العدد(4048) الاثنين 23/10/2017       25 تشرين الاول 1920ذكرى تاسيس وزارة النقيب المؤقتة..المس بيل تتحدث عن تأليف الوزارة العراقية الاولى       افتتاح سدة الهندية الاولى في تشرين الاول 1890..سدة (شوندورفر) في الهندية.. كيف أنشئت وكيف انهارت؟!       الحلة في الحرب العالمية الأولى .. مأساة عاكف بك الدموية سنة 1916       المعهد العلمي 1921 اول ناد ثقافي في تاريخنا الحديث.. محاولة رائدة في محو الامية..       عبد العزيز القصاب يتحدث عن انتحار السعدون.. كيف فتحت وصية السعدون ومن نشرها؟       من يوميات كتبي في لندن : أهمية الكتب المهداة والموقعة       في ذكرى رحيله (22 تشرين الاول 1963) ناظم الغزالي.. حياة زاخرة بالذكريات الفنية       من طرائف الحياة الادبية..الشاعر الكاظمي وارتجاله الشعر بين الحقيقة والخيال       العدد (4045) الخميس 19/10/2017 (مؤيد نعمة 12 عاماً على الرحيل)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :41
من الضيوف : 41
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 17948295
عدد الزيارات اليوم : 10742
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


صفحات مطويةمن تاريخ التعليم في بغداد..عندما أصبح حكمت سليمان مدرساً في مدرسة الحقوق ومديراً لمعارفها

د. عكاب يوسف الركابي
أدى  الانقلاب العثماني في سنة 1908 وما أدى فيه، محمود شوكت، شقيق حكمت سليمان،  من دور بارز، الى انضمام حكمت إلى جمعية      “الاتحاد والترقي”، الا ان  ما انيط به من أعمال أدارية، لم يكن في مواقع متقدمة في السلطة، وحين عاد  الى بغداد من اسطنبول، ترك وراءه ارتباطاته الحزبية القديمة، وعبر عن ذلك  بالقول ((.. انا نفضت يدي من الاتراك الى الأبد، أنهم لا يستطيعون ان  يحكموا أنفسهم …)).


وفي رحلة العودة التي صاحبه فيها، الوالي جاويد باشا والتي بدأت في يوم 18 كانون الثاني سنة 1914، ذكر الكاتب خيري العمري ما نصه : ((… روى لي فخامة حكمت سليمان انه كان عائدا ً بعد اغتيال اخيه الى بغداد على ظهر باخرة، وبينما كان جالسا مع جاويد باشا، احد ولاة بغداد يتجاذب معه اطراف الحديث، اذ بالباب يفتح ويدخل، جمال باشا، فلم يتمالك ان يقول – حكمت– مشيرا ً الى الباب، لقد جاء القاتل، فاتجهت الانظار شاخصة الى جمال، الذي سرعان ما اغلق الباب وخرج غاضبا ً ….)).ولا شك ان هناك، صيغة مبالغة، في الرواية التي نقلها العمري،   الا انها تدلل على مدى سخطه على، اقطاب جمعية الاتحاد والترقي، الحاكمة حينذاك.

أعادت الدولة العثمانية، حينما أصدرت قانون الولايات لسنة 1864، ترتيب الوحدات الإدارية التي كانت تنقسم اليها رقعتها، فكونت بدلا ً من (الايالات) السابقة، وحدات اكبر اطلق عليها اسم، (الولايات)، وشرعت بتطبيق ذلك النظام حال صدوره في بعض الولايات التي بلغ عددها على وفق الترتيب الجديد، (27) سبعا ً وعشرين ولاية، والهدف من ذلك هو، إصلاح وتنظيم الإدارة الحكومية فيها وإحكام قبضة الدولة وسيطرتها عليها.وبموجب هذا الترتيب الجديد، تكونت ولاية بغداد من سنجقين، هما، سنجق بغداد، وسنجق الحلة، وتألف سنجق بغداد، من قضاء مركز مدينة بغداد، وناحيتين تابعتين له، هما، الاعظمية، وديالى.
في 20 شباط 1914عين، حكمت سليمان، بمنصب قائممقام  سنجق بغداد، وكان هذا المنصب يعد من المناصب المهمة في ذلك الوقت، بالنظر الى ما يتمتع به صاحبه من سلطات واسعة في، الإشراف، والتنسيق، والانضباط، وتعيين مدراء النواحي، وصغار الموظفين، وكذلك ترأس مجلس ادارة القضاء، وتبرز اهميته الاخرى، في كون التعيين لهذا المنصب، يجري من الحكومة المركزية في اسطنبول.
يمكن القول، بان تعيينه بهذا المنصب يعد تقديرا ً لكفاءته الإدارية وتأكد الأمر نفسه، حين عين، بعد ذلك، مديرا ً لمدرسة الحقوق ببغداد، في شهر آذار 1914، والتي كانت قد أسست في سنة 1908  وقد بوشر بالتدريس فيها في شهر أيلول من العام الأخير.وفضلا ً، عن قيامه بمهام الإدارة، كان يدرس مادة ((العلم المالي))، وقد جمع محاضراته التي كان يلقيها على الطلاب بين دفتي كتاب اسماه باسم، الموضوع ذاته، وقد أغنى المدرسة التي كانت بحاجة الى كتاب من هذا النوع وباللغة العربية.
ومن نشاطات، حكمت، في هذه المدرسة، انه قبل جميع خريجي الدراسة الإعدادية المتقدمين للقبول في السنة الأولى، أي الصف الأول، كذلك سمح بالانتساب لهذه المدرسة، بصفة، مستمع لمن يرغب، حتى وان لم يكن، متخرجا ً من مدرسة إعدادية، كما انه اوجد طريقة جديدة تمنح فرصة الدراسة في المدرسة لطلاب المدن، التي لا توجد فيها اعداديات، حيث، انشأ في المدرسة، شعبة ذات صفين، سميت بـ شعبة الاحتياط لمدرسة الحقوق يقبل فيها الطلاب، من حملة الدراسة المتوسطة، او ما يعادلها، بغية إعدادهم للدراسة في المدرسة.
وكانت الدراسة تجري باللغة التركية وفق مؤلفات لمفردات منهج الدراسة، وضعت بتلك اللغة، وهي المؤلفات المقررة على طلاب مدرسة الحقوق في العاصمة اسطنبول، ولغرض تعريب هذه المؤلفات وجعلها أيسر على الطلاب، تقدم بمقترح، يقضي، بأن يكون التدريس باللغة العربية، ولكن يبدو، ان المدرسة قد استمرت بالتدريس باللغة التركية حتى اغلاقها، عند قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914، وعندها، تركها ثم عاد اليها، بعد تأسيس الدولة العراقية في عام 1921.
ان اسهامات، حكمت سليمان، وأنشطته في هذه المدرسة، وان كانت قليلة، الا انها أشرت أهمية تلك الأعمال في إعداد مجموعة من العراقيين المتعلمين تعليما ً مدنيا ً عاليا ً افتقر أبناء العراق الى أمثالهم من أبنائه آنذاك.

حكمت سليمان مديرا ً للمعارف

جاءت النقلة النوعية في حياته العملية، عندما تقلد (3) ثلاثة مناصب مهمة في ان واحد، ففي اواخر 1914، عين وكيلا ً لمدير معارف بغداد، ثم اصبح، أصيلا ً في السنة التي أعقبتها، ولا شك في ان اختياره لهذا المنصب المهم، في الاقل انذاك، كان تقديرا ً لإمكاناته، فهو، ثالث مدير عراقي يعين، بمنصب مدير معارف، كما أسندت اليه، وفي الوقت نفسه، مسؤولية رئاسة مجلس معارف بغداد،   فضلا  ً، عن إدارته لمدرسة الحقوق التي سبق الكلام عنها.

كانت مهمة مجلس المعارف في ولاية بغداد كبيرة، اذ كان عليه، واجب الإشراف على مدارس الولاية، وإدارة ومتابعة شؤونها، وكذلك، مناقشة امور التعليم والخطط التي تكفل حسن أداءه وتقدمه، وإيجاد الحلول لمشاكله ومعوقاته، وعقد الاختبارات الخاصة لمن يتقدم لإشغال وظائف التدريس بين الوظائف الرسمية، وكان المجلس يضم في عضويته، ستة أفراد، ثلاثة موظفين، والثلاثة الآخرين من، الشخصيات المحلية المرموقة تحت إشراف (رئيس).

لقد ابدى، حكمت سليمان، نشاطا ً ملحوظا ً في مهمته تلك، على أساس ما يتمتع به من نظرات في التعليم، وكذلك باستثمار خبرته المتراكمة، وعبّر عنها بقوله : ((… تبتعد المعارف عن الأهواء والأغراض السياسية ولا تتأثر بتأثراتها المتقلبة او النزعات الضارة))، وكان جلّ اهتمامه، ينصبّ على، إنشاء المدارس، الا ان التعليم - في ذلك الوقت – كان يفتقر الى أسس العمل الناجح، فالميزانية الخاصة بالتعليم كانت خاوية، ومؤسساته كانت، على درجة من ضعف التنظيم، اذ اقتصرت على شخص، مدير المعارف يعاونه باشكاتب (رئيس الكتاب)، واثنان من الكتاب، فضلا ًعن (فراش) لخدمتهم، اما عدد المدارس فكان محدودا ً، وهو ما دفعه الى توفير مبلغ لم يتجاوز المائة ليرة لغرض، انشاء مدرسة ابتدائية في حي الفضل، احدى مناطق بغداد، برغم بعض العراقيل التي وضعت في طريق تنفيذ هذا المشروع.

وقد نجح حكمت، بجهوده الشخصية في تأمين الموارد المالية لتمشية أمور المعارف، اذ ان الحكومة، لم ترصد للمعارف خلال عام 1914، أية مبالغ مالية بسبب، ظروف الحرب العالمية الأولى، ودخول الدولة العثمانية فيها في 29 تشرين الأول 1914، فأخذ يوفر الأموال للموازنة بين الفصول لتجميع المبالغ اللازمة للبناء والشراء، واستملاك الأراضي المخصصة للمدارس، وقد أسفرت هذه الجهود  – كما سبقت الإشارة – عن بناء مدرسة الفضل، وتشييد مدرسة ابتدائية أخرى، بالقرب من جامع الخاتون، وبناء مدرسة دار المعلمين الابتدائية، التي، فتحت بحضور الوالي، جاويد باشا، عام 1914، وبناء مدرسة المأمونية في ساحة الميدان في بغداد، بعد استحصال الموافقة على استملاك الاراضي اللازمة لها، لتصبح مدرسة كبيرة ، فضلا ًعن، انشاء، مدرسة الاتحاد والترقي في بغداد، التي فتحت في عام 1914، بحضور الوالي، جاويد باشا، ايضا ً. وايمانا ً منه، بأهمية الترجمة في رفد المعرفة، بنى مقرا ً، للجنة التأليف والترجمة في بغداد.

واجهت، حكمت سليمان، الكثير من المصاعب والمشاكل في إدارته للمعارف، كما في مهمته في بناء المدارس، الا ان كفاءته الإدارية وخبرته الشخصية جعلته، يتخطى الكثير منها. فحين شرع ببناء مدرسة الفضل، وجد ان نقل الطابوق من محلة الكاظمية الى مكان المدرسة عن طريق النهر، امر غير ممكن، اذ ان رجال الجيش العثماني، كانوا يضعون ايديهم على الطابوق حتى ولو كان لأغراض حكومية، الامر الذي، استوجب اقناع والي بغداد، نور الدين بك، بان الطابوق المقترح نقله، هو لبناء معهد يحمل اسمه، وبهذه الطريقة، صدرت اوامر الوالي، بعدم مصادرة الطابوق، الا ان نقل الوالي نور الدين بك الى خارج العراق، جعل الجنود العثمانيين يعاودون، إجراءاتهم السابقة، مرة اخرى، في مصادرة الطابوق، الامر الذي هدد بالخطر في اكمال بناء المدرسة الذي اوشك على الانتهاء. ولهذا فاتح، حكمت سليمان، القائد الألماني فون درغولنج، الذي تولى القيادة العسكرية العثمانية في العراق، بصدد الامر وعرض عليه، اطلاق اسمه على ذلك المشروع، الامر الذي ازعج نائب الوالي العثماني، شفيق بك، فوجه اللوم بشدة الى، حكمت سليمان، متسائلا ً : ((هل يصح إيراد مثل هذا الأسلوب في المعاملات الرسمية))، وبأسلوب لا يخلو من الشجاعة، رد ّ عليه، حكمت سليمان، قائلا ً : ((وهل مصادرة”الطابوق”من قبل رجال الجيش، تدخل، ضمن الأعمال الرسميةايضا ً؟!)).

اهتم، حكمت، بتعليم البنات، وفتح المدارس لهذا الغرض، ايمانا ً منه، بحق المرآة في التعليم، على الرغم من ان مشروعه هذا، واجهته بعض المصاعب في استملاك الأراضي المخصصة للبناء، وعن تلك المصاعب، روى هو نفسه، انه في احد الأيام، استغل فرصة زيارة نائب والي بغداد، شفيق بك، الى إحدى المدارس وعندما ابدى الأخير، إعجابه بالأسلوب المتبع في التعليم، وشكر ادارة المعارف على  هذا العمل، استغل هو هذا الموقف في لفت أنظار نائب الوالي، الى حرمان المدرسة من، ساحات تستفيد منها الطلبة في تمضية اوقات فراغهم، الأمر الذي يتطلب استملاك بعض الأراضي المجاورة، فحصلت موافقة نائب الوالي على الاستملاك، وأضاف بأن هذا الامر لم يرق، لأعضاء مجلس ولاية بغداد، الذين اتهموه بوضع اليد على ارض ٍ، عائدة ٍ الى الدولة، وطالبوا باحالته، الى المحاكم، لكن، تفهّم نائب الوالي للامر وحصول موافقته المسبقة، احبط الشكوى.

وعلل، حكمت، موقف هؤلاء، بانه ناجم عن خشيتهم من ان تلك الأعمال، تثقل خزينة الولاية، فلا يبقى فيها ما يسدّ رواتبهم.
وبأسلوب لا يخلو من النكتة، ذكرت، صبيحة الشيخ داود،  نقلا ً عنه،   ما نصه : ((روى لي فخامة، حكمت سليمان، عندما تولى إدارة معارف بغداد،   انه كان، في العراق، نظام متبع في المدارس الدينية، يقضي بان يكون لكل أستاذ، عدد من المريدين، والتلاميذ، وأرادت إدارة المعارف، في ولاية بغداد، ان     تخرج بأسلوب الحياة الخاصة للتلامذة من طور الجمود، الى دور اخر أكثر      تناسقا  ًوانسجاما ً مع مظاهر التعليم والعيش الكريم، فمنحت كل طالب، سريرا ً، وفراشا ً، يغطيه قماش ابيض نظيف الى جانب ما هيأته لهم من وسائل، الراحة والنظافة، وحدث ان قام مفتي بغداد يومذاك، بزيارة الى المدرسة الدينية،         فما كاد يرى ذلك، حتى اهتاج وقطع زيارته فجأة ً، وانذر ادارة المعارف بالويل والثبور، بدعوى ان تحصيل العلم، لا يتأتى في (الشراشف) البيض ولا   في تمشيط الرؤوس، وانما يجب ان يتم بالجلوس على الحجارة والإصغاء الى الدروس))، وإضافة في روايتها، بان النكتة، حبكت لدى، حكمت سليمان،     لهذه الثورة، فخاطب الوالي قائلا ً : ((والي بك؟! افتى المفتي. فقم  بإجراءاتك …!!)).
ولم يقتصر اهتمام، حكمت سليمان، على المدارس الحكومية التي كانت تعود الى ادارة المعارف، بل شمل نشاطه وزياراته، المدارس الاهلية والخصوصية، ففي احدى زياراته الى، مدرسة الاليانس اليهودية، الخاصة بتعليم الفتيات واعدادهن روحيا ً وعقليا ً، أعجب بها واندفع – فيما بعد – الى انشاء، مدرسة الخاتونية في بغداد وهي أول، مدرسة إعدادية للبنات فتحت في ذلك الوقت.

لم يضع، حكمت سليمان، منهجا ً معينا ً في إدارته للمعارف، وفي القضايا التربوية، والتعليمية، التي برزت في عهد إدارته، وتعزّز اهتمامه، بما توافر لديه من، خبرة ادارية، لكن بصماته كانت واضحة في التوسع في، التعليم اذا ما قورنت بما كان لديه، من موارد، سيما وان الحكومة العثمانية كانت في حالة حرب، الامر الذي عكس الرغبة لدى المثقفين العراقيين ومنهم، حكمت سليمان، بالاهتمام بالتعليم، لكونه واحدا ً من ابرز سبل الإصلاح وتطوير أوضاع المجتمع نحو الأفضل.ظل حكمت سليمان حريصا ً على نشاطه هذا بشكل طبيعي حتى 11 آذار 1917، حين احتلّ البريطانيون بغداد.
عن رسالة (حكمة سليمان ودوره...)



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية