العدد (3956) الخميس 22/06/2017 (مير بصري)       مير بصري يؤرخ ليهود العراق أيام الوحدة الوطنية       مير بصري.. وفاء وحنين دائم للعراق       مير بصري... العراق حبا ساكنا في حنايا ضلوعه وخفقات قلبه.       مير بصري...الباحث والاقتصادي والأديب العراقي       مير بصري ينقب في ذاكرة بغــــــداد       مير بصري موهبة كونية ووطنية عراقية فرطت بها السلطات العراقية       مير بصري.. عراقية المثقف ومسؤولية التنوير       مير بصري والذاكرة الناصعة العراقية       مير بصري واسهاماته في خدمة حركة الثقافة العراقية المعاصرة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :45
من الضيوف : 45
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 16144033
عدد الزيارات اليوم : 5378
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » كان زمان


اياك والاشتغال بالصحافة!!

أكتب هذا وأنا مضطجع على فراش  المرض من آثار مجهود شاق أبذله في الصحافة في هذا الفيض الذي يحرق الجسم  ويذيب الملح ويهدم الاعصاب. وقد تكون هذه مصادفة أن يعهد ألي في كتابة مقال  أقول فيه للشباب الذي استقبل الحياة العملية وكله آمال واحلام: "إياك إياك  والاشتغال بالصحافة!!" في وقت أنا اعاني فيه متاعب الصحافة الجسدية  والفكرية.


وهي مصادقة، ولكنها غير لطيفة على كل حال.. فأنا مريض من الصحافة، وان كنت مريضاً بها. وقد سبقني الى الاصابة بهذا المرض الكثيرون، ولكنهم جميعاً متفقون على ان الصحافة اشق المهن، والاعمال، واكثرها بلاء وارزاء، فاذا كان هناك من لم يصب بهذا المرض الوبيل، فمن واجبنا نحن المرضى ان نقول للاصحاء: "إياكم ان يصيبكم هذا الداء بما اصابنا من البلاء".
ولخير للمرء ان يفتح دكانا – كما يقول زميلي المازني – يبيع فيه "فولا مدمساً" و"طعمية لذيذة" ينافس بها "أبا ظريفة" و"الخاوجي" من ان يجلس على مكتب من مكاتب الصحافة ليحرق دمه ويذيب قلبه، ولينافس "العقاد" و"هيكل" منافسة لا تفيد، ثم يخرج من هذه المنافسة (الكحيانة) افقر من الفقر، وأبأس من البؤس، وقد أسرع اليه الهرم واستولت عليه الشيخوخة، فلا راحة اصاب، ولا مالاً جمع وافاد. وهؤلاء الذين نحتقرهم وننعى عليهم ببيع الفول والطعمية، وسكناهم في الاحياء الوطنية قد بنوا وشادوا وصاروا ملوكا في وسطهم، اسياداً بمالهم، ونحن ما زلنا عبيدا للقلم، حاملين للمشقة و(القرف) والالم.
ونقول : "مالكم تحرق هذا التحريف، وتفضل الحياة المادية على الحياة المعنوية، تقدم مهنة (الطعمجية) على الحياة الصحافية، وتنسى تلك الاقوال التي قالها نابليون وغيره من كبار الرجال في الصحافة، وما لها من التأثير عند الجماهير!".
فاقول: دعني من هذا الخيال، والتعلق بخيوط الآمال، وهل تظن اننا في عصر المعنويات، وتقدير الادبيات" نحن يا صاح في عصر المادة التي تسيطر على كل شيء في هذا الزمن، ولها السيادة والغلبة، وقد صح فيه قول ابو الطيب:
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله
ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
هي خلق وابداع
على ان اقول كبار الرجال في الصحافة لا تنفي مشاقها ، ولا تمنع آلامها، وهي آلام حلمت عن الوصف، وعظمت عن الاحصاء والعد، ولا تحسبن ان الصحافة نوع من الكتابة المألوفة، لا فرق بين الكاتب فيها والكاتب في محل تجاري او في محكمة، او الكاتب في ديوان او الكاتب في اي نوع كان، بل هي خلق وابداع، وتفنن وابتكار، وافكار واخبار وعلم وادب، وخصومات وجدل، وسياسة واقتصاد، واستعداد لكل مفاجأة، وما الى ذلك مما يحتاج الى مجهود عظيم لا تحتاج اليه مهنة اخرى غير الصحافة.
سلاح القانون
ومع ذلك كله يجلس الصحافي وسلاح القانون مصلت على رأسه، وغرف السجن المجهرة بانواع الارهاق في انتظاره، فهو الوحيد بين سائر ابناء الحرف الاخرى الذي تؤدي به مهنته الى الاقامة في السجن بضعة اشهر او اعوام، وقد يحكم عليه بالنفي او الاعدام من أجل مقالة كتبها او اخبار نشرها، فقد حدث ان اصدر صحافي في تركيا سنة 1849 يدعى رزق الله حسون الحلي جريدة في الاستانة باسم "مرآة الاحوال" وكانت الحرب وقتئذ قائمة في القرم، فنشر فصلا في انتقاد الحكومة التركية، فأمرت هذه الحكومة بالقبض عليه، ففر الى روسيا وحكم عليه الاتراك غيابياً بالاعدام.
ولو انهم تمكنوا من القبض عليه لذهب ضحية قلمه، ولكنه لجأ الى الفرار والتشريد في الاقطار.

ليس لك ان تموت
فأنت في الصحافة مضطر الى حمل هذا العبء كله من صحة كالحديد، واطلاع مستمر، وابتكار على الدوام، والسجن والاضطهاد في بعض الاحيان. وانت اينما سرت مطالب بالتفكير، محروم من الرياضة ونسيان العمل وقتاً ما كعباد الله، وقد تكون رياضتك في محادثة وزير، او استقراء حادث خطير. او مشاهدة حريق كبير، فتعود وتكتب عنه، وتجمع بين آلام النفس وآلام الاعصاب، في تحرير هذا الحادث، او ذاك المصاب. ولا عذر لك اذا مرضت، او تعبت، فالجمهور لا يرحم، وهو يريد منك كل يوم جديدا وليس لك ان تمرض او تستريح، بل ليس لك ان تموت ايضاً!
فاذا كان ولا بد من ان تمرض، فعليك وحدك ان تتحمل مسؤولية هذا المرض لا على الجماهير، ولا على اصحاب العمل، واذا شئت ان تستريح فهاجر الى مهنة اخرى، ولو تبيع "ترمساً" او "فولا مقشراً" حتى تجمع بين راحتك وتوفر رزقك. واذا شئت ان تموت، فاذهب ومت الى رحمة الله ورضوانه، وإياك ان تعود الى الصحافة، فانها لا تعرف الموت!
الصحافة والشقاء
كم أفنت الصحافة رؤوس اموال، وقتلت كثيراً من خيار الرجال، فقد اصيب مصطفى كامل من الصحافة بالضعف والهزال الذي انتهى بمرض السل المعوي فقضي نحبه، وقد غدرت الصحافة بالشيخ علي يوسف واصابته بالافلاس حتى مات، واصيب منها فرح انطون بالسل، ومات امين الرافعي في شقائها وجهادها، فاين "اللواء" و"العلم" و"المؤيد" و"الاخبار" و"الجريدة" و"مجلة المجلات العربية" و"المصباح" و"نزهة الافكار" وغيرها مما كان يحرره طائفة من خيار الرجال؟ لقد قتلت الصحافة من قتلت منهم، وأضاعت من غيرهم كثيراً من الاموال.
اذكر أنني دخلت يوماً على المرحوم داود بركات فقلت له:
- هل انت سعيد بالصحافة؟
فقال:
- كيف اكون سعيداً وانا غارق كل يوم في شقاء هذه الحرفة التي قضيت فيها خمساً وثلاثين سنة لم اذق خلالها راحة، ولا نعمت فيها بسعادة، ولا اصبت فيها خيراً.
ولقد تراني الآن وقد طويت هذه السنين وكأنما انا في اللحظة التي ابتدأت اشتغل فيها بهذه المهنة فلم يتغير مني إلا شباب زال، وصحة تأخرت، وجسم تهدم.
طاهر
كل شيء والدنيا /  تموز- 1935



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية