العدد (3998) الخميس 17/08/2017 (محمود البريكان)       محمود البريكان الشاعر المتأمل الزاهد       نصلٌ فوق الماء       الوصــــية الثمينــــة...       التناص بين قصيدتي الطارق لـ(محمود البريكان) و(الغراب) لادغار الان بو..       وثيقة من الأربعينات عن الواقع الأدبي       شعر البريكان : أقاويل الجملة الشعرية وتأويلها       محمود البريكان يتحدث عن تجربته مع الشعر الحر..إن تبدع أو لا تبدع.. هذه هي المسألة..       محمود البريكان.. شاعر الفكرة، والسؤال الفلسفي       قالوا في الشاعر الكبير محمود البريكان    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :31
من الضيوف : 31
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 16886724
عدد الزيارات اليوم : 11238
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


عزيز عبد الصاحب.. أشهد إنك قد عشت

علي حسين
لو قبض لعزيز عبد  الصاحب ان يمثل اخر دور مسرحي في حياته..لاختار ان يؤدي شخصية بطل رواية  جورج امادو (كانكان العوام) تلك الشخصية التي عادت من الموت لتنظر الى ما  ستؤول اليه الحياة. سيطلب عزيز ليلة واحدة مؤجلة وفيها سيجد مفاجاة من  العيار الثقيل بانتظاره.. فها هي الدولة ممثلة باعلى سلطة تعترف بان الرجل  الذي مات ليلا في فراشه كان واحدا من ابرز رواد المسرح في العراق لذا توجب  عليها الدولة ان تقدم العزاء للجميع بهذا المصاب الجلل.


سيضحك (العوام بن عبد الصاحب) بملء فمه ويضرب كفا بكف.. ايعقل ان تجري الامور على هذه الشاكلة وينتبه الجميع الى ميت كان قبل ايام مريض ومعوز يزحف ببطأ مثل سلحفاة متعبة وراء احدى باصات النقل ليقضي واجبا في المسرح الوطني - مشاهدة عرض مسرحي او المشاركة في نشاط فني او التلصلص على الشعراء والادباء في زاوية منسية من زوايا اتحاد الادباء.
ليعود بعدها ينتظر باصا اخر يقوده لبيته وهو يتحسس خفية جيب سترته مطمئنا على الدنانير القليلة المتبقية وهي كل مايملك من حطام هذه الدنيا بعد ان اضطرته ظروف الحياة القاسية الى ان يبيع مكتبته الكبيرة..كتابا بعد كتاب حاملا بدلامن هذه الكتب خرجا يملأه بما متوفرفي سوق الخضار.جنبا الى جنب مع قصائد ومشاريع واحلام مؤجلة.. سيجلس (كانكان العراقي) في الباص لاخر مرة ينظر الى شوارع مدينته الاثيرة بغداد وحال لسانه يقول: اليوم يا مدينتي يلفك الضباب وتحضنين الليل والذئاب.
***
ينتمي عزيز عبد الصاحب الى جيل من الفنانين الذين امنوا بان الفن جزء من الحياة وان الحياة ماهي الا مسرح كبير يعيش فيه الجميع ادوارهم بشكل كامل..الم يقل المعلم ستانسلافسكي (ان المسرح هو شكل محدد لعكس الحياة واحداثها فنيا) هذا المسرح الذي كان رفيقا لعمر عزيز وقرينا لروحه وتواما لفكره ومعتقداته والحلم السعيد بالنسبة اليه وقد اورثه حب المسرح هذا عدم الانسجام مع الظروف ونهما لايفقد عنفوانه للبقاء جامحا متوترا حر العقل والجسد والمصير.اورثه نظرة متفائلة للحياة وعشقا للحرية..
وما يثير الانتباه في تجربة عبد الصاحب هو ذلك الارتباط الوثيق بين سيرته الذاتية من حيث هي حياة خاصة وتجربته الفنية والثقافية باعتبارها تجربة تنتمي لحقل ابداعي له ضوابطه وقوانينه العامة. ومن هنا استحالة فصل اعماله الفنية عن حياته.فقد كانت هذه الاعمال وان اتخذت أشكالاً مختلفة (نصوص مسرحية، مقالات نقدية، ادوار تمثيلية،قصائد) اكثر من تعبير عن افكار ومفاهيم.انها يومياته وتفاصيل هذه اليوميات..
بهذا المعنى يمكن ان نقول ان عزيز عبد الصاحب كان ابن اللحظة المعاشة، افكاره ومشاريعه تنفجر من هذه اللحظة تماما كما ينفجر الدم من الشرايين..الفن وعالمه السحري اتخذ عند عزيز حركة الحريق في غابة عظيمة وبالتالي هو الانفجار الذي يكسر كل انتظام. هو شيء من الحياة المتمردة على الاطر الاجتماعية السائدة والقوانين القسرية..
الحياة كانت عنده تتجدد حركتها بالممارسة اليومية للفن وطقوسه وهي حياة خليط من صعلكة ويأس ولذة ومتعة وقلق وانسجام عال مع النفس.. استقبل عزيز حياة بغداد في منتصف الستينيات متسلحا بعاملين لعبا دورا مهما وهائلا في بنائه الابداعي والحياتي اولهما استاذه حقي الشبلي وثانيهما ابن مدينته المفكر عزيز السيد جاسم وليس هناك أي تناقض بين المرجعيتين بل ان هناك توافقا وربما تطابق بينهما فكلاهما من الباحثين المعنيين بشخصية العراق..المعلم المسرحي الرائد الذي يحمل داخله كل خصال اهل بغداد وطيبتهم مضافا اليها بناؤه الفكري وحسه الفني..
والكاتب السياسي الذي صفى في كتاباته روح الوطن وكان منذ اول حرف كتبه شديد الاقتراب من مزاج الناس وتكوينهم. وكان عزيز عبد الصاحب يدرك ان همه الحقيقي هو الألتصاق بشخصية الفرد العراقي وان يؤسس هو وجيله مسرحا ملتزما بقضايا الناس وهمومهم.
لذلك كان يؤمن بان على الممثل وفنان المسرح ان يتسلح بالثقافة والصدق في ان واحد فالموهبة وحدها لاتصنع فنانا ويكتب في دفتر مذكراته الصغير:(على الممثل حين ياتي الى المسرح ان يكون صافي الذهن تماما مستبشرا باستقبال عرسه.فاللية ليلته وعليه ان يسلح نفسه بالقراءة فهي زاده في هذا الطريق وعليه ان يختلي مع دوره خلوة المتصوفين المنصرفين بالتوجه الى الله.ستقولون هذه من البديهيات اليس الصدق بديهية.وكلنا يعرف ضرورته ولكنني اتسائل هل نستطيع ان نحافظ على ديمومة صدق الاداء من على المسرح او في الحياة بشكل عام).
***
عالم عزيز عبد الصاحب سواء في مسرحياته او مقالاته او يومياته انما هو بناء ادبي فني شديد الدقة ومغرق في الخيال ايضا.لاتعارض بين دقة الواقع وفوضى الحلم. وفي مسرحياته دعوة كي نعود الى الاصل والجذور وهي ليست دعوة الى التقهقر الى الماضي ولكن التقدم نحو الحاضر،نحو هنا والان بهذا الزمان والمكان عبر جذور الام واللذة..
وكنت كلما أقرأ عملا مسرحيا لعزيز او قصيدة جديدة تدهشني حالة التوهج والجرأة المطلة بين السطور والسبب ليس فقط انه يمس بكتاباته تناقضات الحياة الصارخة ولكن لانه كاتب يعيش مايكتب ويكتب مايعيش.ان حياته هي اجمل واروع وابدع مؤلف كتبه.التحام الفن بالحياة العامة هو ما اعطى مسرحيات عزيز نكهتها الفريدة المفعمة بجرأة العقل والقلب دونما انفصال وهو الكاتب المتورط فيما يكتبه تورطا حياتيا عضويا لذلك هو يتحمس ويدافع عن مسرحياته واراءه النقدية وهو بذلك لايسعى لحماية نصوصه او افكاره انما يدافع عن كل حياته بوحدة غير قابلة للتجزئة..
فالافكار بمسرحيات عزيز حيوات تعاش.الفكرة كائن حي صعب المراس لاتمنح اسرارها الثرية الا عبر عناق دائم متجدد وهو الكاتب والانسان والممثل الذي رفض القهر على المستوى الشخصي والعام وكانت حياته صراعاً لايهدأ لفك سلاسل القيود بجميع اشكالها وقد كان يؤمن بان حرية الانسان لاتزدهر الا بازدهار حريات الاخرين..
وليس غريبا ان نجد ان اشهر مسرحياته تحمل عناوين لرجال عشقوا الناس والحياة (ابن ماجد،بشر الحافي، السهروردي) وهو في هذه المسرحيات لم يكن يسعى الى استنساخ ابداعي وفني لشخوص من الماضي او لفلاسفة الصوفية ربما لان فكرة الحقيقة الازلية كاملة في اعماق النفس وان كل هم المتصوف ان يتامل ذاته كي ينقذ الحقيقة الكبرى عوضا عن فكرة صوفية اخرى تقوم على السمو مرتبة مرتبة حتى الوصول الى العشق لله بعبارة اخرى فان عزيز بين نهجين متقابلين في فلسفة الصوفية منحازة لفكرة اساسية قوامها الاعتراف بالنفس كونها طريقة للحقيقة الكبرى.
***
ويكتب عزيز عبد الصاحب:-
(حبوا الفن لانفسكم ولكن لاتحبوا انفسكم من خلال الفن والفنان الذي يستخدم الفن لاغراضه الشخصيه ونزواته العابرة هو فنان اناني مغرق بالنرجسية ولايتجاوز نفسه وبالتالي ينتهي كفنان) هذا هو شرط الدخول الى عالم الفن الذي وضعه عزيز عبد الصاحب لنفسه وسار عليه وهو شرط ان يؤثر الفن بالفنان وان يكون له صدى بمستقبله فالفن الذي يعجز عن تغيير الفنان لحياته يعجز حتما عن تغيير الاخرين والتاثير في حياته.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية