العدد (3974) الخميس 20/07/2017 (ناجح المعموري)       عُقَدةَ يوُسفْ التوراتي بين الإخصاب والاخصاء       شهادة: سيرة المعرفة       ناجح المعموري من سردية الرواية إلى تأويل الاسطورة       (الأبيض كان اسوداً) دراسات في الفوتغرافيا.. قراءة ثقافية       المعموري علامة فارقة ومضيئة       المعموري الذي يتسلل الى بيت الخيال وطارده الى تخومه القصوى       القراءة الأنثربولوجيّة للتوراة عند ناجح المعموري       ناجح المعموري دأب واجتراح       اللوّن الأحمر.. أيقونة الخصب والنماء    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :29
من الضيوف : 29
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 16536306
عدد الزيارات اليوم : 10277
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


شذرات من مذكرات المدفعي

اعداد : عراقيون
البدايات
أرسل  عمي امين زكي برقية الى والدي حيث كان مدير شرطة كركوك بالكلمات التالية  (نهنئكم بأخٍ لقحطان) اجاب والدي بكلمات قصيرة كعادته (اهلا وسهلا بهّشام).
ولدت  في (اعظمية بغداد في 28 تشرين اول 1928)، وادركت الحياة وانا الابن الثاني  من خمسة اخوة واخت واحدة، هم قحطان وهشام وسهام وعصام وإلهام، وميادة،


ولعل في اسمائنا طرافة وندرة في سنوات ولاداتنا، واذكر هنا ان شقيقتي (ميادة) كانت تسميتها باقتراح من الشاعر معروفالرصافي، وكان على صلة وطيدة بوالدي، ولعله اطلق  لأول مرة على فتاة في العراق.

كان ابي يحب الادب كثيرا، ويقرأ ما تقع يداه عليه من كتب الادب والتاريخ، فكانت علاقاته مع الادباء والشعراءوطيدة، وكان مجلسه يقترب من الادب كثيرا ولايخلو مرة من اديب أوشاعراو كاتب او صحفي، كما ان والدتي هي الاخرى تشاطره هذا الاهتمام، إلا أنها شغوفة بالتاريخ الحديث للعراق ولما له علاقة بالمتغيرات داخل العراق، وكثيرا ما حدثتنا عن وقائع تاريخية عاصرتها او سمعت بها من والدي. واود هنا ان اذكر انه كان معجبا بالشعب الانكليزي، وتعلم لغتهم على يد معلم لبناني، وكان له العديد من الاصدقاء البريطانيين كالسيدة فريا ستارك.
  كان والدي هادئ الطباع، الا انه كان شديدا وحازما في المواضع المهمة والخطيرة، بدلالة ما عهدت اليه الحكومة من نزاعات عشائرية او مشاكل امنية في انحاء العراق ما اكده مرارا مشاركنا في العيش (قدري) الشرطي السائق الذي رافق والدي في وظائفه وتنقلاته، وبقيت صلته بالأسرة الى وفاته في السبعينات. كما كان والدي لايبخل علينا بالنصائح والتوجيهات التي تبعدنا عن مواضع الزلل، وفق تجربته العسكرية والوظيفية. وتعلمنا منه احترام الاخرين مهما كانت صفتهم، وكنت اشعر باحترامه الكبير لخالاتي : لبيبة ام لائقة زوجة عبد الله السلام، ونسيبة ام عائشة زوجة شوكت سري، كانت عائشة ابنة خالتي الاكبر بين جيلنا، وقد تزوجت من السيد هاشم الآلوسي بعدئذوالذي تزوج اخي عصام ابنته هناء الآلوسي. اذكر ان علاقته ببنتي عمي امين زكي، وهما سانحة ولمعان، كانت علاقة صداقة وادب، اذ كان يبادلهما الحديث عن الشعر والشعراء وقضايا الثقافة المختلفة.
 كان صاحب مجلس ادبي عامر، وصلات واسعة بأدباء العراق، ولعل معروف الرصافي والملا عبود الكرخي وحبزبوز كانوا الاكثر صلة. واذكر ان والدي رقد في المستشفى الملكي في الباب المعظم فزاره الملا عبود الكرخي، كما سمعت عن محاولاته اصلاح ذات البين بين الرصافي والصحفي ابراهيم صالح شكر. ومن ذكرياتي عندما كان والدي راقدا في المستشفى الملكي في الباب المعظم، وزاره الملا عبود الكرخي وجلس على كرسي عند رأس والدي في الطارمة الخلفية المطلة على حديقة المستشفى، فأخذ الكرخي يلقي من شعره الشعبي على والدي وتحولت الزيارة الى جلسة طريفة تخللتها احاديث هازلة وضاحكة من الانطباعات والتعليقات والذكريات. وكانت ادارة المستشفى قد اخرجت أسرَة المرضى الى الطارمة الخارجية المسقفة للنوم ليلا بسبب حرارة الجو في فصل الصيف، وعدم وجود وسائل تبريد عدا المروحة السقفية التي اعتادت ادارة المستشفى وضع قوالب الثلج تحتها في أوعية معدنية لتبريد الغرفة.
مرحلة الطفولة

   لا اتذكر كثيرا عن فترة الطفولة، الا اني اتذكر اول عهدي بالدراسة مع اخي قحطان، عندما سجلتنا والدتي في روضة لكنيسة مسيحية في منطقة الكرادة ـ ارخيته، لا تبعد كثيرا عن البيت، واتذكر ان معلماتنا كنَّ من راهبات الكنيسة ونسميهن الماسيرات، وقد تعلمنا في هذه الروضة اولى محاولات الكتابة والتلفظ بالحروف المختلفة. ثم دخلت الدراسة الابتدائية في المدرسة المأمونية في منطقة الميدان التي تبعد كثيرا عن منطقة سكناي محلة حسام الدين في الكرادة. كانت المأمونية اشهر المدارس الابتدائية يومذاك، وتقع بجوار وزارة الدفاع
 في منطقة الباب المعظم من بغداد، وتطل علىساحة الميدان المكتظة بالناس والاسواق والدوائر الرسمية، وأمام باب المدرسة كنا نرى (طوب ابو خزامة)، وما يدور حوله من معتقدات شعبية طريفة، كما كان يقع خزان اسالة الماء خلف المدرسة. كانت بناية المدرسة المأمونية كبيرة وبطابقين، وممراتها طويلة وصفوفها واسعة والدخول اليها من الجهة المقابلة لسوق الميدان، وكانت من ابنية بغداد المشهورة، وقد هدمت في عهد عبد الكريم قاسم مع بناية جميلة هي الاخرى، وهي بناية مكتبة الاوقاف العامة في الباب المعظم، لتطوير تلك المنطقة!
كان سائقنا (قدري) يأخذنا أنا واخي قحطان بسيارتنا الى المدرسة صباح كل يوم، ويعود بنا الى الكرادة، مخترقا شارع الرشيد فشارع السعدون حتى يصل البيت في محلة حسام الدين في الكرادة. كما كان قدري يأخذنا بين فترة واخرى الى اماكن اخرى مثل محل الحلاق (عزت) في شارع الرشيد والمجاورا لسوق الهرج، مقابل محلة (كوك نزر)
المحرفة من الاسم الصحيح لكنيسة الارمن الارثودوكس التي بناها الضابط العثماني (كيروك نازريان). واذكر ان عزت الحلاق كان اشبه بكتلة سمينة، وذا بطن كبيرة، ويرتدي بنطلونا معلقا (بالآسقي) على كتفه مع قميص ابيض، وهو من اشهر الحلاقين آنذاك، وكان والدي من زبائنه.
ومن ذكرياتي في المأمونية، وقوع انقلاب بكر صدقي (29 تشرين الاول 1936)  وانا في الصف الثاني الابتدائي , وحضور قدري لأخذنا من المدرسة وخروجنا من الصف بناءً على توجيهات والدي وعندما سمعنا اصوات انفجارات القنابل التي اسقطتها طائرات عسكرية مؤيدة للانقلاب على مبنى مجلس الوزراء القريب من المدرسة (كان المبنى بجوار القشلة امام جامع السراي)، لفرض الامر الواقع على رئيس الوزراء ياسين الهاشمي والاسراع باستقالته.
   كانت محلة حسام الدين من محلات الكرادة الحديثة في العشرينات، وتقع على الطريق المؤدي الى معسكر (الهنيدي) الذي سمي فيما بعد بمعسكر الرشيد، ونسب اسمها الى السيد حسام الدين جمعة وهو من الشخصيات السياسية والادارية المعروفة،من اوائل من سكن تلك المنطقة، ويقع بيته مجاور بيتنا شمالا والى جوار بيت بكر صدقي. ويقع في المحلة ايضا بيت صبيح نجيب وكنا نسميه (عمي) وهو ابن خال والدي، وبيتنا يقع خلف بيته، وكنا نسمع احياناً صوت حسام الدين المرتفع لضعف في سمعه عندما ينادي صبيح نجيب قبل دخوله الدار. ومن سكنة المحلة ايضا القاصد البابوي في بغداد، ومحمد علي محمود،وحمدي الباجه جي، ويقع خلفه بيت  (رجينة باشا) الشهيرة يومذاك اخت المطربة سليمة باشا. عندما سكنا محلة حسام الدين في سنة 1934، كانت المسافة طويلة بينها وبين مفرق الكرادة ـ داخل حيث (نصب كهرمانة حاليا) ولايوجد بناء في تلك المسافة سوى نادي العلوية، كما لا يوجد بناء الى منطقة الباب الشرقي عبر بستان الخس سوى بناء (واي ام سي أي) وهي جمعية الشبان المسيحيين.
   ومن ذكرياتي في هذه المرحلة من حياتي عندما كان والدي متصرفاً للواء الرمادي، مرور قطعات الجيش البريطاني عبر مدينة الرمادي متجهة الى فلسطين وشمال افريقيا لقتال الالمان بقيادة رومل القائد الالماني الشهير في الحرب العالمية الثانية. كما اتذكر رحلة الصيد انا واخي قحطان بصحبة والدي وصديقه الشيخ عبد الرزاق علي السليمان شيخ مشايخ الدليم واحمد عجيل الياور شيخ شمر، وفيها رأيت التحدي بإصابة الهدف بواسطة بنادق القتال، وقد برع الشيخان ولم يزالا شابين. وبعد الغداء انطلقت السيارات الاربع لصيد الغزلان، وعند التقرب من الغزلان المتجمعة عند منخفض للمياه في بادية الشام، اسرعت تلك الحيوانات الجميلة بالفرار في اتجاهات مختلفة وتبعتها السيارات بكل سرعتها، وعند العودة لجمع الصيد تبين ان السيارات قطعت مسافات طويلة واصبح من الصعب تجمع السيارات من جديد، وأدركنا بأننا قد أضعنا بعضنا البعض وسط تلك الصحراء الرملية الواسعة، ولم نلتقِ الا ليلا عندما عادت السيارات الى بيت الشيخ عبد الرزاق علي السليمان.
   ومن ذكرياتي في هذه المرحلة من حياتي، سفري انا واخي قحطان اثناء العطلة الصيفية  مع والدي لدى قيامه بجولة تفتيشية في لواء الرمادي، وقد رافقنا عمي محمد صالح زكي         (ابو زيد). وعند وصولنا الى ناحية البو كمال وجه ضابط الارتباط الفرنسي المقيم في الجهة السورية من المنطقة، وكانت سوريا ولبنان تحت النفوذ الفرنسي، دعوة عشاء الى والدي ومرافقيه ومنهم توفيق المختار قائممقام قضاء عنه ومدير الناحية وغيرهما. وبعد المجاملات الرسمية التقليدية، جلسنا على مائدة الطعام، ويا لها من مائدة رتبت بطريقة فرنسية حديثة، تخللتها احاديث منوعة، كانت الاطباق تقدم وفيها كميات صغيرة من الطعام على دفعات مع الشراب الفرنسي، وانتهت بتقديم القهوة الفرنسية المعتادة. ويبدو ان هذه الطريقة لم تلائم ما اعتدنا عليه، فما ان وصلنا الى بيت مدير الناحية بعد انتهاء الدعوة، حتى تمت تهيئة العشاء على طريقتنا!
أحيل والدي الى التقاعد عام 1941 وهو متصرف لواء الرمادي، وفي هذه الفترة انتقلنا للدراسة في مدرسة تطبيقات دار المعلمين الابتدائية في الاعظمية قرب المقبرة الملكية. واذكر حدوث حركة رشيد عالي الكيلاني وانا في الصف السادس ابتدائي، وقد كنا مندفعين بحماس لتأييد حكومة الكيلاني وكنا نعتقد ان هدفها محاربة الانكليز ليس الا. واتذكر وقوفنا على رصيف الشارع في محلة الشيوخ قرب مقهى حجازي، حيث كنا نسكن،  لتحية رشيد عالي ونحن نرتدي لباس الكشافة ونحمل عصيّاً خشبية. كما اتذكر حوادث الفرهود وما جرى من اعتداءات على بيوت و أبنية يهودية وسرقة موجوداتها، وقد تمكنا من حماية عدد من الدور اليهودية في شارعنا.
   انتقلت الى الدراسة المتوسطة، والتحقت بمتوسطة الكرادة الشرقية الواقعة في محلة ارخيته، وهي بناية حديثة قريبة من الشارع المؤدي الى جامعة بغداد حاليا. وكانت الدراسة في هذه المدرسة متميزة ومتقدمة بطرق التدريس واساليب التعليم. ومن مدرسيها الافاضل     (اوهان دنحو) للغة الانكليزية و(فؤاد درويش) لعلم المثلثات. وكان من اصدقائي في الصف الثاني نزار الملائكة الذي عرف بإتقانه اللغة الانكليزية، وكان يومئذ يتعلم اللغة اللاتينية، وهو اخو الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة.


مرحلة كلية الهندسة
        كان والدي يؤكد علينا انا وأشقائي ان نبتعد قدر الامكان عن العمل الحكومي التقليدي، وان يكون تكسبنا من التخصص المهني في القطاع الخاص لما فيه من فوائد مادية ونفسية، ولعله كان في ذلك يقول لنا ان ما واجهه من معاناة في الخدمة الحكومية الوظيفية، لايريده ان ينتقل الى ابنائه فيواجهون ما واجهه من تعب وعداء وحسد مهما كانت درجة خدماتهم!. كما يبدو ان هذا الامر شمل ابناء اعمامي ايضا.
   دخلت كلية الهندسة في بغداد عام 1946 وانا في الثامنة عشرة من عمري، وكانت عندي رغبة في دراسة هندسة البناءوهي رغبة والدي نفسها، و قدمت الى كلية الهندسة وفق حصة لواء كركوك الذي كان والدي متصرفا له، وهي اربعة طلاب وكان رقمي (5) احتياط، ومن حسن حظي ان احد المقبولين الاربعة حصل على بعثة دراسية الى الولايات المتحدة ولم يجد كفيلا، فأوعز والدي الى رئيس البلدية ان يجد كفيلا لهذا الطالب، وفعلا تقدم احد كبار تجار كركوك لكفالة السيد حسن الدده مما سهل التحاقه بالبعثة العلمية، وهكذا دخلت كلية الهندسة. الا اني فجعت بعد اسابيع قليلة بوفاة والدي المفاجئة، كانت الوفاة بسبب انفجار شرياني في الدماغ، وهو عائد بالسيارةمن مهمة رسمية من بغداد الى  مقر عمله متصرفا للواء كركوك، كان الحادث قاسيا علينا، ولم اصدق الخبر في البداية، ولازمتني تلك الصدمة طيلة السنة الاولى من دراستي في كلية الهندسة، ثم اخذ الامر يعود الى طبيعته مع مرور الايام. واصبحت آنذاك اكبر اخوتي في البيت، واصبحت والدتي تعتمد علي في تدبير الكثير من امور البيت، لان اخي الكبير قحطان كان قد التحق بالبعثة العلمية في بريطانيا منذ سنتين. وكانت تلك البداية في مواجهة صعوبة الحياة، كان الامر صعبا في التوفيق بين الدراسة ومطالب الأسرة، غير ان قوة ارادة والدتي وحكمتها كانتا من اسباب نجاحنا في هذه الفترة وما تلاها.

   التحقت بالشعبة ـ أ ـ في الصف الاول من الكلية، ومعي في الصف اوائل الطالبات العراقيات المقبولات في كلية الهندسة، ومنهن سعادعلي مظلوم وجوزفين غزالة وطالبة يهودية، ومن الطلاب اذكر هنا عددا من الطلاب الاردنيين مثل احمد فوزي الذي اصبح فيما بعد امينا للعاصمة الاردنية (عمان)، وسعيد بينو الذي اصبح وزيرا للأشغال العامة في الاردن، وعمر عبد الله دخقان الذي اصبح وزيرا للموارد المائية في  الاردن، وابراهيم عطور الذي اصبح وكيل وزير الزراعة، ويحيى حديدي الذي اصبح من رجال الاعمال الكبار في الاردن. كما تعرفت على طلاب عرب آخرين، ومن دول اسلامية مختلفة كزنجبار وسورياومنهم عبيد عبدالله سيف ويحيى الصالحي.
******

بعد عودتي للعراق من الزمالة الدراسية في المملكة المتحدة، باشرت عملي في مجلس الاعمار - مصلحة المصايف والسياحة، بمهمة وضع التصاميم الهندسية لأعمال تلك الدائرة.وكانت تضم عددا من المهندسين المدنيين العراقيين، وبعض المهندسين الاوربيين ممن يمتلكون اختصاصات غير موجودة  لدى العراقيين.
  كانت النية اولاً متجهة الى تشجيع العمل السياحي في العراق، واستغلال خطوط السكك الحديد التي تصل الى مختلف مدن العراق لهذا الغرض. فتشكلت دائرة للسياحة مرتبطة بمديرية السكك الحديدية العامة. وكان المهندس المعماري عبد الله احسان كامل يعمل في هذه الدائرة مع مهندس معماري بريطاني، هو (Herts)، وقد قاما بوضع تصاميم كل من فندق سرسنك ودار الاستراحة في مصيف الحاج عمران وفندق صلاح الدين القديم والجديد فيما بعد. ثم تقرر ربط دائرة المصايف بوزارة الاعمار، بعد ان تم نقل المهندسين العاملين هناك الى وزارة الاعمار. فالتحق بدائرتنا كل من الزملاء المهندسين عدنان الربيعي وعبد الرسول خياط وفرحان جمعة وحسين النقشبندي، اما المهندسون الاوربيون فهم الالماني رنكل (Runkle) للتصاميم الصحية والنمساوي المعماري (هايدن Hydin)والمعماري الايطالي والآثاري (سيسا SEISA).
  كانت المصايف العراقية تقع على محورين، الاول محور لواء الموصل (محافظتا نينوى ودهوك حاليا)، والمصيف الرئيس فيه هو مصيف سرسنك، وعلى خط الموصل سرسنك توجد محطة استراحة في (زاويته)، وهي منطقة جميلة بأشجارالصنوبر الكثيفة التي زرعت في عهد الملك فيصل الاول، ومن ثم مصيف سواره توكه، حيث شيدنا فيه فيما بعد سنة 1958 دارا للاستراحة وعدداً من الدور السياحية. وكان قد شيد في مصيف سرسنك وعلى سفح الجبل فندق كبير، يتضمن كل وسائل الراحة ويطل على وادٍ اخضر عظيم غني بمزارعه ويطل على قرى عديدة منها أرادن و بامرني وانشكي. وفي هذا المصيف شيد سابقا القصر الملكي قريبا من المزرعة الملكية، وكان الملك فيصل الثاني يقضي الصيف فيه مع اسرته وحاشيته.
اما المحور الثاني فهو مصايف لواء اربيل، وقد شيدت مديرية السكك داراً جميلة للاستراحة للمصطافين في اربيل ضمن محطة اربيل في خط سكة بغداد – كركوك – اربيل . والطريق من مدينة اربيل الى شمالها حيث المناطق السياحية، متموج ومتعرج، ويرتفع ليمر بأربع عشرة دورة للصعود الى مصيف صلاح الدين، الذي شيدت فيه مديرية السكك فندقا بسيطا جميلاً (بيرمام)، يطل على الشارع الرئيس الذاهب شمالا الى مصائف اخرى مثل مصيفي شقلاوة والحاج عمران، اضافة الى عدد من الدور السياحية الواسعة والجميلة هندسيا. وفي اثناء الحرب العالمية الثانية، وعندما وقعت احداث حركة مايس 1941، نقلت الى هذا المصيف رئاسة الوزراء والعائلة المالكة بما فيها الملك فيصل الثاني، وكان لم يزل صغيرا، الى هذه المنطقة، بعيدا عن الاحداث الخطيرة ببغداد.
تقرر في ذلك الوقت ان يشيد مستشفى في مصيف صلاح الدين الذي يرتفع عن سطح البحر بنحو900م، وتمت المباشرة بأعمال البناء، الا انه واثناء فترة الانشاء تم تعديل تصميمه ليكون فندقا.كما تم تشييد سوق ومقهى وجامع في هذا المصيف المهم. وفي مصيف شقلاوة شيدت دار استراحة (خان زاد) من قبل مديرية السكك، تطل على بساتين المنطقة الخلابة، وشيدت اخرى في نهاية هذا الطريق بعد شقلاوة وبعد اختراق وادي حرير ومرتفعات سبلك ومضيق كلي علي بيك وقرية رانية التي جعل الجيش البريطاني فيها احد معسكراتهم اثناء الحرب العالمية الثانية. وفي جوار جبال كردستان الجميلة وعلى بعد كيلو مترين من الحدود العراقية الايرانية، شُيدت دار استراحة جميلة على سفح جبل في منطقة الحاج عمران الذي  تكسوه الثلوج سنوياًشهور عديدة.

تصليح دار سكن
 الزعيم عبد الكريم قاسم
    بعد أشهر من ثورة تموز 1958 واستقرار الزعيم وحكومته في الحكم، وعندما كنت منشغلا بأعمالي الهندسية في مصلحة المصايف والسياحة، طلب المدير العام للمصايف والسياحة رشيد مطلك مني وأخي قحطان، المهندس المعماري المعروف، أن نرافقه  في زيارة الى بيت الزعيم عبد الكريم قاسم الواقع في منطقة (بستان الخس) البتاويين من بغداد، للتعرف على واقع البيت ووضع التصاميم لإصلاحه وتحديثه ليكون سكن خاص مريح للزعيم. صالح المطلك كان صاحب مطعم شريف وحداد الواقع في مقدمة جسر (الملك فيصل الثاني) من جانب الرصافة.
البيت يقع على ارض سكنية بمساحة حوالي 600 متر، وهو من بيوت أملاك اليهود”المجمدة». بناء الدار يقع على بعد 4 امتار من السياج الأمامي ومحاط بمساحة غير مشيدة بعرض مماثل يتخللها أشجار مرتفعة وقريبة من السياج الخارجي، والحديقة الخلفية مساحتها حوالي 200 م2 يحيط بها أشجار مرتفعة قريبة من السياج الخارجي ووسطها ساحة مفتوحة استعملت ساحة يقطنها كلاب اربعة شرسة من النوع المخصص للحراسة.
أما الدار فهي مشيدة بالطابوق وفق طراز يعود لعمارة ثلاثينات القرن العشرين ومن طابق واحد. يتكون تخطيط البيت من مدخل أمامي مستعملة غرفة الضيوف على اليمين وغرفة معيشة العائلة على اليسار ومدخل الهول في الأمام يقع على يمين ويسار غرف نوم وعلى اليمين يقع الحمام وعلى اليسار المطبخ بينهما باب تؤدي الى الحديقة الخلفية.

    أما اثاث بيت الزعيم، وهو من كبار ضباط الجيش العراقي، فهي بسيطة الى درجة متناهية. غرفة النوم خالية من السجاد تحتوي على سرير حديدي ودولاب حديدي. أما السرير فهو من الحديد الذي تستعمله العوائل البغدادية للنوم على السطح والدولاب فهو من الدواليب الحديدية البيضاء المزججة مع رفوف، المستعملة في المستوصفات الطبية. وأما غرفة الجلوس فان أثاثها يتكون من تختين خشبيتين من النوع المستعمل في المقاهي الشعبية. وأما الحمام فيتوفر فيه حوض ماء من الموزاييك، شائع الاستعمال لدى ذوي الدخل القليل، مع طاسة لسكب الماء على جسم الانسان و تختة خشبيه للجلوس، والماء الحار يسخن من الخارج بحرق النفط. لم الاحظ اثاث في المطبخ سوى طباخ ذو ثلاثة عيون وبعض الادوات المعتاد وجودها في المطبخ. لا يوجد في البيت اثاث اخرى تجلب الانتباه. أما الحديقة الخلفية فلا يمكن الدخول اليها بسبب تواجد كلاب الحراسة الشرسة.

بلغنا رشيد المطلك ان ما يتوفر لدى الزعيم من مبالغ لإصلاح داره هو اثنان وعشرون الف دينار وحذرنا من تجاوز هذا الرقم عند العمل على هذا المشروع. 
بدأ قحطان بوضع المخططات الأولية والفكرة التصميمية الأولية للتصليحات آخذين بنظر الاعتبار متطلبات سكن رئيس دولة، من متطلبات السكن والمعيشة في البيت، من تعديلات على الهيكل الانشائي للدار  بموجب الاستعمالات المتوقعة من قبل رئيس دولة، وما يتطلب من تأثيث مناسب للحياة اليومية ومتطلبات الحياة الرسمية والضيافات العراقية والخارجية كما درست متطلبات الحمايات ان تطلب ذلك.

   ومن ناحية اخرى كان علي ان ادرس من ناحية انشائية وخدمية متطلبات الحماية الأمنية الخارجية للدار بصورة عامة وللجدران والسقوف والشبابيك الخارجية ومتطلبات الحماية من الحريق وما يتطلب من دراسات أخرى. صارت الفكرة لتطوير الدار وتكييفها كاملة تقريبا. وكان من واجبي ان أقوم بحساب كلفة الأعمال على ضوء هذه التفاصيل، لتكوين فكرة عن الموازنة العامة لهذا المشروع. اتضح لنا ان المبالغ المطلوبة لإنجاز هذه المهمة تتجاوز المبالغ لمخصصة لذلك. قدمنا تقرير بهذه الحقائق الى الاستاذ رشيد المطلك. لم نتسلم جواب بالموافقة او المباشرة.... ولذلك اعتبرنا ان المهمة منتهية.

    من هذه المهمة الصغيرة اتضح لي مدى بساطة الحياة المعيشية للزعيم عبد الكريم قاسم قائد ثورة 14 تموز 1958، اذا ما قارناها مع الحياة المعيشية للكثير من كبار ضباط الجيش العراقي آنئذ ومنهم ما نعرف من كبار شخصيات العهد الملكي وآبائنا ومعارفنا من كبار قيادات الجيش العراقي. لقد أثبت الزعيم عبد الكريم قاسم طيلة فترة حكمه وحتى مقتله في انتكاسة 8 شباط  1963  انه زاهد في الحياة ويطمح كثيرا في رعاية الطبقات الفقيرة والمعدمة من المجتمع وأراد ان يكون نموذجا للإنسان المتعفف في خدمة المجتمع.


حجز أموالي في انقلاب شباط 1963
كانت الصحف المصرية التي تصل لندن متأخرة مليئة باخبار العراق وتفاصيل الحركة الانقلابية في الثامن من شباط 1963، وجميع هذه الصحف متعاطف مع الانقلاب الذي صاحبته احداث دموية معروفة. كانت الاخبار مقلقة جدا، ولم اكن مهتما بما يحدث بين رجال السلطة او السياسيين لبعدي عنهم، لكن اخبار الاعدامات والاعتقالات، التي طالت الكثيرين ومنهم اصدقائي كانت مقلقة حقا. وليس لدينا اي علم بسبب تلك الاعتقالات.. هل هي سياسية ام انتقامية ام لسبب اخر؟ وفي احد الايام وانا اطالع جريدة الاهرام المصرية، وقعت عيني على خبر مثير بمصادرة اموال 92 مليونيرا عراقيا، وتضم القائمة اسماء مختلفة، وهالني ان اجد اسمي في القائمة برقم 84.
ساورني القلق وانا بين مصدق ومكذب.. ماذا يعني حجز أموالي؟ وان كنت رئيس قسم في وزارة الاسكان، فانا بعيد عن السياسة وصراعها، وايفادي الى خارج العراق امر طبيعي للغاية. لقد سميت ذلك اليوم بيوم القيامة، لهول ماحدث في العراق، فقد ألقي القبض على اكثر اصدقائي والكثير من اقاربي، وفي مقدمتهم شقيقي قحطان الذي كان يشغل منصب مدير البلديات العام. بقيت في لندن لاأعرف ماذا اعمل، والعديد من الاصدقاء في لندن نصحني بعدم العودة الى العراق. وزرت الوزير المفوض في السفارة العراقية في لندن صديقي احمد الفارسي، واستفسرت منه عن حجز الاموال المنقولة وغير المنقولة، وماذا يعني؟، فقال: انه اجراء احتياطي تتخذه الحكومة في مثل هذه الاحداث. وما املكه يومئذ لايتجاوز بيتي الذي شيدته بالدين في منطقة العلوية ومبلغ 1800 دينار مودع في البنك.
  قررت العودة الى بغداد مهما كلف الامر. فاضافة الى انتهاء مدة ايفادي وضرورة عودتي الى دائرتي وقلقي على اسرتي،وما تركته من اثر طيب مع الذين عملت معهم في العراق، وما قدمته من تفان وجهد في تنفيذ مشاريع الاسكان المختلفة، زين لي بعض الاصدقاء، ومنهم الصديقة سهير السنوي التي كانت تنتظر في لندن لتسافر الى نيويورك، العودة الى بغداد لعدم وجود اي شيء ضدي سوى مصادرة اموالي.
حجزت على اول طائرة بريطانية (BOAC) متجهة الى بغداد، وكانت الرحلة مشوبة بالقلق والرهبة، فقد كنت لااعرف مصيري ببغداد وموقف الانقلابيين مني. لقد كان خوفي على اسرتي في بغداد مسيطرا عليّ، وكان السبب الرئيس في اتخاذي قرار العودة. والمفارقة اني على مدى سنة كنت اشتري مختلف الهدايا الصغيرة التذكارية لأسرتي، فضلا عن حقيبتي الخاصة، ولم اتردد في نقلها الى بغداد، على الرغم من شعوري بأني ربما اعتقل في مطار بغداد. كنت متوترا في بدء الرحلة من لندن الى بغداد. غير ان وقوف الطائرة في بيروت نحو ثلاثة ارباع الساعة،جعل مخاوفي تنحسر، وكأن قوة عظمى غيرت من شعوري وقلقي، فما ان صعدت للطائرة ثانية في مطار بيروت، حتى ألهمني الله بعد اسابيع من الخوف والاضطراب والقلق على اسرتي , باعثاً قوياً على المضي مهما يكن من شيء، لمعرفتي المؤكدة بأني لم ارتكب خطأ ولم اقصر في واجبي، اضافة الى تناولي مقداراً كبيراً من (الويسكي) لتهدئة اعصابي. شعرت بارتياح عظيم وانا جالس على مقعدي في الطائرة، وكأن قوة إلهية رفعت عني هذا الكابوس المؤلم. لااقول هذا تزلفا او ايمانا بدين، وانما هذا الذي حدث.
كان توقعي عند نزولي من الطائرة في بغداد، ان اجد اثنين او اكثر من رجال السلطة الجديدة بانتظاري لسوقي الى المعتقل. وبين مصدق ومكذب ختم الموظف المسؤول في صالة الاستقبال على جواز سفري، واستقبلني مفتش الكمارك بكل ترحيب ولم يفتش حقائبي. وبعدها وجدت زوجتي وابنائي غادة وكميت، وصديقي قصي مصطفى الخليل و خالد الفكيكي باستقبالي، وبعد السلام والترحيب، سألت زوجتي: سعاد ماذا حصل وماهي القضية؟!، اجابت: لاتسأل الدنيا مقلوبة هنا.
  اخذ عدد من اصدقائي بزيارتي في البيت، واخبروني بعزلي من وظيفتي وتعيين شخص كانت عينه على منصبي على طول الوقت، ولايوجد شيء اخر سوى ذلك.. وفي اليوم التالي من وصولي الى بغداد، ذهبت الى دائرتي وقابلت مديري العام المهندس شاكر السعدي، وقدمت له تقريرا شفويا عن ايفادي وسألته: لماذا حجزوا على اموالي، اجابني بأنه لايعرف السبب، فسألته ان يتصل بالوزير،فقال: شلون اخابر الوزير، الدنيا مقلوبة، اجلس في بيتك واسكت. ثم اخبرني بنقلي من دائرتي الى مديرية الاسكان العامة، لان قرار الحجز على اموالي لايعني ابعادي عن وظيفتي.
  كانت الاجواء ملبدة بالتوتر، ولم يزل العهد الجديد منغمسا بروح الانتقام والريبة، وافراد ماسمي بالحرس القومي يصولون ويجولون في بغداد لملاحقة اي شخص يرون فيه خطرا على الانقلاب من شيوعيين وديمقراطيين وغير مؤيدين (للثورة)، من مختلف شرائح المجتمع. وفي احد الايام حضر لزيارتي احد مراقبي العمل ممن عينته قبل ايفادي، وذكر لي ان الغوغاء حاولوا الهجوم على بيتي يوم الثورة، ولو كنت هناك لقتلت مع عائلتك لتصورهم اني شيوعي. هذا الشخص كان قد اشترك بمظاهرات زيادة اسعار الوقود التي قادها القوميون ضد عبد الكريم قاسم، واصيب بطلق ناري أثناء تصادم المتظاهرين بالشرطة. وبغية عدم الكشف عنه وهو جريح ومحتاج لراتبه فقد وافقت على ارسال محاسب دائرتي الى بيته لدفع راتبه. واصبح هذا الشخص بعد انقلاب شباط احد منتسبي الحرس القومي، وفي زيارته لي طلب مني صورة شخصية لتجهيزي ببطاقة عدم تعرض تسهل تنقلي ببغداد يومذاك. اعطيته الصورة المطلوبة، وبقيت انتظر البطاقة. وبعد ايام اخذ موظفو مديرية الاسكان يتداولون صورة جماعية اخذت في الموصل تبين عددا من الشيوعيين الذين زاروا الموصل بقطار السلام قبيل اندلاع حركة الشواف سنة 1959، ويظهر وجهي فيها وانا اقف في الخلف. كانت الغاية واضحة، وهي اثبات اني من جماعة قطار السلام من الشيوعيين. وقد استطعت بسهولة ويسر من تفنيد ما ارادوه في الصورة المزورة، واثبات اني كنت يومها في بغداد حسبما ورد في مذكراتي اليومية.
  سألني مرة زميلي المهندس محب الدين الطائي عن شقيقي قحطان الذي كان رهن الاعتقال، فقلت له: اني لم التق به منذ عودتي للعراق، كان محب الدين قريبا جداًمن السلطة الجديدة يومئذ، فطلب مني مصاحبته لزيارة قحطان، وتبين انه كان مسؤولا عن معتقل (المثقفين) في احد البيوت الواقعة مقابل سينما النصر في شارع السعدون. فاوصلني احد الحراس الى الطابق الثاني من المعتقل والتقيت شقيقي وعدداً كبيراً من المعتقلين من مهندسين واطباء ومحامين ومدرسين وسواهم. وكانت مخصصة لكل واحد منهم بطانية وقطعة من الارض بعرض 60 سم وبطول 200 سم، والغرف مكتظة والتحقيق مستمر والتعذيب على اشده لمعرفة من هم في الحزب الشيوعي وموقعه الحزبي ونشاطه.
  طلبت مقابلة وزير الاسكان المحامي عبد الستار علي الحسين، رحب بي الوزير وذكر بأنه يتابع اخباري، وانه يعرفني منذ ان كان والدي متصرفا في لواء الرمادي لكونه من ابناء هذا اللواء. سألت الوزير عن سبب وضع اسمي في قائمة اصحاب الملايين ممن حجزت اموالهم المنقولة وغير المنقولة؟ وقلت له: اذا قمت باي عمل خاطئ، قدمني الى القضاء ليكون فيصلا في ذلك، والا فلا يوجد اي سبب لاستمرار الحجز. اجابني بانه لايعلم السبب، وانه سيسعى للاستفسار عن الامر.
  وبعد ايام قليلة استدعيت من قبل الوزير المذكور، وذكر لي اسباب الاجراء الحكومي، وهي اولا ما نسب الي من تعيين مهندسين للاشراف على قرية ربيعة واعطائهم اجورا يومية عالية وهي عشرة دنانير يوميا للمهندس المقيم وسبعة دنانير لمساعديه.وثانيا صرف مبلغ مائة الف دينار اكثر من استحقاق المقاول لمشروع اسكان الرمادي السيد ماجد النهر. بينت الاسباب لمنح الاجور العالية، وهي اهمية العمل واهمية انجازه بسرعة حسب توجيه عبد الكريم قاسم، وخطورة المنطقة التي شهدت تبادل اطلاق النار عبر الحدود السورية العراقية مما ارهب الاهالي فيها، اضافة الى ان تحديد الاجور عرض على اللجنة المشرفة ووافقوا عليه. اما اعطاء المقاول مبالغ اكثر من مما يستحقه فامر غير موجود، بل العكس، ورجوته استدعاء مدير حسابات الوزارة للتأكد من ادعائي. وقد ايدني مدير الحسابات وذكر للوزير عكس ما لفق ضدي.
  تاكد وزير الاسكان من عدم صحة الاسباب التي دعت السلطة الى حجز اموالي، وقال ان الامر متروك للحاكم العسكري. قدمت طلبا الى الحاكم العسكري العام بينت فيه بان عملي الهندسي في الوظيفة، وفي المكتب الاهلي مع اخي عصرا، فضلا عن عمل زوجتي كمهندسة، وعلى مدى اكثر من ثلاثة عشر عاما، فان ما موجود لدي من اموال منقولة وغير منقولة لا تتجاوز 1800 دينار وبيت صغير شيد على عرصة تعود للحكومة، وطلبت تقديمي للمحاكمة ان ثبت خلاف ذلك. وبعد نحو شهر ونصف من تقديمي الطلب، صدر أمر الحاكم العسكري برفع الحجز عن اموالي في قائمة تضم ثلاثة اشخاص منهم التاجر المعروف عبد الامير الصراف.
  وهكذا انتهت هذه الازمة الخطيرة التي مررت بها عام 1963 بسلام بعد ثبوت براءتي وبيان موقفي، الا ان آثارها الاجتماعية والنفسية بقيت لفترة طويلة، وجعلتني افكر بترك الوظيفة الحكومية. ولاادري كم من العراقيين ذهب ضحية الجهل والتفسيرات الخاطئة؟
***
بعد ان انهيت صلتي بالوظيفة الحكومية، اتصل بي المقاول عبد اللطيف العاني، وهو من كبار المقاولين العراقيين يومئذ، وكان يعمل على انشاء بناية وزارة التخطيط على رأس جسر الجمهورية من جانب الكرخ ببغداد. وكان عبد اللطيف العاني من المقاولين المتميزين قد عمل على العديد من المشاريع في بغداد، ومنها بناية البنك التجاري في شارع البنوك.
  بدأ عبد اللطيف العاني حياته العملية خلفة بناء في بغداد، لايعرف القراءة والكتابة وبقي أمياً الى النهاية، الا ان فراسته في اعمال البناء وذكاءه جعلاه يتوسع في اعمال البناء، حتى اصبح مقاولا مشهورا ببغداد، واسس ايضا شركة لعمل الركائز الكونكريتية. واستطاع الحصول على عقد بناء بناية وزارة التخطيط، وباشر بالعمل.وقد وافقت على العمل معه،  والتحقت في اواخر عام 1963 مديرا لادارة المشروع، وتسلمت اعمالي من مدير المشروع السابق، اليوناني الجنسية.
  يتكون مشروع وزارة التخطيط من بنايتين رئيسيتين، هما بناية وزارة التخطيط، وبناية مجلس التخطيط، ومواقف كبيرة للسيارات مكونة من طابقين، مع كامل الخدمات الاخرى للمشروع الذي تبلغ كلفته زهاء مليوني دينار. وكان المصمم والاستشاري للمشروع مكتب الاستشاري العالمي الايطالي (GioPonti)، والمهندس المدني المسؤول شريكه (Fernorelli). اما دائرة الاشراف ولاهمية المشروع فقد تم تعيين مهندسمقيم بريطاني، يساعده عدد من المهندسين العراقيين المدنيين والكهربائيين،وكانوا من الشباب المندفع، ولكن بخبرة قليلة. وقد تكونت علاقة ثقة واحترام بيني وبين المهندسين الاخرين من مهندسي دائرة المباني، مما دفع هؤلاء المهندسين الى اعتباري مرجعاً مهماً لهم في مختلف الجوانب الهندسية والفنية، وتفسير شروط المقاولة. وكانت قراراتي الهندسية وقرارات ادارة المشروع تتخذ باستشارة مساعدي مساحي الكميات البريطانيين، لذا كانت قرارات علمية رصينة.
  كان هناك العديد من المشاكل الفنية الطارئة، تتطلب لها حلولا فنية تستدعي زيارة الاستشاري الايطالي الى المشروع، غير ان تعقيدات اجراءات السفر والحصول على الموافقات وغير ذلك من العوائق، جعلتني انظم منهجي بأن ازور الاستشاري في ميلانو في ايطاليا مرة كل شهرين، لحل المشاكل الفنية المعلقة، وتوقيع السلف الشهرية لانجاز المشروع. ومن الامور المهمة التي عملت على اتخاذ القرارات الفنية بالتشاور مع الاستشاري، تغليف الاوجه الخارجية للبناية بالسيراميك. وقد اكدت على تباين درجات الحرارة في الليل والنهار، وفروقها الكبيرة في الشتاء والصيف، حيث تبلغ على الكونكريت نحو 85 درجة مئوية صيفا وتحت الصفر شتاءً. فدفعت الاستشارى الى الموافقة على ان تكون التفاصيل متضمنة مفاصل التمدد بشكل كاف، وان تثبت طبقات السيراميك على شبكة من المشبكات الحديدية المثبتة بالسمنت و بشكل محكم على الواجهات الخارجية.
 وتكونت بيني وبين الاستشاري الايطالي علاقات عمل وصداقة وثيقة، وكذلك مع المقاولين الثانويين للمشروع، ومنهم حافظ القاضي الذي كان يمثل شركة Carrierلتنفيذ اعمال التكييف، وشركة بريطانية لتنفيذ الاعمال الكهربائية، وعدد من المقاولين الثانويين العراقيين لتنفيذ اعمال المشروع. ومن المهندسيين المساعدين الذين عملوا معي في المشروع المهندس زهير ساقو والمهندس خالد عبد المنعم رشيد الذي بدأ العمل معي عند عودته من الدراسة في بريطانيا، وكلفته بالعمل في بناية وزارة التخطيط. وقد سررت كثيرا عندما علمت بعدئذٍانهما اكتسبا خبرة جيدة من الناحيتين الفنية والادارية من خلال عملهما المذكور.
  كان عبد اللطيف العاني يدير اعماله بطريقته التي اعتاد عليها منذ اربعين عاما، وقد ابقى على بعض مساعديه الذين يعملون بالطريقة نفسها. ومنها عدم فصل المقاولات التي يعمل عليها من الجانب المالي، فتكون المبالغ التي تتحقق له شهريا مشاعة للمشاريع الاخرى. ولهذا تاخر تنفيذ عدد من الاعمال لاسباب منها ماهو خارج ارادته، ومنها بسبب الاسلوب الذي اعتاد عليه. ولم استطع في فترة عملي معه ادخال الاساليب الحديثة لادارة الاعمال. وكثيرا ما كنا نواجه بالسؤال عن موعد اكمال المشروع. وقد حضر العاني صباح احد الايام، وقال ان عنده موعداً مع رئيس الوزراء طاهر يحيى لبحث موضوع المشروع وتقدم العمل فيه وما انجز منه. هيأت جميع المعلومات المطلوبة لبيانها، من المنجز من العمل وما تاخر منه واسباب التأخير ومعالجة ذلك. ولما التقينا رئيس الوزراء طاهر يحيى شرحت له اسباب تأخر المشروع، وهي اسباب مالية بالدرجة الاولى، والوسائل الكفيلة لانجاز العمل.وبعد نحو اربعين دقيقة من النقاش والتداول، وافق على اعطاء المقاول سلفة مالية خاصة كما طلبنا. والغريب أننا لم نستفد من السلفة كثيرا، حيث صرف الكثير منها على مشاريع اخرى، مما اثار في الشعور بان وعودي للمسؤولين ذهبت هباءً، التي قد تؤدي الى فقدان الثقة بعملي، على الرغم من الجهود المبذولة بصدق.
  وهكذا، كانت ادارة الشؤون المالية للعمال محصورة بالحاج عبد اللطيف العاني وبعض مساعديه، ولم يكن يومئذ قانون يحمي حقوق العمال ومطاليبهم. كان اجر العامل قليل جدا،ويومية عامل الحفر كانت 350 فلسا عن ثماني ساعات عمل مستمر.وحدث مرة ان صادف عيد الاضحى في يوم الاحد، وتكون ايام العيد خلال الاسبوع من حقوق العامل ويستحق عليها اجوره اليومية، فلم يتردد المقاول ومساعدوه من فصل العمال العاملين في المشروع في يوم الجمعة الذي سبق العيد، بغية عدم صرف يوميات العيد لهم!. كان هناك مايقرب من 250 عاملا في مختلف الاعمال الانشائية للمشروع، ولا حول لهؤلاء العمال، وهم يستقبلون العيد بهذا الاجراء المجحف. لم استطع ان اسكت، وبينت احتجاجي على قرار الفصل الى عبد اللطيف العاني وابنه عزيز، واني لايمكن ان اوافق على هذا الظلم الصارخ بحق العمال، وهم عماد المشروع. واستقر رأيي على استحالة الاستمرار مع من يتخذ مثل هذه الاجراءات.

كنت في تلك الفترة اعمل مساءً مع شقيقي الاكبر المهندس المعماري قحطان المدفعي في مكتبه. وكانت معظم المكاتب الهندسية والمعمارية غير متفرغة للعمل الاستشاري صباحاً ومساءً، وان اصحابها من موظفي الدولة، ويعملون في الوزارات المختلفة. ولهذا قررت التفرغ للعمل الهندسي مع قحطان في مكتبه.
  تأكد لي ان عملي مع الحاج عبد اللطيف العاني، لايلائم الاهداف التي اعمل لتحقيقها ومبادئ العمل التي احملها، وتأكد لي ان تفكير هذا النوع من المقاولين واسلوبه لن يتغير او يتطور، على الرغم من انهم بدأوا يعملون على مشاريع كبيرة. وقد افهمت العاني بأني وضعت اعمال المشروع على المسار الصحيح، رغم التاخير في انجاز بعض مفاصله، وحققت له توازناً جيداً في كلف المقاولات الثانوية، مع ما رصد اليها في عقد العمل، كما حصّلت له تمديدا لمدة المقاولة،واعفاءه من الكثير من غرامات تاخير العمال، ومع هذا فاني سأترك المشروع قريبا. ولم تفلح محاولات العاني في صرف نظري عن هذا القرار، ومنها عروض  مالية مغرية. وبعد نحو عشرة اشهر من تركي العمل مع عبد اللطيف العاني، تم اكمال مشروع وزارة التخطيط.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية