العدد(4048) الاثنين 23/10/2017       25 تشرين الاول 1920ذكرى تاسيس وزارة النقيب المؤقتة..المس بيل تتحدث عن تأليف الوزارة العراقية الاولى       افتتاح سدة الهندية الاولى في تشرين الاول 1890..سدة (شوندورفر) في الهندية.. كيف أنشئت وكيف انهارت؟!       الحلة في الحرب العالمية الأولى .. مأساة عاكف بك الدموية سنة 1916       المعهد العلمي 1921 اول ناد ثقافي في تاريخنا الحديث.. محاولة رائدة في محو الامية..       عبد العزيز القصاب يتحدث عن انتحار السعدون.. كيف فتحت وصية السعدون ومن نشرها؟       من يوميات كتبي في لندن : أهمية الكتب المهداة والموقعة       في ذكرى رحيله (22 تشرين الاول 1963) ناظم الغزالي.. حياة زاخرة بالذكريات الفنية       من طرائف الحياة الادبية..الشاعر الكاظمي وارتجاله الشعر بين الحقيقة والخيال       العدد (4045) الخميس 19/10/2017 (مؤيد نعمة 12 عاماً على الرحيل)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :22
من الضيوف : 22
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 17969768
عدد الزيارات اليوم : 1403
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


حكايتـي مع عزيز عبد الصاحب

توفيق التميمي
التقيت عزيز  عبد الصاحب اول مرة عند ممرات مكتبة الشروق في الطابق الارضي من مبنى وزارة  الثقافة والاعلام ايام حكومة البعث منتصف سبعينيات القرن الماضي ((تحولت  البناية حاليا الى عمارة تجارية لبيع اجهزة الفيديو والـ(DVD) والاشرطة  المدمجة وغيرها) بداية شارع الجمهورية من جهة ابي نواس كان اليوم الاول من  رمضان على ما اعتقدوكنت  صبيا في مقتبل العمر..


رايت الفنان عبد الصاحب متسمرا على كتاب والابتسامة مرسومة على محياه وبادرني في الحديث دون معرفة :

انظر الى هذا الاحمق مؤلف هذا الكتاب.
ـ قلت له من تعني بالاحمق؟
قال :المخبول خيرالله طلفاح  يؤلف كتاب اسمه ((الطريق الى الله)) :وهل يحتاج الله الى طريق لبلوغه وواصل يكمل حديثه:
تامل في كلمة الحسين ((عمت عين لاتراك))ويريد هذ  المخبول ان يدلنا على الله العليم بجرائم هذا المسخ ولصوصياته المشهورة على اموال الناس وكذلك على افكارهم ومؤلفاتهم ايضا
نعم الله االمنتشرة بركاتها وجمال تجلياتها على مساحات الكون كله وفي بديع خلق الانسان.
(لم يعطني فرصة للتعليق ولكن فوجئت بتلك الشجاعة التي يتطاول بها على احد اعمدة اركان السلطة انذاك دون خوف او وجل وادركت من نبرات صوته ووضوح عبارته قدر الشجاعة ووضوح الايمان في قلب هذا الرجل الذي كان حاملا على ظهره صليب حمله من قبله دعبل الخزاعي وثوار البشرية كلهم)

لم ينتظر تعليقي على الامر وتوجه لي قائلا:
انت فتى تحب القراءة اليس كذلك؟
حاول ان تشتر هذا الكتاب واشارالى عنوان كتاب اسمه ((قطوف))، وقال: ستتمتع كثيرا في قراءاته وخاصة في مثل هذه الايام الرمضانية المباركة كما ستتذكرني كلما  رحلت مع حكاياته ومواعظه وستتذكرني كلما ادركت بابا من ابواب حكمته التي ستحتاجها في الايام الصعبة القادمة

(وفعلا كان صاحب يتنبأ ببصيرة المؤمن وحساسية الفنان ما ستضمره الايام والاقدار من مصائب ونوائب على العراقيين عامة والمثقفين الاحرار خاصة).
اشتريت الكتاب وشكرت الفنان الراحل عزيز عبد الصاحب ومضيت استمتع بقراءة الكتاب الذي نصحني بشرائه.

مزايا خاصة
ودروس من الحكمة
من غرائب هذا الكتاب انني مازالت احتفظ به  في مكتبتي بقدر عجيب وحكمة غريبة من بين مئات الكتب التي ابتلعتها نيران الخوف أثناء المداهمات التي تقوم به السلطة بين الحين والاخر وبين عشرات الكتب التي يستعيرها الاصدقاء دون اعادتها في العادة.

الكتاب مازال معي لايحكي قصة لقائي الاول مع فنان شجاع وفذ ونادر في تلك الايام فقط ولا يوحي بالقدرالعجيب من انقاذه من بين المحارق والتلف واللصوصية.
ولكنه يحكي قصة ذات دلالات كبيرة في زماننا وهي قصة المتصوفة الذين يعشقون الوجود بكليته بكائناته وموجوداته ولايؤمنون باديان تميز البشر وتوزعهم على طوائف وامتيازات خاصة وعلامات فارقة.
و رغم الطابع الاسلامي للكتاب الا انك تعجز تماما ان تعرف المذهب الذي ينتمي اليه مؤلفه وكان ذلك درساً اوليا لي في الحساسية من التعصب للمذاهب والفرق والهويات الضيقة.

كما علمني هذا الكتاب ان الايمان بالدين (اي دين)لايتوافق مع الكراهية والاحقاد والضغينة والتي تكون عادة مقدمات لحروب اهلية واقتتالات داخلية وفتن لاتبقي ولاتذر من بناء الحضارات والدول والمجتمعات.

والدرس الاهم في ذلك الكتاب كان هو ان التراث الاسلامي كأي تراث انساني فيه ذخائر وكنوز يمكن تحويلها الى اضاءات معاصرة لتحريك شحنات الخير في حياتنا وجعلها ركيزة من ركائز المحبة والتعايش مع الاخر بدلا من النبش في الزوايا المظلمة من هذا التراث وحكاياته الملفقة لتبرير سلوك العنف ضد الاخرين  وتعميق الكراهية بين الناس بسبب الوانهم او معتقداتهم او افكارهم لربما بسبب كل هذه ا لدروس والعبر وغيرها بقي الكتاب معي كل هذه السنوات ليحكي لي فصلا خصبا من فصول جيلنا الذي هرسته عجلات الحروب وخطوب الموت ومحنة الرحيل القسري،فصل من  التوق في القراءة والبحث في مسالكها الوعرة عن الحقيقةوهو توق وشغف نفتقدها في شبابنا الذين تتجاذبهم الان عشرات الخيارات وسط غابة من التقنيات وعشرات الموجهات التربوية والفكرية وعشرات الازمات والمحن التي ابتلينا  بها.

تذكرت معاني كتاب يعطي دروسا بليغة في المحبة والتعايش ايام نزيف الدماء التي اهرقت بسبب التعصب الاعمى والحقد المتوارث والصفحات المتعفنة من تراث مزور وملفق يدعم نوايا الاجرام ويشرعن لعصابات القتل سلوكياتها الاجرامية.
رحل عبد الصاحب كما رحل قبله مئات من الاصدقاء في طرق مختلفة من الموت المبتكر من العقليات المريضة لجلادين تحكموا بنا طيلة اربعة عقود من الزمن ولكن بقي من هؤلاء دروسهم في حب المعرفة والشجاعة للتضحية من اجل الحقيقة التي يؤمنون بها واستشهدوا من اجلها وهو درس تظل الاجيال بحاجة اليه مهما تغيرت الاحوال وتبدلت الامور

هذا ملخص حكايتي مع كتاب اهداني اليه الفنان الراحل عزيز عبد الصاحب في ظهيرة رمضانية منذ ثلاثين عقدا من الزمان.

ومازال عزيز عبد الصاحب ورغم مرور أعوام على رحيله يمارس شجاعته وسلوكه الصوفي من قبره.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية