العدد (3974) الخميس 20/07/2017 (ناجح المعموري)       عُقَدةَ يوُسفْ التوراتي بين الإخصاب والاخصاء       شهادة: سيرة المعرفة       ناجح المعموري من سردية الرواية إلى تأويل الاسطورة       (الأبيض كان اسوداً) دراسات في الفوتغرافيا.. قراءة ثقافية       المعموري علامة فارقة ومضيئة       المعموري الذي يتسلل الى بيت الخيال وطارده الى تخومه القصوى       القراءة الأنثربولوجيّة للتوراة عند ناجح المعموري       ناجح المعموري دأب واجتراح       اللوّن الأحمر.. أيقونة الخصب والنماء    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :28
من الضيوف : 28
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 16536271
عدد الزيارات اليوم : 10242
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


يوميات رجل استخبارات بريطاني في العراق العثماني

ترجمة وإعداد: كريم راهي
في  التقرير المطبوع عام (1907) تحت عنوان (Diary of tour in Persian Gulf and  in Turkish Arabia 1906) والذي يغطي الفترة من السابع وحتى التاسع والعشرين  من ديسمبر (1906)، يورد اللفتنانت كولونيل (ولفريد ماليسون) المبعوث من  قبل مكتب مدير الإستخبارات البريطانيّة إلى بلاد النهرين،


 وصفاً يبدو شيّقاً لطريق رحلته من مسقط إلى بغداد بشقّيه المائي والبرّي، مروراً بالبصرة والمحمّرة. كما تضمّن تقريره الذي انطوى على أكثر من ثلاثين صفحة، سرداً ممتعاً للأحداث التي صادفته طوال الرحلة. معزّزا بالخرائط والصور. وقد أعرضنا – اختصاراً - عن ذكر التفاصيل التي أوردها في رحلته البحرية من مسقط إلى البصرة، مسلّطين الضوء على ما يخص الجزء العراقي فقط من شوطي الرحلة، الذهاب والإياب، اللذين يبدآن من البصرة وينتهيان إليها.

كرنتينا البصرة
في (الحجر الصحّي) الذي يجبر الداخل إلى البصرة عن طريق شط العرب على قضاء بضعة أيّام فيه، يصف الحالة المزرية للمسافرين والزوار البحارنة في هذا المكان، ثم بعد مغادرته الحجر ودخوله البصرة، يبدأ في وصف مينائها، أسواقها وأحيائها، ويبدي اندهاشه لوفرة بساتين النخيل فيها. ثم يعرّج على ذكر شركات النقل البحريّ هناك، وأنواع المراكب بالتفصيل، البحريّة منها والنهريّة، وظروف العمّال والحمّالين، المخازن، الطرق، الخيول، الجمال، أنواع الأسماك.. إلخ، في وصف مسهب لكل شيء يصادفه، كما تفرض شروط المهمة الموكلة إليه. وبالطبع عدد المعسكرات والحاميات التركيّة، ومواقعها، وتحصيناتها، وأنواع الأسلحة التي يقع نظره عليها، استراقاً.

الرحلة النهريّة
ثم تبدأ رحلته في مركب البضائع البخاري المسمّى (خليفة) صعوداً باتّجاه بغداد، حيث سيبدأ وصفاً لمشاهداته عن مجريات الأمور في المركب، والمدن التي يمرّ بها في هذه الرحلة، القرنة (جنّة عدن المفترضة في الأدبيات الغربيّة)، العمارة وصابئتها، مارّاً على ذكر الطريق الذي يتفرّع منها باتجاه (ديزفول)، ثمّ يأتي على ذكر الكوت وجسر قواربها، واكتظاظ شوارعها بالزوّار من الفرس الذاهبين لزيارة العتبات المقدّسة في موسم الزيارة (كان التاريخ الهجري لتلك المشاهدة هو نهاية شوّال)، وفي لمحة من الطرافة يذكر أنّ كلّ النساء المرافقات كنّ مغطّيات بالكامل، لكنّه استرق النظر إلى واحدة منهنّ، فكانت أشبه بـ (حوريّة)!

في بغداد
بعد خمسة أيّام من الملاحة ضدّ تيّار النهر، يصل المركب إلى بغداد، ويحظى (ماليسون) بضيافة القنصل البريطاني داخل بناية المقيميّة ذات الإطلالة الفريدة على نهر (دجلة) قرب السنك، حيث مشهد الماء وجسر القوارب. ويبدو أن كلّ المكلّفين بمهام من هذا النوع، كانوا يتمتّعون بوفرة الإطلاع على تواريخ وجغرافيا الجهات المكلّفين بمهامهم الإستخباريّة فيها، فهو يبدأ الحديث عن بغداد بمطوّلة عن تاريخها وسبب تسميتها، وعن خلفائها وأمجادهم، ودخول المغول إليها وما إلى ذلك، ممهّدا الطريق للدخول إلى تفاصيل يوميّاته في (المقيميّة البريطانيّة) وما جاورها كالنادي البريطاني والقنصليّات الأوروبيّة، ومساكن بعض أثرياء اليهود والأترك. ثم يبدأ بوصف مشاهداته عن بغداد ابتداء من المنطقة المجاورة، فيأتي على ذكر الجامع القريب من المقيميّة، بقبّته الزرقاء ومنارته. ثم تأتي جولته في (البازار)، السوق البغدادي واصفاً الأصناف الغريبة من السكان المتآلفة مع بعضها، والتي يميزها من اختلاف لباسها، فيذكر إلى جانب العرب الذين يشكلون الأغلبية، أن هنالك يهود، وأرمنيين، نسطوريين، كلدان، صابئة، أريان، يعاقبة..إلخ. وبعد لمحة جغرافية قصيرة عن طرق الملاحة التجاريّة وازدهار التجارة خلالها يذكر أنّ السيّد (بيري) ممثل شركة (لنج وشركاؤه) الملاحيّة أخبره أن 75% من بضائع التجارة النهريّة التي تأتي إلى بغداد، تذهب إلى بلاد فارس عبر مدينة (خانقين) الحدوديّة الشرقيّة.
ولمّا كان وقت مهمّته محدوداً، خمسة أيّام كما يؤكّد، فهو يقرّر زيارة منطقة الفرات ليومين أو ثلاث، واللقاء بمهندس الري البريطاني (وليام ويلكوكس) الذي كلّف فيما بعد بإنشاء (سدّة الهنديّة)، والذي كان يقوم بأعمال مسحيّة في حوض الفرات، كما يقرّر”تفتيش”البعثة الألمانيّة التي كانت تقوم بأعمال التنقيب في خرائب بابل. ويقوم الميجر (رامسي) بترتيب كل شيء، من التراسل مع السفارة الألمانية إلى تأمين عربات نقل وقوة حراسة مرافقة من (الضابطيّة التركيّة) المسلحة ببنادق (مارتيني) لتأمين رحلته.

التوجّه إلى خرائب بابل
وقبيل الفجر يركب الجميع (القفّة) للعبور إلى الضفة اليمنى للنهر استعداداً للرحلة، ويصف ذلك:”صباح اليوم التالي قمنا بعبور النهر مابين الثانية والثالثة في جنح الظلام، مستقلّين (القفّة)، وهي واسطة نقل نهريّة شبيهة التصميم بقوارب (الكوراكل) البدائية التي غامر أجدادنا الأوائل بها لأوّل مرّة على سطح الماء... قمنا باجتياز البازارات المسقوفة المهجورة، وسط صمتٍ مطبق لا يخرقه سوى صدى أقدامنا التي كانت تتناغم وأصوات نباح الكلاب السائبة المتنافسة على الفضلات في الطريق، متوجّهين إلى العربات التي ستقطع بنا ستّين ميلاً عبر الصحراء".
ويستقلّ الجمع تلكم العربات المتعبة ذات المقاعد الضيّقة،  التي يقودها فريق من أربعة بغال أو خمس أحيانا -يقول أنّهم اضطروا لتبديلها أربع مرات طوال الرحلة- بإمرة حوذيّ يصفه على أنّه ابن للصحراء وذو ملامح بريّة.

مشاهدات على الطريق
وتبدأ رحلة الأميال الستّين الصحراوية الشاقة ما بين بغداد وبابل. ومع تبدّد الظلام، تتوضّح ملامح الطريق، وتكون أوّلى الصور البائنة لديه، صورة النظام الإروائي المفصّل”الذي منذ العصور الأولى، ولغاية الآن، منح ومازال يمنح بلاد النهرين شهرتها كبلد منتج للحبوب".
ومع تقدّم الرحلة، وتمكين الضوء من منح الطريق معالم أوضح، تبدأ عين الرائي المندهش، بتغيير لهجته الإستعلائية التي كانت تميّز وصفه للبلاد أوّل دخولها، إلى أخرى أكثر إحساساً بعظمة المكان الذي هو الآن فيه:”إن التلول التي كانت تكسر رتابة الأفق الممتد كانت تعلّم مواقع المدن المندرسة، بينما كانت كسر الطابوق والأواني الخزفيّة المزجّجة والفخّاريّات التي كانت تملأ سطح الأرض أينما جلت ببصرك، هي البقايا الوحيدة الدالّة على قهر الزمن لحضارة كانت مزدهرة، لكنّها انقرضت الآن تماماً. ويبدو أن هناك في واقع الحال مجال واسع لعلماء الآثار. إن مجرّد خدشٍ لهذه التلال، سيسلّط الضوء على حصاد غني من القطع النقديّة لحضارات العصور السلوقية والرومانية والساسانيّة". وهنا تفضح لغته بالأجهار بالنوايا التي قطع من أجلها عشرات المئات من الأميال، فإن تأكيداته على غنى المنطقة باللقى تتوضّح في التوصيات التي يضعها في تقريره من أجل حفريات (ممنهجة)،”هنا، وسط رماد الإمبراطوريات الميتة، والخراب الذي ورثه الإنسان".

طريق قوافل الزوار
وكما لفتت نظره مشاهد القوافل الذاهبة لزيارة العتبات المقدّسة في رحلته النهريّة، تأتي رحلته البريّة الغنيّة بالمشاهدات، لتمدّه أكثر بذلك المشهد المألوف ما بين بغداد والحصوة، قبل أن يتفرّع الطريق إلى المسيّب بالنسبة للمتوّجه لزيارة كربلاء، أو المحاويل للذاهب صوب بابل:
"لما يقرب من نصف مسافة الطريق، فأن مسار الذاهب من بغداد إلى بابل ومسار المتوجهين لمدينتي كربلاء والنجف المقدّستين هو واحد ونفسه. وكان كل من يروح ويجيء من حولنا هم من الزوّار، وبدرجة أساسيّة من بلاد فارس وكانت هنالك الكثير من الجِمال تحمل توابيت احتوت على رمم لمؤمنين من الشيعة، أخذت لكي تُدفن إلى جوار الأضرحة المقدّسة. وعلى جانبي الطريق كانت هنالك الكثير من المقاهي، يتكسّبُ مالكوها من تجارتهم المؤقتة التي تنشط خلال مواسم الزيارات".

الوصول إلى بابل
"وصلنا إلى ضفاف نهر الفرات في الواحدة بعد الظهر، وألقينا بركابنا حيث علماء الآثار الألمان المكلّفين بالتنقيبات في بابل، والذين قدِموا قبل ثمان سنوات للعمل هنا، حيث أعلمنا خبير البعثة، أن المتبقّي من الأعمال قد يحتاج لثلاثين سنة أخرى". ويبدى المبعوث البريطاني إعجابه بالمساكن المريحة التي شادها أعضاء البعثة واستقرّوا فيها حيث تستوجب متطلبات العمل، وهي تشبه القلاع المصغّرة، ذلك لكي تضمن تحصّنهم فيها ضدّ هجمات الأعراب (المفترسين)!
كما أنّه يذكر بفخر، أن وجوده في هذا المكان، أتاح له رؤية معابد وقصور (نبوخذ نصّر)، الذي يصفه بأبي المملكة، تلك الشواهد التي بقيت مطمورة لـ 2500 سنة، وهاهو الآن واقف أمامها، وهي بتلك الحالة المبهرة من البقاء رغم عوادي الزمن. وهنا يعرب عن خيبة أمل، لأن من يقرأ في التأريخ عن عظمة كلّ شواهق بابل، لا يتصوّر أنها آلت إلى هذا الخراب. ثم بعد أن يأتي على لمحة تأريخيّة مطوّلة حول معالم المنطقة التأريخيّة (سلوسية، برج بابل ومعبد عشتروت)، لانرى موجباً لأن نتفصّل فيها هنا؛ يصف بإعجاب بالغ، ذلك التمثال ذا الحجم العظيم الذي يمثّل سلالة غريبة من القطط البابليّة، بذنب يذّكر بذنب كلب (البلدوغ)، في إشارة واضحة إلى ما سيُعرف لاحقاً بـ(أسد بابل)!

مجتمع بغداد الأوروبي
بعد ستّين ميلاً من الوعورة والعذاب، يعود الفريق إلى بغداد، حيث سيمضي العقيد (ماليسون) المتبقي من أيام مبعوثيّته، في الحيّ الأوروبّي الذي تقع المقيمية ضمن نطاقه، حيث الألسن المتعدّدة، وألعاب البريدج والبيليارد، وحيث الديبلوماسية وحياة الإسترخاء يجتمعان معاً. وبالطبع فهو لا ينسى أن يتقدّم بشكره، قبيل المغادرة، للقنصل الألمانيّ الذي زوّده برسالة تقديم لبعثة بابل الآثاريّة، ومن ثمّ يقوم بزيارات لممثليّات دبلوماسيّة أخرى، في جولة اتسمت بالمجاملات الوديّة، التي تخللتها طقوس تقديم القهوة والسجائر والمسكِّرات.

بازار بغداد ثانيةً
ما تبقى من أيّام بغداد، سيقضيها في زيارة لبازاراتها وأزقّتها الخلفيّة”لعاصمة هارون الرشيد البارزة.. التي بلغت في عهده غاية الرخاء"، ولا ينسى طبعاً أن يقوم بزيارة القبر للبارز حيث ترقد (السيدة زبيدة) زوجة الخليفة، وقد أبدى أسفه لحالة القبر الميؤوس منها، بسبب من إن ترميمه لم يتمّ إلاّ متأخّراً. كما يشير إلى أنه شاهد في جولته في الأسواق بناء مميّزا على شكل حوض دائري يستعمل حالياً لخزن الحبوب، افترض أنّه قد يكون قاعة لقصر الخليفة، ويسرد بعضاً من تصوّراته كغربي، حالة بغداد في مخيلّة قاري (ألف ليلة وليلة) فيقول أنّها لم تفقد ذلك الطقس تماماً، إذ ما زال فيها ما يذكّر بالليالي العربية، ويبدأ بتعداد ما يتذكره من شخصيّات القصص العربيّة من قبيل السندباد وقمر الزمان، جعفر البرمكي وأبو نؤاس..إلخ. في إشارة واضحة إلى أنّه كان قد تشبّع بكلّ ذلك الإرث قبل أن يأتي في مهمّته الإستخباريّة.

عن البغداديّين
لم يتحدّث صاحب اليوميّات عن أهل بغداد الكثير، وباعترافه، لذا، فهو يحاول هنا أن يمنحهم فسحة أكبر. يبدأ الفصل بحديث عن المقاهي وروّاها من العرب وأفراد الجندرمة (العصمليين)، وعن نسوة بغداد المتحجّبات على الدوام، حتّى المسيحييات منهن واليهوديّات، اللائي كنّ على درجة من الثراء إذ كنّ يرتدين أثواباً حريريّة يصفها بالبديعة. وغالباً ما يمتطين حميرهن البيض بمعيّة خدمهنّ من (العبيد السود). الأطفال غالباً حميمون، ولاحظ أن أكثرهم يحملون ندباً تشوّه وجوههم (حبّة بغداد) التي قلّما نجا منها أحد. ويلقى باللائمة على النظام الصحي والعادات السيئة ويعزو إليهما انتشار الأوبئة الإنتقالية مثل الطاعون والكوليرا التي يموت بسببها الآلاف يوميّاً.

مغادرة بغداد
يغادر ماليسون بناية المقيميّة متّجهاً بالقارب إلى السفينة (خليفة) التي ستعود به من حيث أتى، وهناك يلتقي (ميشكوف) القنصل الروسي في بغداد الذي لم يكن موجوداً أثناء إقامته، وقد جاء خصيصاً لتحيته. عند الفجر باكراً ستنطلق الباخرة نزولاً في دجلة، وسرعان ما يغيب مشهد بغداد. وسيتيح له الوقوف لمدة ساعة بغرض نقل زوار ضريح (سليمان الفارسي)، رؤية مدينتي (سلوقيا) و(طيسفون) التاريخيّتين، اللتين أسست على أنقاضهما مدينة (المدائن). ويجدها فرصة ليقوم بسرد تفاصيل حقبة من التاريخ تتعلّق بآثار هاتين المدينتين. وهو لن يتوقف عند هذا الحد من السرد التأريخي، فعند مرور الباخرة بالضريح الواقع على ضفة نهر دجلة، المعروف بقبر النبي العزير، يبدأ بوصف موجز لقبته الزرقاء المرمّمة حديثاً، ولموقعه الفريد ومدى قدسيته لدى المسيحيين واليهود والمسلمين على حدّ سواء. ثم يأتي على ذكر مروره بالكوت والعمارة والمستنقعات والأهوار التي تعترض المسار النهري، المليئة بالخنازير البريّة.

آراء ومقترحات تجاريّة
وبالطبع فهو- كعقليّة استعماريّة – لا يتردد في أن يورد في تقريره الإستخباراتي، بعض المقترحات الإقتصادية فيما يخص استغلال ثروات العراق، ويضع بعض النصائح في تعيين هذا وطرد ذاك من أعضاء البعثة السياسيّة البريطانيّة في العراق، وهو يرى أن بريطانيا أحق بالتجارة مع العراق بعد التقى في الباخرة بممثلي إحدى الشركات الأمريكيّة وهم يعودون بعقد احتكاري لمادة (عرق السوس) المنتجة بغزارة في مناطق كتف دجلة، وعلم منهم أنّه يستخدم في صناعة مضغة التبغ والعلكة وبعض المشروبات الفاخرة. ثم يسترسل في سرد مشاريعة الإقتصادية فيأتي بالحديث عن شركة سكك الحديد والخط الذي يفترض أن يربط كرمنشاه بالنجف وكربلاء مروراً ببغداد. وحديث عن وفرة الحبوب في العراق وكيفية الإستفادة منها تجاريّاً، وعن ميناء البصرة وطريق التجارة البري المرتبط بالشام وتجارة الألمان في العراق وغير ذلك مما يطول تفصيله.

مسافر استثنائي
ولم تقتصر لقاءاته في الباخرة على التجّار فقط، وإنّما بمسافر بريطاني قال عنه أنه الأكثر مثاراً للإهتمام، كان قد قضى أربع سنوات يجوب مناطق العراق العثماني، ويعرف الكثير عن شؤون العرب وعاداتهم وتقاليدهم، كما أنّه يستطيع التفاهم بلهجتهم. وكان تردّده الأكثر على منطقة جنوبي (شط الحيّ). ويقول عنه أنّه صاحب أفكار خصبة منها أنه يعتقد بصلاحية نهر الفرات للملاحة صعوداً حتى مدينة (بيرجيك) التركية التي عندها يعبر خط حديد بغداد نهر الفرات. وأخبره أنه كان قد سافر في الجزء المكتمل من سكة الحديد هذي، من (قونية) حتى (أريجلي)، وأن أعمال الحفر تجري الآن في (طوروس). وأنه كان في النجف وعلى طول المناطق الواقعة على نهر (الهنديّة) وله معرفة شخصيّة بشيخ قبيلة المنتفك والشيخ صيهود زعيم ألبو محمّد الذي وصفه بالحارس الأسود، وذكر له أنّهم مسلّحون جيّداً وأقوياء. كما أن هذا المسافر غير الإعتيادي أخبره أنه زار الكويت والبحرين وأنه ينوي زيارة نجد أيضاً، وفي خلال عام أو عامين على الأكثر، إن توفّر على مرافق، فإنّه سيقوم بجولية مُرضية له. واقترح طريقة للعيش في الإنتقال من شيخ إلى شيخ، كعربي يثق في الضيافة العربية. ويبدو أن (ماليسون) كان يبحث عن عميل من هذا النوع لتجنيده كمصدر معلوماتي، فقد كان كلّما تحدّث، اتّخذ حديثه مساراً استخباراتيّاً، ويقول أن الرجل أعرب له في النهاية عن رغبته في المشاركة بالمجال الإستخباري بقدر ما تسمح به مصلحة عمله. فهو يرى أن سياسة بريطانيا كلما كانت متحكّمة في الخليج، كلّما ساعد ذلك على تقدّم التحضّر وانتشاره. وينقل عن أفكار الرجل أنه يؤمن بأن الطريقة الوحيدة للحصول على معلومة مفيدة هي (الجلوس على نار المخيّم). ووقد أبدى عن إعجابة بعقيدة”السفر لخمسمائة ياردة من أجل الحصول على بوصة واحدة”التي يؤمن بها. كما ذكر له أن الأتراك تعاملوا معه بتشكك في أول الأمر، إلا أنّه الآن يتحرّك بحريّة ويستطيع الوصول إلى أي مكان يشاء.

مغادرة البصرة
بعيد وصوله البصرة، وقيامه بجولة أخرى، يبدأ صاحب اليوميّات بمقارنة بين أسواق بغداد وأسواقها، فيقول على نحو دبلوماسي، أنه ينظر إليها الآن بعين المتمدّن الذي رآى شوارع بغداد الخلاّبة فعقد المقارنة، وعند الخروج سيكون عليه أن يمرّ بالكرنتينا ثانية، ليركب الباخرة المتوجهة إلى ميناء (بوشهر)، التي ستغادر صوب المحمّرة أوّلاً، لتتوقف ساعة من الوقت، ثمّ تُبحر ساعة الغسق حيث (الفاو) لتبيت ليلة هناك، ومن ثمّ، بعد التيقن من المعلومات الملاحية للرحلة، يبحر في شطّ العرب إلى الخليج، حيث ميناء بوشهر، فكراچي.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية