العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :56
من الضيوف : 56
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31727486
عدد الزيارات اليوم : 2684
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


الفنان شاكر حسن آل سعيد..او زبون مقهى ياسين)

سعد القصاب
 شغل عقد الخمسينيات في تاريخ العراق الحديث مكانا هانئا في الذاكرة الثقافية . كان زمنا يحمل عنوان ما تميز به ، متمثلا بفكرة "التأسيس" . ذلك الانشغال اللافت الذي لم يلبث أن ابتدأت منه سنوات تحول ، تظافر فيها الاجتماعي والإبداعي والفكري ،كي يتخذ طابعا ثقافيا مغايرا لما هو تقليدي في الحياة كما في الافكار .


عقد تكثّف في لحظة بداية وسمت بحساسيتها جيل سميّ بـ " الرواد " ، وفي مجالات تعلقت آفاقها بالفن والادب والفكر معا .تقدمت فيها مشاريع واظبت أن تكون جديدة بامتياز ،كونها كذلك اهتمامات تجرأت أشكالها ومضامينها على الانتماء إلى الحداثة .
فكرة "التأسيس " هي معنى تم تعيينه بذريعة المغايرة والاختلاف، بعدما أخذت سمة التجديد بالحياة الثقافية ،وقتئذ ، من أعماقها .
اسباب ذلك العقد جاءت من عودة الطلاب العراقيين بأختصاصاتهم المختلفة مهنيا ومعرفيا من بعثاتهم في اوربا ، وما لحق بالعراق من تحول أقتصادي واجتماعي مشهود بعد الحرب العالمية الثانية بأثراتصاله بالعالم . لقد كان هناك جهدا مجتمعيا ومؤسساتيا بذلته نخبة تأثرت بالثقافة الحديثة التي باتت حقيقة انسانية واقعة .
يقول الدكتور علي جواد الطاهر :
" ان الطليعيين هؤلاء مجتمع مبدع ناقد ، وكانت الطليعة في الرسم والنحت تتكون في وقت الطليعة في الشعر . في وقت الطليعة في القصة ، الطليعة واحدة ، وعواملها فيما بعد الحرب العالمية " الثانية " واحدة .. في العالم الغربي وتمتد الى العالم الشرقي " العربي " خلال الترجمة والسفر والدراسة والقراءة المباشرة " .
انشغالا بات مهيمنا ليتخذ صفة اسئلة سوف تكون دافعا لولادة اتجاها ت ثقافية و إبداعية كثير التنوع .
كانت بغداد في زمنها ذاك مكتنزة بحياة تتسع للجديد وتتطلع للإنماء ، كما غذّت طموحها المؤسسات والكيانات الثقافية والمجتمعية المختلفة . مدينة انفتحت على الجهات الاربع ، في عصر هو ذاته كان يحيا تحوله الخاص به .
مايكشف عن تاريخ بغداد في زمنها الخمسيني ذاك ، تاريخ بعض مقاهيها ، والتي انضمت إلى جانب الجامعات والمجالس الادبية والاجتماعية ، باعتبارها أمكنة لتجمعات ثقافية شغوفة بحوارات وسجالات اقترنت بكل جديد . كانت تلك المقاهي فضاءات تنشيء فيها الافكار والمواقف الثقافية التي تسعى بدورها لتكريس وتبادل علاقات تثير الجدل دائما ، وهي تضاعف بوجودها نشاطات التيارات الادبية والفنية .انها اماكن حميمة ازدحمت بالمثقفين والادباء والمبدعين من الذين كانوا كثيرو الشغف بالاكتشاف .
على طول " شارع الرشيد " انتشرت مقاهي " حسن عجمي " ، "الزهاوي " ، " كوفيه سويس " ، " البرازيلية " ، فيما كان مقهى " ياسين " يطل على نهر دجلة من جهة الباب الشرقي .مقاه لم يخل بعضه من تمايز فكري وطبقي .
من زبائن مقهى"ياسين " كان الفنان "شاكر حسن آ ل سعيد 1925- 2004 " ، الذي يفد إليها مساءا يصطحبه الموسيقي فريد الله ويردي بسيارته ، يسبقهم زبائن آخرين من شعراء وموسيقيين وكتاب وفنانين ، العازف سلمان شكر ،كاظم جواد، حسين مردان وبلند الحيدري وآخرون توطدت صلته بهم . كان هذا المقهى أولى المحطات المؤثرة للفنان " آل سعيد " وفضاء خاصا لمجايليه ، حيث انبثقت فيه وبتلقائية رؤى عابرة ، أفصحت عن نفسها تاليا كمشاريع في الفن والادب .
انهى " آل سعيد " دراسته في دار المعلمين العالية ، تخصص علوم أجتماعية ، في العام 1948 ، وكان وقتذاك طالبا مسائيا ايضا في معهد الفنون الجميلة ، قسم الرسم ، لدى الفنان " فائق حسن " . وبرفقته زملاء الدراسة ،النحات محمد غني حكمت ، محمد الحسني ، الكاتب خالد القشطيني ، المعماري هنري زفوفدا.
في ذات المقهى كان " شاكر " ينجز العديد من كليشات وتخطيطات الرسم ، او ينصرف حينا لاستعراض المارة ، او يناقش موضوعا للفن الحديث مع فنانيين آخرين .
كان الاهتمام بالتجارب العالمية يتسنى للجميع من خلال الكتب المترجمة والحوارات والبحث عن معان جديدة لمثقفين في بداية عهدهم .
يذكر " آل سعيد :
" كنا قد أعتدنا أرتياد المقهى حيث ينتقل الحديث بيننا من كونه سرا مقتضبا للوضع السياسي واليومي الى كونه تحليلا ونقد وأستعراضا لمسيرة العمل الفني . والحق ان مقهى ياسين كان وقتئذ ومن دون علمنا مختبرا فكريا ، تحضرت في بصمت معظم مشاريعنا الفنية والشخصية والجماعية " .
لقد شهد ذلك المقهى نقاشات وحوارات بين مبدعين وكتاب ، وانطلقت معه بدايات المشاريع الشعرية لبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري .
في مقالته "مؤسسة الخطاب الجمالي " يفترض آ ل سعيد امكانية تأسيس رؤية ذاتية جمالية يسميها بـ " الذرى " والتي تشكل بمجموعها موضوعات يتم الاحتفاظ بها في متحف الذاكرة ، حيث يقترن ماهو شخصي وثقافي وتاريخي وحياتي والتي يمكن بتآلفها ان تتحقق وبشكل حسي أعمال فنية وآثار ونتاجات إبداعية قادرة على الوجود والمشاركة بالعالم .
من هنا يعاين "آل سعيد" تلك التجربة الماضية بمثابة احدى " الذرى "التي يستدعيها في ذاتها ، بأثر ما تنطوي عليه من حيوات لتكون موضوعا للتجربة . ربما من هنا تكمن استشهادات الفنان الكثيرة ، مختبئة بين طروحات رؤيته التنظيرية في الكثير مما كتب . لقد آمن تماما أن كل رؤية لابد لها من أن تعيش أولا في وجود الانسان .
يذكر أيضا :
" أن حقيقة العلم لايمكن أن تقبع أبدا في فكرة أو كتاب ، اذ لابد لها ا، هلوتستقر في التجربة " .
بداهة استذكرها بعد أكثر من "25" عاما ، وبعدما اكدها له متصوف في أحد جوامع بغداد ، حينما اراد " آل سعيد " سؤاله عن كتاب القسطاس المستقيم للامام الغزالي .. لقد أخبره المتصوف :
ــــ بني الكتب لاتعلمنا شيئا .!!
خبرة الاعداد تلك لطالما يستحضرها الفنان الراحل " شاكر حسن آل سعيد " بوصفها بدايات فنية وفكرية مهمة انارت له فرصة الاطلاع على طبيعة العصر بإجراءات الكتابة والرسم .



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية