العدد(79) الاربعاء 2020/ 22/01 (انتفاضة تشرين 2019)       "لا سنّي ولا شيعي والروح تبقى عراقية" تصاعد وتيرة الاحتجاجات فـي بغداد ومدن الجنوب       بعد إنكار "خلف" وجود قتلى .. حقوق الإنسان تعلن مقتل 10 متظاهرين خلال يومين فقط!       يوميات ساحة التحرير..استشهاد مصور وانتشار فديوات لأصوات تعذيب المتظاهرين       الشهيـــد القــائـــد       تقدم المتظاهرين.. "عمر المختار" في ساحة التحرير       حفظت أسماءهم.. "أم عباس" خبّازة محتجي الناصرية ومحبوبتهم       ماذا تستخدم السلطة في قمع المتظاهرين؟.. خلية الخبراء تنشر صوراً ومعلومات       مَن هو الجوكر؟ ومَن هم الجوكرية..؟!       ما الرسالة من نشر صور "معتقلي التصعيد السلمي"؟    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :40
من الضيوف : 40
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 30096419
عدد الزيارات اليوم : 8210
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » كان زمان


احضان العرب

رأينا بن بيللا
طار فوميل  لبيب الى"الرباط"واستقبل مع الشعب المغربي الزعيم بن بيللا وأبطال الجزائر  العائدين: خيضر وبيطاط وآية أحمد وبوضياف.. رأى انتصار الابطال الذين قهروا  فرنسا وهم في سجونها.. سجل بالكلمة وبالصورة الاستقبالات التاريخية  الهائلة التي عبر بها شعب المغرب العربي عن فرحته بانتصار شقيقه شعب  الجزائر..


 ان شعب المغرب العربي فتح ذراعيه واحتضن بهما زعماء الجزائر وكأنه يحتضن الشعب الجزائري كله.. ان"المصور"ينقل اليك في هذه الصفحات أروع أيام الجهاد العربي.. أيام انتصار الجزائر وعودة ابطالها المنتصرين من سجون فرنسا الى احضان العرب من جديد!

سمعت الجماهير تهتف: الجزائر عربية إشتراكية.

الرباط: من فوميل لبيب
الرباط في حالة استعداد لاستقبال بن بيللا! الاعلام على الحوائط وفي الأيدي، ومظاهرات الطلبة تجوب الطرقات، والصحفيون يرابطون عند اجهزة التليفون وأجهزة الراديو.. واتجهت الى مطار الرباط، وكان الظلام يطبق على ممراته.. وكل الذين تحدثت اليهم عن موعد وصول بن بيللا قالوا: لا نعلم.. وعدت الى الفندق..
والصحفيون يعيشون على أعصابهم. ينتقلون بين مكتب الانباء المغربي والفندق بمعدل مرة كل ساعة، ويعقدون الصداقات – المادية! – مع عمال تليفون الفندق حتى يخطروهم بدبة النملة في الرباط. وهم شلل.. اذا خرجت شلة من الفندق تتبعها شلة اخرى حتى لا يظفر بالسبق احد!.. ومكتب الانباء المغربي يخرج بالصمت عن لا ونعم ولا يؤكد أن بن بيللا سيصل في تلك الليلة.. ولا ينفي! واذا تناهت الى سمعهم أصوات تنطلق بسرعة ظنوها الموكب فيخطفون كاميرتهم وينطلقون الى الطريق!
هذا اليوم الذي قضاه الصحفيون على أعصابهم في الرباط قضاه بن بيللا وصحبه في جنيف في انتظار الطائرة التي ستقلهم الى الرباط! والرحلة محفوفة بالمخاطر لان منظمة الجيش السري الارهابية الفرنسية تتربص بالابطال العائدين، ولا بد ان تكون تحركاتهم في سر وكتمان، ولهذا أخفيَ الخبر عن الصحفيين في جنيف.. وفي الرباط!
ونام الصحفيون عند منتصف الليل، وفي الساعة الثالثة استيقظوا على أصوات سيارات وطبول. فاندفعوا الى الطريق بالبيجامات والكاميرات.. وفوجئوا بان الزفة لعريس وعروس!

ويوم الثلاثاء ذهبنا الى المطار لاستقبال بن يوسف بن خدة! وذهب جلالة الملك الحسن الثاني الى المطار لاستقباله، وانهمر المطر، والمغربيون يحبون كل ضيف يجيء معه المطر، في العام الماضي كان عندهم قحط وفي هذا العام إخضرت كل الحقول.. ان الحرية مرادفة للخير! وبن خدة شرب لبنا وأكل تمراً فاللبن والتمر يقدمان لكل ضيف في المغرب! وحيا الجماهير التي احتشدت لتحيته وصافح قبطان الطائرة وهيئة قيادتها وإستراح مع جلالة الملك ثم ذهب الى قصر السلام على بعد عشرين كيلو متراً من الرباط..
مدافع في قصر السلام!
وقبل الأصيل ذهبنا الى قصر السلام، بن خدة القى بيانا عن الموقف وتحدث عن العصابات الارهابية.. والموقف شرحته بنفس البراعة عدة مصفحات كانت تختفي وراء الاشجار في قصر السلام، تطل منها المدافع وخوذات الجنود! إنها إجراءات أمن.. ان المغرب يعرف ان منظمة الجيش السري الفرنسية لا تتورع عن شيء.. والحكومة المغربية إتخذت كل الاحتياطات لتأمين سلامة ضيوفها. وبن خدة تجول في قصر السلام، وتفحص حوائطه وعليها نقوش الفسيفساء، وتجول في حديقته.. ثم اجتمع بجلالة الملك الحسن الثاني هناك!
وعدنا الى الفندق.. ونامت عيون الصحفيين!

الخبر من الصحف!
ولكنهم في الصباح فتحوا أعينهم على الصحف المغربية وفي صدرها عناوين ضخمة تقول: وصول بن بيللا وصحبه الى مطار النواصير!
إن مطار النواصير في الدار البيضاء، وساعة الوصول كانت الرابعة فجراً. والطائرة التي اقلتهم طارت على ارتفاع شاهق، وقامت في سرية وبلغت الدار البيضاء في كتمان! وامتلأت طرقات الدار البيضاء والرباط بجماهير الشعب المغربي! ان الشعب المغربي يخلص الود والحب للشعب الجزائري، انه ذاق من نفس الكأس.. ان الشعب المغربي استقبل كل الذين فروا من ارض الجزائر بعد ان انقلبت الى جحيم وفتح لهم صدره وذراعيه.. ولهذا خرج للقاء الابطال العائدين وهو يفتح لهم صدره وذراعيه، وتحرك موكب بن بيللا في الصباح الى الرباط.. وخرجت كل القرى الى الطريق لتحيي الابطال وهطل المطر غزيراً!..
وإصطف حرس الشرف عند مدخل المدينة من ناحية الجنوب ليستقبل موكب المنتصرين ووصل الامير عبد الهر قبل شقيقه الملك، ودوى تصفيق هائل عندما توقفت عدة سيارات وهبط منها رجال اشداء في ثياب الميدان.. هؤلاء هم هيئة اركان حرب جيش التحرير الجزائري اجتازوا الحدود ليستقبلوا بن بيللا وزملاءه في الجهاد..
ووقف الضباط الجزائريون ووراءهم خيمة كبيرة ضربت هناك ليستريح فيها الابطال العائدون وفيها صواني عليها التمر واللبن، والارض فرشت بالسجاد، ومدير الشرطة الذي كان ينظم الموظفين اختار لهم موضعاً متقدما فتحركوا من أماكنهم في طابور عسكري.. وعلى وجوههم قصص كثيرة والجد في أعينهم، ووصل فرحات عباس وزوجته معه وصافحهم جميعاً وجلس..

الحمد لله على السلامة!
إن الشعب المغربي خرج بكل حماسته لتحية الابطال! النساءالمحجبات تطل أعينهن الجميلة من فوق البراقع المغربية. الاطفال على صدور الامهات، الشيوخ يتكئون، والمطر ينهمر ولكنه لا يحول الناس عن أماكنهم، والطبول تدق، والاعلام الجزائرية في كل الايدي، والارض ضاقت بالناس فتسلقوا الاشجار ووجوه تطل من النوافذ والشرفات والاسطح، والدقائق تمر والملك الحسن الثاني يحيي الشعب الذي يهتف له، واناس يقبلون يده وموتوسيكلات تقبل بهدير عال، ووراءها موكب سيارات!
هذا هو بن بيللا.. ينظر من السيارة قبل ان يهبط فيرتفع هدير الجماهير!..
"الحمد لله على السلامة".. هذا اليوم مصدر فرح عظيم بالنسبة لنا، هكذا قال جلالة الملك لبن بيللا.. وهبط خيضر وآية احمد وبوضياف وبيطاط وسعد دحلب وبلقاسم كريم ومحمد بن يزيد من السيارت التالية، وكان بن خدة مع بن بيللا..
وعزفت الموسيقى! وبعدها صافح بن بيللا الاصدقاء! في عينيه دموع حائرة وعلى وجهه ابتسامة.. هذا البطل لامس الموت حين أضرب عن الطعام، وبإرادة من فولاذ عاش سجينا ستة اعوام.. ها هو تتحرك فيه رقة القلب فتتلئ عيناه بالدموع، ويبتلعها، وتمتلء من جديد ويبتلعها.. ابطال جيش التحرير.. عندهم لم تعد الدموع تتسلل الى عينيه، وفي وجهه اختلاجات لا ارادية تعلن الشوق او تصيح بالحب، وكل الناس يقبلونه!.. والحناجر الصاخبة تردد"بن بيللا هو هذا
الله يرحم الشهدا"
هتافات فيها عدل، تحيي البطل القادم ولا تنسى البطل الراحل!
وشرب لبناً واكل تمراً والشمس سطعت وتحرك الموكب الى قلب المدينة، واجتاز بواباتها التاريخية، واخترق حبها الوطني بشوارعه الضيقة، والناس يطلون من النوافذ ويكادون يلمسون رؤوس الابطال من تلويحهم بايديهم.. والهتافات تتعالى. وجنون الفرح يدفع النساء والرجال الى السيارات فيصافحون بن بيللا، ويقفزون ويقبلونه، والملك بين بن بيللا وبن خدة.. والموكب يمشي ببطء شديد، ومضت ساعة كاملة حتى بلغ الموكب قصر السلام!
في قصر السلام

آن لنا ان نلتقط انفاسنا!
وآن لنا ان نعمل في هدوء.. إن بن بيللا مع صحبه استقروا في قصر السلام وللقصر سور شاهق، وعليه باب حديدي تستطيع أن تدخل منه قافلة جمال.. وفي الوقت نفسه لا تجد الابرة طريقا فيه لأن عليه حراسا اشداء.. وجوههم ابنوسية، واسمهم هنا – الحرس الاسود، والاوامر عندهم واضحة وصريحة"اطلقوا النار"!
ونحن وقوف امام باب القصر وفجأة دوت طلقات نارية متتابعة، انها شحنة مدفع سريع الطلقات، وتوقفت الكلمات على شفاهنا.. وتبادلنا النظرات: ماذا حدث؟
وجرى ضابط الى داخل القصر ثم عاد يقول:
- هؤلاء ضباط جيش التحرير يحيون الابطال على طريقتهم!
الطريق الى قصر السلام حصين، على جانبيه جنود الجيش المغربي، ومن فجوات في الحقول تطل المدافع..
لدغت المغرب مرة من فرنسا حين اختطفت الابطال وهم في طريقهم اليها.. ولا يلدغ المغرب من جحر مرتين!..
والدخول الى القصر باذن – ورجال الامن من الجزائر تعاونوا مع رجال الامن من المغرب والحرس الاسود يده على سلاحه! في الليل ذهبنا الى قبر الحسن الاول مؤسس الاسرة الحاكمة في المغرب، والملك في زيه المغربي أقبل مع ضيوفه، وفي الجامع اصطف مائة من شيوخ المسلمين ليرتلوا القرآن..
وفي قلب المسجد بخور، وشواهد القبور تتوسط قاعة جلس فيها الملك وضيوفه، والبخور سرى من المسجد الى قاعة الشواهد، والفاتحة تتلى، والسكينة تسود.. لا تقطعها الا هتافات الشعب لبن بيللا في خارج المسجد!
الجزائر اشتراكية عربية!
في اليوم التالي بدأ العمل.. فان الوصول الى اتفاق بين الجزائر وفرنسا لا يعني إن الامور انتهت، انه يعني إن الامور غيرت مواقعها واسلوبها، انتقلت من الخنادق الى المكاتب، وصارت المشروعات تعالجها بدلا من المدافع، والطريق طويل.. فالجزائر التي كافحت سبعة اعوام واربعة اشهر و18 يوما فقدت مليونا من ابنائها، وتحطمت البيوت وأكلت النيران الثروات. وخلفت المعارك إلوف المشردين، وإلوف المشوهين والجرحى.. والمشاكل بالجملة، الفلاحون مثلا وقع عليهم العبء الاكبر من الجهاد، لقد فقدوا كل شيء.. محصولهم في الارض كانت الدبابات تتلفه، فاذا تجمع احرقه الفرنسيون. والاقطاع منتشر والاقطاعيون استعماريون.. فكيف توزع الارض.. كيف؟ وكيف يعوض الفلاح.. كيف؟
ثمة خطوط عريضة اعلنها بن خدة فور توقيع الاتفاق مع فرنسا وتستطيع وأنت تتأملها ان ترى معالم صورة الغد في الجزائر، قال مثلا ان الجزائر ستطبق قانون الاصلاح الزراعي، وقد سمعت هتافات الجماهير الجزائرية للابطال العائدين:"اشتراكية عربية.. الجزائر اشتراكية".
اذن هكذا ستحل مشكلة الفلاح، يحصد الثمار من يبذرها ويرويها بعرقه، فلاح الجزائر أشرف فلاح لانه رواها ايضا بدمه!
هذه صورة الغد بعد ان تنتهي مشاكل فترة الانتقال! مشكلة من مشاكل فترة الانتقال مثلا التمثيل الدبلوماسي! ان عدداً كبيراً من الدول المؤمنة بالحرية قد اعترفت بالحكومة الجزائرية فور اعلانها في القاهرة، وتتابعت الدول في الاعتراف حتى ان خمسا منها اعترفت بها دفعة واحدة في مؤتمر بلغراد الذي عقد في سبتمبر سنة 1961 لرؤساء دول عدم الانحياز، وصار للجزائر تمثيل دبلوماسي في هذه الدول، وبعد ان اعلنت الاتفاقية اعترفت دول اخرى بالجزائر.. وهناك دول لم تعترف بها مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وايطاليا.. وسائر دول حلف شمال الاطلنطي.
كنيدي قال:"مازالت فرنسا تمثل الجزائر، سنتخذ الاجراء المناسب في الوقت المناسب"!
تصريح كهذا جدير بالتأمل، وهو يطرح على بساط البحث ما دام العمل قد بدأ، واذا علمت ان بن خدة اعلن ان الجزائر ستلتزم سياسة الحياد الايجابي عرفت لماذا تقف كتلة الغرب هذا الموقف من الاعتراف بها. ثم ماذا.. في القائمة عشرات المسائل التي يبلغ اكثرها مستوى المشاكل..
في القائمة تنظيمات جيش التحرير، والاعداد لتنفيذ الاتفاقية، والاستعداد لادارة البلاد وتكوين طاقم الدبلوماسيين، ووضع النص على ان تكون اللغة العربية لغة رسمية للدولة موضع التنفيذ.
وقد اجتمع مجلس الوزراء الجزائري بكامل هيئته في قصر السلام، وحضر الملك الحسن الثاني جانباً من الاجتماع. وخرج محمد يزيد يعلن هذا القرار التاريخي ولا يلمح بشيء عن جدول الاعمال.. فاذا سأله الصحفيون قال:
- في المساء ستشاهدون حفلة العشاء التي يقيمها جلالة الملك تكريما لوزراء الجزائر!
كسبوا المعركة.. بالحب!
وأقيمت الحفلة في قصر المشور.. القصر الملكي في قلب الرباط، وحوله تتناثر الوزارات وعلى الابواب يتكاثر رجال الحرس الاسود، والموسيقيون يدخلون الى قاعته ويختفون. والملك مع ولي العهد يستقبلان ضيوفهما بترحاب في قاعته.. وامامهم الحلوى وعصير البرتقال، والخراف تقبل على الصواني، ويبدأ الطعام.. والاباريق والطسوت لغسل الايدي، والاطباق مغطاة باغطية شفافة..
وفي اليوم التالي عمل كثير..
انتقلت الوزارة الى مقر السفارة الجزائرية في قلب الرباط، بن بيللا يجتمع بيوف كثيرين، ثم يجتمع بالوزراء سعد دحلب وزير الخارجية نشرت بعض الصحف الاجنبية انه سيستقيل ليعمل على مستوى القاعدة الشعبية فالتف الصحفيون حوله يسألونه عن السبب! ولكل واحد منهم تخميناته. صحفيو الغرب لا يرضيهم هذا النصر العربي ولهذا يحاولون تشويهه. ان كل واحد منهم يختلق شيئاً من خياله ليرويه لك!
ويل لك إن أصغيت وصدقت! إنهم يفهمونك مثلا ان صدعا حدث في الصفوف، وان الحسد بدأ يعلن عن (وجوده، ان هذا غير صحيح، ان الابطال الذين كسبوا المعركة لم يكسبوها الا بالحب والود وانكار الذات، ان احداً خارج الجزائر لم يسمع عن بن خدة الا حين اختير رئيساً للحكومة المؤقتة! ان جيش التحرير ليس مثل الجيوش الحديثة.. ضباطه لم يتخرج معظمهم في الكليات الحربية.. وجنوده لم يمضوا فترة الجندية.. انه مكون من كل قادر على حمل السلاح في الجزائر، ان له رتبه الخاصة به.. ومع ذلك فانه يباري اعظم جيوش العالم في عسكريته. وطاعته! ان قادة من هذا الجيش يرفضون الى اليوم ان يعلنوا عن اسمائهم، وأن يقابلوا الصحفيين، انهم يعملون في صمت، وتدوى في الدنيا انباء بطولاتهم..
واحد من الابطال..
تعال نقف وقفة مع احد هؤلاء الابطال الذين ينكرون ذواتهم، ويعطون صورة حقيقية لأسباب النصر في معركتهم.. ان البطل الذي سنتحدث اليه هو: سالم علي، انه يقولها بسرعة فلا تكاد تتبينها، انه متواضع وحمرة الخجل تطفو على وجهه القوي اذا اضطررته الى الحديث عن نفسه..
- كم قتلت من الفرنسيين؟
- زملائي هم الذين قتلوهم..
- وكم مرة رأيت الموت؟..
- بعدد الشعرات البيضاء في رأسي!
وتأملت رأسه الذي غطاه الشيب وسألته: وكم عمرك؟
- اربعون سنة
- هل سكتت المدافع في الميدان؟
فقال لي بمرارة:
- سكتت ولم تسكت.. القوات الفرنسية الرسمية سكتت، ونحن ايضا سكتنا، ولكن عصابات المنظمة السرية الارهابية مازالت تطلق الرصاص على الابرياء.. ان عشرات القتلى يسقطون كل يوم.. اننا سنصون كلمتنا ولن نطلق الرصاص.. ان السلام حلو.."مزيان".
مزيان معناها جميل..
وهز الرجل رأسه وبدأ التأثر عليه وهو يقول:
- لا يستطيع ان يعرف ويلات الحرب الا من ذاق ويلاتها. ان شعب الجزائر كله ذاق ويلات الحرب..
وتقلص وجهه بالالم الشديد. وتخيلت عشرات الصور المفزعة تمر امام عينيه، وشرد البطل عني.. ثم عاد الي ليقول:
- ان الحرية اثمن من الحياة، اننا افتديناها بحياتنا ونحن على استعداد للقتال في اي ارض عربية من اجل الحرية للعرب.. ان جمال عبد الناصر قال ان اتحاد العرب قوة لهم.. وهذه حقيقة يعرفها الاستعمار..
وسألت سالم علي:
- في اي جبهة كنت تقاتل؟
- في كل جبهة، في اي مكان تحدده القيادة وعندنا قسم الا نقول اين يقاتل اي واحد منها
- ما إنطباعك عن عودة بن بيللا؟
- ان بن بيللا ورفاقه قطعة منا. ان قطعة منا عادت الينا ان هذا يوم عيد ودارت محركات السيارات فصافحني الرجل بيد قوية وقال لي وهو يودعني:
- احمل سلامي لجمال.. ربنا يخليه للعرب جميعاً ربنا يقدرنا نوفيه فضله!
ان الجزائر انتصرت.. ليس على فرنسا وحدها انما على حلف شمال الاطلنطي كله، ان سالم علي اقسم لي ان شعارات حلف شمال الاطلنطي وجدت على اكثر الطائرات التي اوقعها جيش التحرير في الجزائر، ووجدت على بنادق الاسرى ومصفحاتهم ودبابتهم.. ان شعب الجزائر الذي لا يتجاوز عشرة ملايين نسمة ضرب مثلا عاليا في البطولة حين قاتل سبعة اعوام وشهوراً من اجل النصر.. ان بن بيللا اشتاق الى ميدان القتال ولهذا زار"وجدة"على الحدود المغربية الجزائرية ليلتقي بزملاء السلاح في مواقعهم.. انني اكتب هذه الرسالة والسيارة تنتظرني لاذهب الى وجدة!
آخر ساعة - 1961



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية