العدد (4087) الخميس 14/12/2017 (مـؤيـد الـراوي)       مؤيد الراوي.. حياة على الحافة       مؤيد الراوي.. يرحل غاضبا       الى مؤيد الراوي       مؤيد الراوي... الخلاص المستحيل       عاش 76 عاماً.. ولم يمهله الموت يومين لتصفح ديوانه الأخير ..مؤيد الراوي.. شاعر «احتمالات الوضوح»       القاعدة التي ينطلق منها المجدد       نصوص تنشر للمرة الاولى لمؤيد الراوي       رسالة من مؤيد الراوي الى سركون بولص       مؤيد الراوي شاعر منتش بعزلته    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :35
من الضيوف : 35
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 18828199
عدد الزيارات اليوم : 357
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


عزيز عبد الصاحب.. فنان صادق بإمتياز!

داود أمــــــين
يعتبر بيت  (ملا عمران) واحداً من أشهر بيوت الناصرية , طوال فترة الخمسينات والستينات  والسبعينات (وهي الفترة التي عاصرتها , ومن المؤكد أنه كان كذلك قبل ذلك  التأريخ أيضاً) , فهذا البيت الواسع الذي كان يقع في منطقة (السيف) , ضم  عائلة كبيرة من الأخوة والأخوات وأولادهم وأحفادهم , وكان للعديد من أبناء  هذا البيت حضورهم المتميز في المدينة ونشاطاتها المتنوعة ,


 فبينهم العديد من السياسيين الذين دخلوا السجون والمعتقلات , في العهود المختلفة , وكانوا رموزاً للصمود والبطولة , وبينهم الفنانون المسرحيون كالفقيد عزيز عبد الصاحب وأخويه الفقيدين عدنان وعادل , وبينهم أيضاً شخصيات طريفة لها نكهتها المحببة والمعروفة في الناصرية كقدوري ومالك (ابو الزنجيل) ويعرب , وبينهم كذلك عدد من الموظفين والمدرسين والمعلمين المعروفين.

كانت (ديوانية) بيت ملا عمران , التي تقع في الطابق الآعلى من البيت , ميداناً لآلوف اللقاءات الثقافية والسياسية والآجتماعية , وطوال عقود , فهي مفتوحة للجميع , وفيها يحتد النقاش ويتعالى بين المتحاورين , وفيها يُنشد الشعر وتُقرأ القصص وتُولد المشاريع المسرحية والآعمال الآدبية , وعلى أرائكها جلس فنانون وأدباء ورياضيون وسياسيون ومن بينهم , قيس لفته مراد ورشيد مجيد وعبد الرزاق رشيد وخالد الآمين ويقظان الدرويش وعبد الرحمن مجيد الربيعي ومحسن العزاوي وحسين نعمة وعزيز السيد جاسم ومجيد السعدي وأبراهيم دراج وقاسم دراج وحسين الهلالي ورزاق النجار ورزاق خطار وعبد الكاظم إبراهيم وفائق حسين وحميد الجمالي وأحمد الباقري وخالد غني وعباس هليل , وعشرات غيرهم من الكتاب والفنانين ومن أجيال مختلفة.

أوائل الستينات , كانت الناصرية لم تزل صغيرة , قبل أن يغزوها جيش (البدون) أوائل التسعينات , كانت مدينة ملمومة على بعضها , يحدها بستاني زامل وحجي عبود من شمالها وجنوبها , والفرات والروف من شرقها وغربها , وكان أبناؤها الذين يعيشون في هذه الكيلو مترات المربعة القليلة , يعرفون بعضهم تماماً , فهم يلتقون في سباقات كرة القدم , في ساحة الثانوية , أو في ألآستعراض السنوي للجيش , أو في المسبح الصيفي , أو على كورنيش النهر , أو في متنزه المدينة الوحيد , أو في إحدى سينماتيها (البطحاء أو ألآندلس) أو في أحد مقاهيها , أو أسواقها أو شوارعها , وكان عزيز عبد الصاحب , واحداً من أبناء الناصرية المعروفين , إذ يعتبر مع قلة قليلة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة من أوائل دارسي المسرح وخريجي معهد الفنون الجميلة في المحافظة , فالعمل المسرحي قبل هؤلاء القلة كان هواية يمارسها البعض , في أوقات متباعدة , ولم يكن دراسة ولا تخصصاً وإحترافاً , وأثناء دراستي المتوسطة , شاهدت بعض أعمال عزيز المسرحية , ومن بينها مسرحية (أكازو) التي كان عزيز بطلها والتي بهرتني بديكوراتها والملابس التأريخية لأبطالها , وأعجبني تمثيلهم , رغم عدم إدراكي (في تلك السن) لجوهر مضمونها!

مسرحية (الغريب) كانت البداية!
بعد أن بلغت الثامنة عشر من عمري , كنت أعد نفسي من مثقفي المدينة الشباب! بإعتباري أكتب الشعر منذ سنوات , ولدي مكتبة تضم مئات الكتب , التي قرأتها بنهم ومتعة! وكان علي لكي أكمل إكتساب صفة (المثقفين!) بجدارة , أن أرتاد مقهى (أبو أحمد) الخاص بالمثقفين , وهكذا أصبحت واحداً من رواد ذاك المقهى الشهير! وفيه نمت علاقاتي بالعديد من مبدعي المدينة من الفنانين والآدباء , من جيلي والجيل الذي سبقني , وكان عزيز عبد الصاحب من بين هؤلاء المبدعين الذين أصبحوا من معارفي , رغم إنه يكبرني بحوالي عشر سنوات.
عام 1967 فاجئني عزيز بطلبه أن أمثل دور البطولة في مسرحية يريد إخراجها , وهي مسرحية (الغريب) للكاتب المصري محمود دياب , وقد قام هو بتعريقها. والدور الذي إختاره لي هوالشخصية الرئيسية في المسرحية،وهو ضابط إنكليزي تائه في ريف الفرات الآوسط , أثناء ثورة العشرين , وحواري فيه باللغة الآنكليزية! ويبدو أن ملامحي ولون بشرتي الفاتح (في مدينة الملحان!) قد أغرياه لآختياري لتمثيل هذا الدور! الذي قبلته , ربما بتردد في البداية , فقد كانت لي , قبل عرضه , تجربة يتيمة بالمسرح المدرسي , وأنا في العاشرة من عمري! ومنذ هذا العمل (مسرحية الغريب) الذي قُدم , مع عمل مسرحي أخرعنوانه (الحواجز) للفنان الفقيد (مهدي السماوي) بمناسبة مرور مئة عام على تأسيس مدينة الناصرية , نمت بيننا صداقة رائعة , عمرها أربعة عقود كاملة , إكتشفت خلالها طيبة وصدق ووفاء عزيزعبد الصاحب , وقد عشنا أثناء البروفات على مسرحية (الغريب) أجمل اللحظات وأمتعها , إذ كان عزيز بروحه المرحة وبصوته الشجي يبدد لحظات التعب وملل تكرار المشاهد , إذ كان يفاجئنا وهو يقطع التمرين في منتصفه مردداً : (مثل ماحه... مثل ماحه... مثل ماحرموا نومي عليه!) ويستمر بالغناء ونحن معه , فغناؤه يعني إستراحة من التمرين , وفي ألآستراحة كنا نسترجع المفارقات والطرائف التي ترافق العمل , وهي كثيرة , وأذكر من ممثلي هذا العمل الفنان حسين نعمة والشاعر الفقيد كاظم الركابي والفنان حسين السلمان وغيرهم , وقد نجح العمل وكانت له شعبية كبيرة لدى الجمهور! وبعد هذا العمل بأشهر قليلة كانت لي تجربة مسرحية أخرى مع الفنان عزيز عبد الصاحب , إذ قرر إخراج مسرحية (أسياد الدم) وهي من تأليف صديقي الفنان التشكيلي (عبد الكاظم إبراهيم) وقد تعامل مع المسرحية , وبالرغم من أن مؤلفها يكتب لآول مرة , بمسؤولية عالية وبإحترام كبير , وكان يكرر إعجابه بالنص الذي تقترب لغته من الشعر , كان يهمس لي ضاحكاً (حلو يكتب هذا المسودن!) وكذلك أعجب بطريقة المعالجة للموضوع الذي كان يتعلق بالقضية الفلسطينية , وفي هذا العمل مثلت أيضاً دور ضابط , ولكن إسرائيلي هذه المرة! وكان دوراً رئيسياً , وكانت البطولة في هذا العمل للفنان (بهجت الجبوري) وقد قُدم هذا العمل على مسرح ثانوية الناصرية , وأذكر أن عزيز كان ينفعل عندما لا يجد جدية من قبل بعضنا , أثناء البروفات , فيوقف التمرين ويقول (تعرفون هاي الخشبة التتمرنون عليها منو مثل فوكها!؟ حقي الشبلي , عميد المسرح العراقي , بنفسه وكف على هاي الخشبة ومثل على هذا المسرح! المسرح مقدس ولازم تتعلمون إحترامه!) وكنا نشعر بالخجل , أو بعضنا على الآقل , من حرصه وجديته وإحترامه الكبير للمسرح. وكانت لحظات ما بعد التمرين غنية جداً , إذ كانت قاعة الثانوية تتحول لميدان للحوار الثقافي المثمر , في الشعر والقصة والمسرح , وأذكر إنني سمعت لآول مرة بإسم الشاعر الشعبي الكبير (الحاج زاير) من عزيز عبد الصاحب إذ كان يردد بيتاً أثيراً لديه من موال للحاج زاير يقول فيه , في وصف الآمام علي بن أبي طالب (مستبطن الكون يابو حسين مثل الهوا!) وكان لا يكتفي بقراءة البيت بل يشير لجوانب القوة والاعجاز فيه , راسماً بيديه ما يشبه الكرة ألآرضية أو الكون والهواء الذي يبطنه من الداخل , وهو الامام علي! وبعد سنوات عندما إقتنيت ديوان حجي زاير وجدت الموال الذي إقتطع منه عزيز ذاك البيت الجميل ضمن الجزء الخاص بمدح ال البيت! ومن يومها وديوان (الحاج زاير) لا يفارقني , وينتقل معي من بلد الى أخر.
كنا في ذلك الزمن الجميل لا نقوم بالتمثيل فقط , بل بكل تفاصيل العمل المسرحي , من المساهمة في بناء الديكور , والمساعدة في توفير الآكسسوارات الى تنظيم الانارة وبيع البطاقات وتنظيم الكراسي للمتفرجين! وفي هذه الفترة بالذات بدأت فكرة إنتقال عزيز الى بغداد , إذ بالرغم من حبه الشديد لمدينته الناصرية , إلا أنه إعتقد إن الذهاب للعاصمة هو مفتاح الشهرة وإيجاد الفرص المناسبة لمن هو مثله من الموهوبين! وكان محقاً في إعتقاده , إذ سبقه الى بغداد القاص عبد الرحمن مجيد الربيعي والشاعر قيس لفته مراد فحققا حضوراً متميزاً في العاصمة , وتبعه أيضاً الملحن طالب القرغولي والشاعر زامل سعيد الفتاح وجبار الغزي وحسين نعمة وبهجت الجبوري وعبد المطلب السنيد وعدنان شلاش وحسن الشكرجي وصباح السهل وستار جبار , والعشرات غيرهم من مبدعي الناصرية , وفي مختلف الفنون وجوانب الادب! وكانت زيارة عميد المسرح العراقي ألآستاذ (حقي الشبلي) للناصرية , في النصف الآول من عام 1968 حاسمة في تنفيذ رغبته , إذ فاتحه لتأسيس الفرقة القومية للتمثيل , وأن يكون عزيز أحد مؤسسيها , وهذا ماتم , إذ إنتقلت خدمات عزيز من وزارة التربية الى وزارة ألاعلام , وهناك في بغداد أصبح عزيز وحقي الشبلي ومجموعة من الفنانين الذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة مؤسسي (الفرقة القومية للتمثيل) , وأذكر بعد عام أو أكثر قليلاً من إنتقال عزيز الى بغداد , أن صديقه القاص (عبد الرحمن مجيد الربيعي) نشر قصة بطلها ممثل مسرحي كان يحلم عندما يصل من مدينته الجنوبية المنسية الى العاصمة, أن يمثل دورعطيل أو هاملت , ولكنه يصدم بإعطائه دوراً ثانوياً لقروي بسيط , لآنه يجيد لهجة أبناء الجنوب! وكان عبد الرحمن يقصد عزيزفي قصته! إذ بالفعل لم ينتزع عزيز مكانته في الفرقة القومية وفي المسرح العراقي عموماً لحظة وطأت قدماه العاصمة بغداد , بل إحتاج الآمر الى سنين والى كفاح وعطاء ومثابرة!
لا أذكر هل أحب عزيز ومن كانت فتاة أحلامه!؟ إذ تعمقت صداقتنا وهو يقترب من الثلاثين! وقد تخطى مرحلة المراهقة والشباب , وربما يستطيع القاص عبد الرحمن الربيعي أو الشاعر أحمد الباقري أو من بقي من مجايليه , أن يتحدثوا عن هذا الجانب , وعندما كنا نسأله لماذا لا يتزوج؟ وما هي مواصفات فتاة أحلامه؟ كان يقول : أنه يريد إمرأة تقرأ رامبو وتي أس اليوت وتتذوق جايكوفسكي وموزارت.. وبالناصرية وين يلكي هيج مره! وعندما جاء الى الناصرية بعد حوالي عامين من إنتقاله الى بغداد , لآخذ زوجته (وهي إبنة خاله رشيد) أذكر إننا ودعناه لمحطة القطار , وكنا نتحين الفرص لمداعبته قائلين (ها ابو سعود جا وينها التقره رامبو وتتذوق جايكوفسكي!؟) وكان يبتسم وهو يرد محرجاً (كفيلكم الله خوش تسوي مركة بانية وتشريب زنود!) وكنا نضحك ونرد عليه (أبو سعود , رامبو وين والبانية وتشريب الزنود وين!؟) ولكن والحقيقة تقال فأن عزيز حظي بزوجة طيبة , أنجبت له مجموعة من الابناء الطيبين ووقفت الى جانبه وتفهمت ظروفه , ولدي شريط فديو يتحدث فيه عزيز (في نيسان 2004) عن شريكة حياته , رغم الاختلاف الثقافي بينهما , بكل حب وإحترام وتقدير!
ومن المهم الاشارة الى أن عزيز كان شاعراً مجيداً , كتب الشعر العمودي وشعر التفعيلة وقصيدة النثر أيضاً , وأذكر أنه قدم مرة (عريضة) لمديرية التربية في الناصرية على شكل قصيدة حائية , يشكو فيها موظفاً يدعى (الحاج مديح) وقد ذكَرّته بها عندما التقينا قبل حوالي عامين فقرأ لي مقاطع منها وللآسف لم أسجلها! وأتمنى أن تكون محفوظة بين أوراقه , أو لدى بعض أصدقائه , أو في إرشيف مديرية تربية الناصرية! فهي قصيدة طريفة وتعكس قدرته الواضحة على نظم الشعر العمودي! لقد طبع عزيز _ بمساعدة أحد أصدقائه _ ديواناً شعرياً سماه (صحبة ليل طويل) ولكن بعشرين نسخة فقط! وربما لو توفرت له إمكانية الطبع لآنتج أكثر من ديوان!

لقاءات متقطعة.. ولكن مثمرة!
بعد أنتقال عزيز الى بغداد وعمله ضمن الفرقة القومية للتمثيل , كانت متابعتنا لآخباره تتم بالصدفة , إذ لم يكن سهلاً السفر الى بغداد لمشاهدة عمل مسرحي لعزيز دور فيه , وأذكر إن الفقيد (قدوري) الشهير جداً في الناصرية! وهو من أقارب عزيز , كان كلما يلتقيني في المدينة , يعلن غضبه وإستنكاره لإنتقال عزيز الى بغداد قائلاً : شفت.. صاحبك عزيز.. راح لبغداد وخلاكم.. هي هاي الآصول.. ليش شبيها الناصرية؟! وكنت أبتسم لكلامه وأطمأنه أن عزيز فعل جيداً , ولكن قدوري لا يقتنع!
في أب 1968 أذكر أن عزيز زار الناصرية , وربما تكون هذه أول زيارة له بعد إنتقاله الى بغداد , ولم يكن متزوجاً حينها , وفي يوم 8 من هذا الشهر(وهو تأريخ لا يمكن أن أنساه!) ذهبنا عصراً لمنتزه الناصرية (كنا أربعة من المشتغلين بالمسرح في ذلك الوقت وهم عزيز عبد الصاحب وبهجت الجبوري وحميد كاظم وأنا) كان في المنتزه (كازينو) تقدم المشروبات الغازية و(البيرة) أيضاً , ولما كان الثلاثة يشربون عداي , فقد طلبوا بيرة وطلبت (فانتا) والحوا علي لشرب البيرة , ولكني إمتنعت , ثم لا أدري لماذا وافقت بعد ذلك , وهكذا شربت البيرة لآول مرة في حياتي , ولذلك كنت دائماً أقول : لقد تعلمت الشرب في 8 | 8 | 1968 , وعندما التقيت بعزيز بعد سقوط النظام , ورأيت تدينه وتصوفه كنت أمازحه قائلاً : صايرلي متدين؟ وأنه على إيدك وبالحاحك تعلمت (الشرب) وخطيتي بركبتك! فيبتسم عزيز ويرد مازحاً : إنت فاسد من البيضة.. أنه شعليه! وكان في مثل هذه الزيارات يتجول في شوارع المدينة , ويرتاد مقاهيها , خصوصاً مقهى (أبو أحمد) المكتظ بأصدقائه من الآدباء والفنانين , يتحدث عن بغداد وأجوائها , وعن الفن والادب، وكان يتابع أعمالنا المسرحية , وكانت كثيرة في تلك الفترة , فقد أخرج (بهجت الجبوري) مسرحية (الطقوس الآخيرة) وهي من تأليف عبد الكاظم إبراهيم، كما أخرج صالح البدري مسرحية (حفلة سمر من أجل 5 حزيران) لسعد الله ونوس، وأخرج حكمت داود مسرحية (في إنتظار اليسار) ثم أخرج (حازم ناجي) مسرحية (المسيح يصلب من جديد) وأخرج صالح البدري (سيرة أس) ومسرحية (ستربتيز) وكنت ممثلاً رئيسياً في جميع هذه الاعمال، وكنا نستمع لملاحظات عزيز عندما تصادف زيارته مع بروفاتنا أو عروضنا، فنحن جميعاً نعتبر أنفسنا تلاميذه! وأذكر له تعليقاً طريفاً في إحدى هذه الزيارات،عندما شاهد خالي (فخري عرب) يمثل لآول مرة دور التأريخ في مسرحية (حفلة سمر من أجل 5 حزيران) وفخري كان وقتها معروفاً في المدينة بكونه مصارعاً و(عريك وشقاوة) إذ قال عزيز متسائلاً : هذا إبن عرب شجابه للمسرح!؟ فقيل له : يمعود فخري تغير كلش.. أولاً خوش يمثل..وثانياً كام يقره.. وأبد ما يتعارك! فضحك عزيز وقال : كام يقره؟ يمعودين بيش تطلبونه.. يقره يعني خنثتوه!!
عام 1970 أسسنا (جمعية رعاية الفنون والآداب في الناصرية) وكانت لجنة المسرح في الجمعية ناشطة جداً، إذ قدمت العديد من المسرحيات في الناصرية والشطرة وسوق الشيوخ، وكان عزيز فخوراً بالجمعية ونشاطاتها الادبية والفنية المختلفة، وكان يتابع أخبارها ونشاطاتها، خصوصاً نجاحاتها في مهرجان يوم المسرح العالمي للمنطقة الجنوبية، الذي عقد في البصرة , عامي 1971 و 1972 وحصادها للجائزة الاولى لسنتين متتاليتين! وكانت سعادة عزيز تزداد عندما يعرف إننا شاركنا بنص لمؤلف من الناصرية أو عراقي، وهذا ما كان يحدث في معظم الآحيان، ففي العام الآول ساهمنا بنص للفقيد (قاسم دراج) بعنوان المغني. وحصلت في هذا العمل على الجائزة الثانية لآحسن ممثل في المنطقة الجنوبية! وعندما أغلقت (جمعية رعاية الفنون والآداب) عام 1973 لآسباب سياسية، تألم عزيز لآسكات هذا الصوت الثقافي الهام!

بعد خروجي من العراق أوائل عام 1979، لم أستطع التواصل مع جميع أصدقائي الذين بقوا في العراق، وبينهم عزيز عبد الصاحب، كنت أعثر على بعض أخبارهم في الصحف العراقية التي أحصل على بعضها بالصدفة، وإستمر هذا الحال الى ما بعد إنتفاضة أذار، حيث وصل الالوف من أبناء الناصرية الى صحراء رفحا، وأصبحت لي صلة بالمراسلة مع عدد منهم، ومنهم سمعت أخبار البعض! وكان لصديقنا المشترك الفنان التشكيلي (عبد الكاظم إبراهيم) الفضل الآساسي في إعادة صلتي بعزيز عبر الرسائل، إذ أرسل لي عنوانه فأستمرت مراسلاتنا سنوات , وكان أخرها رسالة مني شكوت فيها اليه من الغربة التي أعيشها في الدنمارك، وكنت صادقاً في مشاعري ومتأكداً أنه سيفهمها، ولكن ما إستغربت له أنه رد علي برسالة يطلب مني فيها العودة للعراق، ويستغرب بقائي الطويل في الغربة ما دامت قاسية الى هذا الحد الذي أصفه، ثم يقول إن الوطن يفتح ذراعيه لي!! وكأنه لا يعلم سبب خروجي من الوطن ولا موقفي السياسي من النظام! وإستغربت لمضمون رسالته وتوقعت أن تكون السلطة قد ضغطت عليه ليكتب ما كتب! ولم أستطع أن أرد على رسالته تلك خوفاً عليه من المراقبة، ولا سؤاله عندما إلتقينا، بعد سقوط النظام، عن هذا الموضوع خشية إحراجه! وقبل حوالي عشر سنوات وصلني من صديقنا عبد الكاظم إبراهيم شريط فديولسهرة في الفضائية العراقية، مع فنانين وشعراء من الناصرية وكانت هذه السهرة، التي قدمتها المذيعة (مديحة معارج) تضم معظم أصدقائي ومعارفي وبينهم حسين نعمة وعريان السيد خلف والفقيد كاظم الركابي وعدنان شلاش والفقيد جبار ونيسه، وكان عزيز معهم في السهرة، رغم إنه لم يتكلم طوال الوقت مما أثار إستغرابي! وكان وقع هذا الشريط علي كبيراً، فقد أعاد لي ذكرياتي مع أعز الاصدقاء وأنبلهم، لذلك أعدت مشاهدته عشرات المرات وكلما شعرت بالضيق وقساوة الغربة، وطبعت منه نسخاً كثيرة وصلت للكثير من أصدقائي في أنحاء مختلفة من العالم! وفي هذا الشريط يبدو عزيز حزيناً الى حد لا يوصف، وتُظهر الكاميرا (لقطة كلوز) لوجهه أثناء غناء مطرب شاب من الشطرة، وفي اللقطة أحسست أن هموم الكون كلها قد تجمعت في عيني عزيز وعلى قسمات وجهه!!



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية