.
     نظرت هذه الخلية الى مصرعلى انها منبع الفكر الاشتراكي في المنطقة العربية،لذا حاولت الحصول منها على الكتب الاشتراكية، وهذا ما يتبين من رسالة محمود احمد السيد الى الاشتراكي التقدمي اللبناني الداعي الى المساواة نيقولا حداد عام 1923،والتي اوضح فيها حاجتهم الماسة الى الكتب والمجلات والصحف الاشتراكية،وبخاصة صحيفة الحزب الاشتراكي المصري،وشكا من قلة الكتب الاشتراكية الماركسية في العراق. 
انصرفت الخلية عام 1923 الى دارسة الاوضاع العامة في البلاد، لا سيما مسألة الاستغلال الرأسمالي الاجنبي لخيرات البلاد. فوضعت تقريراً مفصلا في هذا المجال، تناول شرح الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وركز على ظروف الاستغلال الاستعماري.وسعت الى ايصاله للسفارة السوفيتية في طهران، من اجل نقله الى لينين. وقد سافر احد افرادها الى طهران وسلم التقرير الى السفارة السوفيتية التي نصحتهم بالتخلي عن النشاط المستقل والعمل في صفوف الحزب الوطني العراقي بزعامة جعفر ابو التمن.
  وعلى الرغم من ما تثبته رسالة هذه الخلية الى نيقولا حداد من قلة معلوماتها واطلاعاتها بالفكر الاشتراكي عامةً والماركسي خاصة ً،الا انها سعت الى ممارسة نشاطها في بعض الصحف المحلية، ولم تكن لها انذاك اهدافاً محددة ثابتة لتحقيقها، بل سعت لنشر الافكار التقدمية ومهاجمة الرجعية. واكدت”ان الذي يتلقى فكرة جديدة او يقرأ شيئاً يجب ان لاتمنعه من قبوله عقيدة سابقة تتعارض مع الفكر الجديد، فعلى المرء ان يجادل ويناقش وينتقد”.
من هذا المنطلق بدأت الخلية متمثلة بحسين الرحال ومحمود احمد السيد، نشاطها على صفحات مجلة”اليقين». وحرصا على كتابة مقالات مشتركة اغلبها مترجم عن الفرنسية لاطلاع الرأي العام على ما يجري في اوربا من تجدد ورقي، وحثا على ضرورة اظهار الافكار الجديدة والتطور الحاصل في العالم لرفاهية الناس واسعادهم(.
يبدو ان حسين الرحال ومحمود احمد السيد، قد حرصا على كتابة المقالات في هذه المجلة بصورة لا تثير رئيس تحريرها الذي كانت طبيعة تعليمه تتعارض مع افكارهم الماركسية، مما قد يحرمهما من الكتابة فيها. لذلك لم نجد ما يشير للفكر الماركسي في هذه الكتابات. 
ظهرت لاعضاء الخلية كتابات ايضا على صفحات جريدة”العاصمة»، وتحديدا لمحمود احمد السيد الذي اكد ضرورة التجدد والثورة على الجامدين من اهل الادب العتيق واهمية الحرية الفكرية.وكتب ايضا في جريدة”العراق مقال اكد فيه سوء حالة الافكار المتوارثة السائدة في المجتمع، معللا ذلك بشيوع اثار العهد الماضي في الحياة العقلية والفكرية للمجتمع. واشار الى ما ينتاب المجتمع من اهتمام بكتب الغرام والخيال واهمال الاثار التي تمثل الفكر والعقل المتجدد الذي يحمل اراء في السياسة والاقتصاد والاجتماع.
كان أول نشاط بارز ظهرت من خلاله هذه الخلية،هو الخلاف الفكري مع التيار المحافظ الذي كان يسود البلاد، الذي كان محوره قضية الحجاب وتحرير المرأة، الذي شغل الرأي العام آنذاك حتى سمي بمعركة”السفور والحجاب”.
ودار الخلاف بين الخلية الماركسية يساندها عدد من المثقفين الذين وافقوهم على افكارهم بشأن موضوع تحرير المرأه، مثل سامي شوكت والشاعر معروف الرصافي وغيرهما، التي اخذت من صحيفتي”العراق”و»العالم العربي”مجالاً لنشر مقالاتهم، وبين بعض المثقفين المحافظين الذين نقدوا اراء المجموعة مثل توفيق الفكيكي ومصطفى عبد السلام وجميل المدرس ومصطفى عبد الجبار القاضي والشاعر الشعبي الملا عبود الكرخي ومحمد بهجت الأثري ورفيق نوري السعيدي،الذين اتخذوا من بعض الصحف ومنها”المفيد”منبراً للتعبير عن افكارهم.وبدأ الخلاف والمشاحنات بين الطرفين منذ اواسط تشرين الأول 1924، اذ بدأت خلية حسين الرحال الماركسية تطالب في صحيفة”العالم العربي”بالاصلاح وبخاصة في مجال التعليم وانقاذ الفتيات المندثرات تحت الحجاب الذي خلفته العادات والتقاليد. واشارت مقالاتها هذه الى تقدم المجتمع الغربي على المجتمع الشرقي، واوعزت هذا الامر الى التقليد المطلق والاعمى الذي يتسم به المجتمع الشرقي الذي ادى الى التمسك بالبالي والقديم والموروث المعارض للتقدم.وحث المقال ايضا على تعليم البنين والبنات خارج  البلاد، لما تعانيه البلاد من تراجع وتخلف وسيادة القديم، مشيرا الى ان حجاب المرأة ضرب من هذا التخلف والتراجع.
يبدو ان هذا المقال قد اثار المحافظين ودفعهم للرد على دعاة السفور،لتبدأ معركة”السفور والحجاب”بينهما.ففي هذا السياق كتب توفيق الفكيكي رداً على مقال دعاة السفور والتحرر مقالاً في جريدة”المفيد”بعنوان”هل التبرج الجاهلي من مقتضيات المدينة الجديدة”وضح فيه ان من الواجب الحفاظ على العادات الكريمة والاخلاق الحميدة والتقاليد الحسنة، وان عملية التحول الى الجديد يجب ان يحافظ من خلالها على القديم الصالح وليس اهماله. وبين ان التبرج وترك الحجاب  مخالف لتربية وعادات واخلاق المجتمع، وانكر على دعاة السفور تشجيعهم التعليم خارج البلاد لما له من ضرر على المجتمع بدخول عادات غريبة عليه. وقد ساند الفكيكي في رأيه هذا، جميل المدرس، بمقال في الجريدة نفسها بتوقيع مستعار بأسم”منزوي”اتهم به دعاة السفور بالمروق والخروج على الدين واوضح”ان من يطالب بالسفور والتبرج بوصفها قاعدة اساسية لرفع الامة العربية الاسلامية لمستوى الحضارة الغربية عليه ان ينظر الى عادات واخلاق مجتمعنا”.
 بدأت سلسلة طويلة من المقالات بين دعاة التحرر والمحافظين، لم تخل من التهجم والتجريح. فقد كتب دعاة السفور العديد من المقالات في صحيفتي”العراق”و»العالم العربي”ومنها مقال لسامي شوكت بأسم”الطبيب الاجتماعي”دعا فيه الى نبذ الحجاب وان تؤدي المرأة دورها في المجتمع في شتىالمجالات بما فيها السياسية،  وان تفتح امامها سبل التعليم بصورة عامة وليس التعليم الديني فقط. وكتب مصطفى علي، مقالات عدة بعنوان”النهضة النسائية. الحجاب والسفور”ايد فيها سامي شوكت وهاجم افكار الفكيكي وعدها افكاراً رجعية. واوضح ان الحجاب لم يكن في يوم من الايام عادة عربية، بل هو طارئ على المجتمع العربي الذي اكتسبه من مخالطته اقواماً اخرى. ومثلما كان الحجاب طارئاً على المجتمع العربي فسوف يأتي الوقت للتخلص منه. وانتقد حالة المجتمع العراقي في تركيزه على تحجب نساء المدن في وقت لم ترتبط المرأة الريفية بالحجاب.وبين ايضا ان ما يكتبه هو وجماعته مبني على اساس النظر للامور من الوجهة الاجتماعية المجردة من كل شيء، واستنكر الشتائم والمغالطات التي يستخدمها دعاة الحجاب في مقالاتهم، ودعا الى النقاش العلمي البحت المجرد.واستعرض محمد سليم في مقالاته”حياة المرأة”الاوضاع السيئة للمرأة العراقية،مستفيداً من كتب انجلس”تاريخ الملكية الفردية”و»العائلة والدولة”، مستنكراً الاسلوب الذي يتبعه الرجال في معاملتهم النساء، موضحاً ان المرأة اصبحت على وفق هذه المعاملة، تشترى وتباع، وعملها مقتصراً على الانجاب فقط. وانتقد ايضا رأي  دعاة الحجاب بان الحجاب يمنع الفساد، متسائلا، هل حجاب المرأة قد منعها من الفساد ايام القحط والغلاء؟.
     اسهم الرحال بوصفه مؤسس اول خلية ماركسية، في الرد على دعاة الحجاب من خلال مقاله”الجبر الاجتماعي”الذي ايد فيه جماعته، وبين فيه ان الحجاب لا يرفع انما يرتفع وذلك عندما يحل محله العلم والمعارف. واستنكر مستشهداً بقول علماء النفس والطب، المعتقد السائد في المجتمع بان ذكاء المرأة اقل من ذكاء الرجل. وذكر انه اذا كانت المرأة غبية فأن السبب يعود الى حياة التخلف التي تعيشها حتى اوصلتها الى مرحلة الدفاع عن سجنها بنفسها،وتسمي نفسهاعورة.واوضح ان الحجاب ليس تقليداً قومياً او دينياً، انما تقليد اجتماعي حدث في مرحلة معينة ستزول بمرور الزمن.
   
عن رسالة (الحزب الشيوعي العراقي)



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية