العدد (4004) الخميس 24/08/2017 (كامل شياع تسعة أعوام على الرحيل)       كامل شياع: هاجس الهوية ومصباح ديوجين       فجيعة مؤلمة لكلّ المثقفين العراقيين       حينَ نحلم بأيثاكا علينا أنْ نشهدَ للرحلة: تنويعات من دفتر الخواطر       علاقتي بكامل شياع       علي الشوك وموت كامل شياع       يا كامل شياع       كما رآهما كامل شياع       مخاطبات كامل شياع قبل قتله       دعوة لجمع رسائل الشهيد كامل شياع    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :26
من الضيوف : 26
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 17006186
عدد الزيارات اليوم : 14314
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


الحاج زاير وتأسيس فن القصيدة الشعبية

«مــو حزنْ
لاجن حَزين
مثل ما تنْكطع جوّه المطر شَدّة ياسمين
لك مو حَزن، لاجن حزين
مثل صندوك العرس
ينباع خردة عشك من تمضي السنين
انَه كتلك مو حزن
لاجن حزين
مثل بلبل كعَد متْأخّر
لكّه البستان كلهه إبْلَيّه تين
مو حزن، لا مو حزن
لاجن احبك من جنت يَسْمر جنين»

  (مظفر النواب)


د. حسين الهنداوي
نقلة نوعية مثيرة تلك التي حققها الشعر الشعبي العراقي خلال النصف الثاني من القرن العشرين؛ نقلة قفزت به الى مصاف فن خاص متكامل بذاته وعلى درجة رفيعة من النضج والتسامي على صعيدي الشكل والمضمون. ويقيناً فان مظفر النواب هو الاسم الاكبر الذي يرتبط به هذا الانجاز الكبير.
ان اهمية مظفر النواب في الواقع أكثر من استثنائية في هذا الشأن. فهي لا تقتصر على تحقيق هذه النقلة وحسب، انما ايضاً، وبجهد ذاتي وواع دائماً، في إنضاجها وتكريسها مأخوذاً في آن واحد بهم المفاعلة غير المبتسرة ما بين الحداثة والاصالة من جهة والعالمية والعراقية من جهة أخرى. ومعه سيجد الشعر الشعبي العراقي نفسه ولأول مرة في العصر الحديث محط اهتمام خارج العراق. فقد نجح هذا الشاعر في احداث قطيعة جمالية حاسمة مع الحالة الماضية. وبغياب دراسة شاملة رصينة ونقدية حول العبقرية النوابية في الشعر الشعبي، فان تأمل بعض قصائده كـ»شكد نده نكط”أو”حسن الشموس”أو ”إبن ديرتنه حمد” أو”حـﭽـام البريس” يكفي لوحده في الكشف عن الجوانب الخاصة بهذه العبقرية لا سيما لجهة ثراءاتها المتعددة واعماقها الانسانية والجمالية. وربما يمكن القول - امام الصرح الذي ارساه هذا الشاعر- ان القصيدة الشعبية النوابية من العسير تجاوزها فنيا لفترة مهمة قادمة كما يبدو، لأسباب موضوعية كثيرة ابرزها غيابان: الاول هو غياب عبقرية شعرية جديدة تتجاوز فعلاً، أو في الأقل توازي، تلك التي إقترنت، بإعتراف واسع، بإسم الشاعر مظفر النواب، فيما يتمثل الثاني باستمرار غياب فسحة التنفس- التفاعل الضرورية لتجاوز كهذا نظراً للنزعة العدائية التي ثابر النظام البعثي في العراق، على التلويح بها ضد هذا الضرب من الفن وهي نزعة مستمرة بعد انهيار النظام البعثي ولحد الآن وتبدو انها ورثت منه اسوة ايضا بصنوها الذي شجعه النظام السابق ايضا والمتمثل بتشجيع الركيك والرطن من الشعر الشعبي المداح او البكاء والعديم المضامين الابداعية باي قدر كان. 
بيد ان التجربة النوابية ذاتها ما كان لها ان تحقق كل ذلك التألق لولا تأسسها على حصيلة فنية مثيرة هي ايضاً  في هذا الميدان، سبقتها ومهدت لها. فشعر النواب وبالقدر الذي يعكس موهبة غاية في الخصب، ليس الا مجرد لحظة عليا، سامية ووفية، في سيرورة غاية في الاصالة الجمالية هي الاخرى، تمد جذورها بعيداً قبله. وبغض النظر عن ماهية الضرورات الموضوعية الأولى التي اوجدت الشعر الشعبي العراقي وأسست له، فان من المؤكد ان الهم الجمالي لم يفارق الشاعر الشعبي العراقي قط. فهذا الهم نجده جلياً وواعياً لدى معظم الذين سبقوا النواب في هذا الضرب من الابداع كمشيمش الاسدي وفدعه الخزرجي وعبد الامير طويرجاوي وابراهيم الشيخ حسون الهنداوي وصادق الفحام وعبد الحسين محي الدين ومحمد نصار وصاحب عبيد الحلي وعبد الامير الفتلاوي وحسين قسام وخصوصاً وقبلهم جميعا... ابو عسكور الحاج زاير بن علي بن جبر الدويجي، المشهور بـ”حجّي زاير».
لا نعرف الكثير عن حياة حجي زاير. نعرف فقط انه ولد في بلدة برس، الحاضرة البابلية العريقة، والناحية التابعة لمحافظة النجف حاليا، التي عاش فيها معظم الوقت متنقلاً بين حين وآخر في زيارات قصيرة الى بعض مدن الفرات الاوسط لا سيما طويريج او الهندية والنجف والكفل في السنوات الاخيرة من حياته. ويذكر السيد جواد شبر عنه انه لم يكن يعرف القراءة والكتابة. وتشير مصادر اخرى انه ولد في عام 1277 هجرية وتوفي في 1329 (1909 ميلادية)، اي انه لم يعش سوى اكثر من خمسين عاماً بقليل تنتهي في اواخر العقد الاول من القرن العشرين. الا ان هذه التواريخ تتضارب مع معطيات اخرى تؤكد بانه عاش حتى اواسط العقد الثاني منه او بين 1860 و1919. حيث يذكر الخطيب الشيخ محمد الكاشي النجفي ان حجّي زاير حمل السلاح في معركة الشعيبة الى جانب الزعيم الاسلامي السيد محمد سعيد الحبوبي الذي قاد المجاهدين ضد القوات الانجليزية عندما حاصرت البصرة تمهيداً لاقتحامها في مطلع الحرب العالمية الاولى، وانه فرّ هارباً اثر انكسار المقاومة، فدخل الكوفة ليعيش فيها متخفياً فترة من الزمن. ويؤكد هذا المصدر ان بعض اشعار حجي زاير الوطنية التي تحث على مقاومة الاحتلال البريطاني للعراق كانت تردد في المجالس وعلى ألسنة المقاومين العراقيين ومن بينها قصيدة مطلعها:

من جسر والدين يرهب سوره       
    وبالمكنزي احدود إله منطوره

وعلى أية حال، ان المرجح لدينا هو ان حياة حجي زاير تزامنت مع العقود الستة الاخيرة من عمر الدولة العثمانية وهيمنتها الثقيلة على العراق. وبالتالي يكون انطفاؤه متقارباً مع اللحظة ذاتها التي شهدت سقوطها. في تلك الفترة كانت النجف مركزاً ثقافياً مهماً بل ربما الاهم في البلاد. اما على الصعيد الاجتماعي فيبدو –كما تشير معظم المصادر التي أرّخت لهذه الفترة- ان الحياة التقليدية المحافظة والرتيبة هي التي كانت سائدة بعد، وهي التي طبعت الملامح الاساسية للمرحلة في شتى المجالات. وبداهة كان لابد ان ينعكس ذلك في الشعر الشعبي بشكل جلي حيث نجده مقتصراً آنذاك والى حد كبير على القصائد ذات الطابع الديني على الاخص والتربوي والاخوانيات بشكل اقل. فنظم الشعر المكرس لمديح آل بيت النبي والاشادة بمناقبهم وسرد بسالتهم ومحنتهم واستشهادهم اثناء واقعة كربلاء، والمخصص عادة للألقاء في المجالس الحسينية والمواكب العاشورائية، كان الهم الاساسي للشاعر الشعبي في المدن الفراتية. عبر هذه القناة الطبيعية مرت التجربة الشعرية لحجي زاير كما تشهد على ذلك الكثير من قصائده. وفي اطارها، في الارجح، بدأت محاولاته النظمية الاولى ومنها ذاعت شهرته في شتى الاوساط الاجتماعية وراحت قصائده تنتقل حتى خارج النجف عن طريق المقرئين والردّادين. ويذكر الخطيب جواد شبّر، ان الجمهور صار ينشرح صدراً حين يذكر اسم حجي زاير بفضل رقة شعره ومعانيه الجذابة المبتكرة ومفرداته واوزانه العذبة. ويضيف”وانا شخصياً طالما تحاشيت ان استشهد ببيت عامي في خطاباتي المنبرية عدا شعر الحاج زاير». ويشهد آخرون على شاعرية استثنائية التدفق لديه. اذ يقول عبد الرزاق الحسني مؤلف”تاريخ الوزارات العراقية»،”ان الحاج زاير اشتهر عنه انه كان اسرع شعراء عصره بديهة. فقد كان ينشيء القصيدة التي تبلغ المائة بين وينشدها ارتجالاً في آن واحد فيخال للسامع انه كان يحفظها منذ مدة». واشتهر الحاج زاير ايضاً برخامة وحميمية الصوت اثناء إلقاء القصائد. اذ كان، في مجالس الأنس الخاصة، سيد طرب من الطراز الاول. ويذكر لنا ثامر العامري، في كتابه”الغناء العراقي»، انه كان من بين المع من غنّى الابوذية العراقية في عصره، بل هو مبتكر لطور خاص فيها يطلق عليه الاختصاصيين في غناء المقام اسم”طور الزايري”نسبة اليه ويعتقد العامري ان حجي زاير هو احسن من غنّاه لحد الآن.
اذا انتقلنا الآن الى البعد الفني المحض في شعر حجي زاير فينبغي بدءاً الاقتصار على شعره الوجداني فقط. فالشعر الديني، كأي شعر وظيفي، يضحي بالحرية الذاتية الى اكبر حد. بينما، بدون الحضور الطاغي لهذه الحرية، لا وجود للفن والمغامرة الجمالية. لانها، كما يبدو لنا، هي وحدها مصدر كل عناصر العمل الفني الاساسية. بلاشك ان الشعر الديني الذي تركه هذا الشاعر يكشف، هو ايضاً، تحرقاً للتمرد على السائد او الموروث من الاساليب. الا انه يتوقف في حدود هذا التحرق ولا يتجاوزه بعيداً الا نادراً ومن بين ذلك مثلاً ادخال توظيف الموال بشكل ملموس في القصيدة الحسينية، كقوله في مديح الامام علي:

يا مُردي شيبه ووليد بسيفك وعَتبه
لوله عتبتك الكعبة ما لها عتبه
برضاك يا بو الحسن شيبي الدهر عت بَه
وسيوف الايام بكصه ظامري لاﭽن
ورماح من المرض بمفاصلي لاﭽن
من تعتذرني قبلتُ المعذرة لاﭽن
حبك إلبحشاي شلّك عذر من عتبه

أما في شعره الوجداني فان نفحة اخرى تماماً هي التي تتفجر كما لو اننا امام شاعر آخر قطعاً، شاعر متمرد الى حد التسامي على كل شيء لا سيما على البهائم الآدميين، اذا جاز الزعم، حين يقول:
يا حيف نكضي العمر               
ما بين وادِم طَرِش

«وكل ما قد خلق الله وما لم يخلق محتقر في همتي كشعرة في مفرقي”قال قبله المتنبي الخالد في لحظة تفجر مماثلة. لكن حجي زاير ليس المتنبي كما ان النجف في ظل العتمة العثمانية ليست حلب في ظل البهجة الحمدانية. فالمفرات مسدودة امامه والتفكير سدى وكلاهما لا يورث الا السهر العقيم كما يخبرنا الحاج زاير نفسه:

من كُِثِر ما بالي إبْسَهر             
  شحمة عيوني مايْعه

وذابلا وبلا غيمة تبلل ظمأ الروح، لم يكن امام الشاعر سوى التشبث بواقعية ما بعدها واقعية، واقعية تكاد ترادف الاستغاثة او بالاحرى الاستسلام القدري:

يا صاح عودي ذبل وبكل دوه ما يصحّ
والدمع سل او جره من ناظري ما يصح
والنيب مثلي بحنينه لو صحت ما يصح
من حيث مضروب مابين الجوانب تَبن
بمعالج الروح سرّي لم اموتن تَبن
لا تنهظم عالسبع لو ﭽان علفه تبِن
واليوم حتى التبن علف السبع ما يصح

الا ان الجمالية تسمو الى ذروتها في مقاطع كثيرة كقوله في هذا الزهيري:
ياكعبة النور ياعون الذي حـــاج بـــك
ويطوف بَأرْكان خدّك والبدر حاجبــــك
جامع الأوصاف من باسل ظُفَر حاجبِك
چتّان للناس لحظـــك بالأصـــــل بابُلي
والوِدّك اليوم كدّرته.. وصفــــه بابِلي
من بوب الأوصال ظنّيتك تفك باب الي
مدريت بالباب عنّي حاجِبك حاجِبــك

او هذا الزهيري:

تَّميت أحومي اعله شوفك بس أروحن ورد
أبغي وصالك وروم من المراشــــــف ورد
مفروض ذچرك علينه بالفرايــــــــض ورد
من حيث بسمك تتمّ افروضنه والدعــــــه
«رضوان”حسن الحواري بوجنتك ودّعه
والورد جدّم لوايح واشتچه وإدّعـــــــــــه
ويكول انته الورد چاليش تشْتــَــــم ورد

او في هذه الابوذية الخلابة:

بيش استر يماي العين هدماك  اوناري اسرجت يا مدلول هدماك  جان انته بدمع بللت
اخبرك
وجّــن هدومي عليّــــــه   

واذا كان ادخال الموال في الشعر الديني هو اللحظة الاولى في التعبير عن”غربة”حجّي زاير، فان اللحظة هذه سرعان ما كشفت عن محدوديتها وعقمها. وكان لابد له من البحث عن منافذ اخرى لروحه الخائفة القلقة التي اخذت تأنف اكثر فاكثر من استقبال رتابة وافتعالية الشعر الديني بعد ان اكتشفت بان هذا لا يزيدها الا غربة وتمزقاً، و»يا صاح جرح الكلب مايوس من طيبة”سيقول حجي زاير متلوياً من الالم. الصبر هو الملاذ المتبقي للوهلة الاولى. وعنما نضب صبره صار يستجديه من الاخرين”ما زال صبري خلص وعله الصبر كديت..”لكن بلا جدوى. ولابد اذن من البحث عن”حمى”تلجأ له هذه الروح وتستريح اليه؛ وهذا الملاذ سيجده الحاج زاير في الحياة ذاتها، في الجمال الحسّي الاسمى، في المرأة، وسيتوجه لها دون تردد لاهثاً بالرجاء:
ازلوفك حمه وروحي اتخاف                خليني ألوذ بسدّها

ها نحن دفعة واحدة في عالم شعري زايري زاخر الشفافية والثراء، عالم تتعرّى فيه حتى اللغة الى اقصى ما تستطيع لكن دون الوقوع في المجانية، ويتجرد معها حجي زاير من كل قيود الشعر الديني، عارضاً كل قلبه بيد وكل حريته باليد الاخرى:

نيشان إلك هالشامه
او ربّ الخلكها علامه         
كلمن وكف جدامه
يتـﭽتف ومثل العبد  
يلشامة البلخدين
سيد صحيح الجدين 
روحي امن أشمّنهن ترد

هذه المقاطع وغيرها التي جعلها المطرب الكبير الراحل يوسف عمر اشبه بالخالدة في الوجدان الشعبي العراقي، ليست الا جزءاً يسيراً من السفر البديع الذي تركه لنا هذا الشاعر الشعبي العراقي والمجموع بعضه في ديوان طبع مراراً. وكثير من العراقيين اليوم يترنم في لحظات شجنه الحقيقية بكلمات حجي زاير وان كان اغلبهم لا يعرف ذلك. فمن بين المقاطع الذائعة مثلاً ابوذية:

أريد اكعـد عله  دربــه وتاني
الواشي امن إنهجم بيته وتاني
إشْرَدت عنّه يخــلك الله وتاني
لكيته ابحضرمــوت ايخم عليّه

لكن يبقى القسم الاعظم من شعر حجي زاير حبيس دائرة ضيقة من المهتمين تتقلص اكثر فاكثر اليوم. كما تفتقر المكتبة لحد الآن الى دراسة وافية عن هذا الشاعر اللامع رغم مرور زمن طويل على وفاته. ونحن في هذه الصفحات السريعة لا نطمح اكثر من تقديم بعض الاستنتاجات العامة حول شعره الوجداني عبر قراءة اولى لما وصلنا منه.
الاستنتاج الاول الذي نسجله هو ان حجي زاير ينقل الشعر الشعبي العراقي، على صعيد الاسلوب، من مرحلة العفوية، بمعنىَّ ما، الى مرحلة الفن. وهذا التطور يتحقق جلياً في ثلاث جوانب أساسية: فمن جهة هناك التقنية العالمية في البناء، حيث يتضاءل الحشو والتزويق الى أقصى ما يمكن لتأخذ كل مفردة مكانها المطلوب ووظيفتها المحددة دون أي تطفل او مجانية، الأمر الذي يفجر ويثري الطاقات الكبيرة التي تتضمنها اللغة الشعبية العراقية. ومن الحري ان نذكر هنا ان اسلوبي الابوذية والموال الذين يبدع فيهما حجي زاير اكثر من غيرهما من اساليب الشعر الشعبي الاخرى (كالميمر والنايل والمربع) يتطلبان احاطة قوية بتلك الطاقات. نظراً لأن الشاعر يلزم نفسه فيهما بقافية ثلاثية (في الابوذية) او رباعية (في الموال) تتكرر كلفظة صوتية لكنها تختلف كمعنى. مما يلقي على الشاعر مهمة البحث والاشتقاق والتركيب لتلبية هذه الضرورة بأيسر وأدق ما يمكن دون التضحية بالبعد الجمالي كما في قوله:

يلايم كف ملامـــــك وإنتصــاحي
ﭽذب من شاف خـدك وانتصاحي
وحك سَكْرة عيونك وانته صاحي
رضابك سلسبيـــل وعــــذب ميّه

الجانب الثاني الذي يميز الاسلوب الشعري الزايري هو الاعتناء الواعي بالصورة الشعرية حيث تتلاحق اللقطات واللوحات، ونكاد نقول التشكيلية، في حركة جمالية «معاصرة”بمعنَّى ما؛ وهي حالة لا نعتقد ان الشعر الشعبي العراقي عرفها لدى من سبق هذا الشاعر ممن وصلتنا بعض نتاجاتهم، كما في قوله:

فتلنه حبل وصلك وانته فالّه
والمْتيّم برالك وانتفاله
انا الكطان يدعـﭻ وانته فاله
تبعت اهواك وآنه الركش بيّه

وغنائيـة ناضجة لا تخل بالبناء الموضوعي للمقطع لكنها لا تقع في أسره في ذات الوقت. ونعتقد عموماً بان الشعر الوجداني الذي كتبه الحاج زاير هو شعر غنائي كله وبدون استثناء. وهذا ما يفسر ربما شغف الملحنين والمغنين العراقيين به.
أما الاستنتاج الثاني، ويخص المضمون، فهو ان شعر الحاج زاير يتميز بالبروز الواعي للذات الفردية للشاعر بشكل تبدو معه كما لو انها وحدها المحور الذي يدور حوله الموضوع. ولعل الشحنة الانفعالية والتوتر الداخلي المفعم بالشجن والعاطفة، اللذان يطبعان القصيدة الزائرية هما من بين التعبيرات الحميمة التي تعكس هذا التطور. كما ان الابتعاد المزدوج عن الشعر الديني نحو الوجدانية من جهة، وعن النظم الكلاسيكي الاطنابي (للقصيدة الحسينية) نحو الأبوذية والموال من جهة أخرى، هو، الى هذا الحد أو ذاك، المعطى الضروري الذي اقتضاه التطور المذكور. وهذا الجانب يمكن تلمسه في معظم شعر الحاج زاير.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية