العدد(4042) الاثنين 16/10/2017       ٢٠ تشرين الاول ١٩٥٠..افتتاح جسر الصرافية الحديدي       من معالم مدينة النجف.. السور القديم       الزقاق البغدادي المفقود.. ماهي قصة (قزان حجي بكتاش)؟       صفحة مطوية من تاريخ الموصل.. دور الموصل في انتهاء عهد المماليك ببغداد سنة 1831       من أسرارالأيام الأولى لثورة14تموز1958..عندما أصبح فؤادعارف متصرفا لكربلاء..كيف أيدعلماءالدين الثورة؟       من مذكرات هشام المدفعي.. محنة انقلاب 1963.. وابنية وزارة التخطيط       من يوميات كتبي في لندن ..رحلات مجهولة في العراق       دار توفيق السويدي.. من اجمل معالم بغداد المعمارية       العدد (4039) الخميس 12/10/2017 (فاضل خليل 1946 - 2017)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :30
من الضيوف : 30
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 17859203
عدد الزيارات اليوم : 7627
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


من مذكرات الشاعر زاير الدويج

صادق حمودي
ولد الشاعر الحاج زاير الدويج في (برس) عام 1860 وتوفي في مدينة النجف الاشرف عام 1919 ميلادية، وأسمه زاير بن عسكوره بن علي بن جبر من عشيرة (بنو مسلم) نسبة إلى جدهم الأمير شرف الدولة أبو المكارم (مسلم بن قريش بن بدران بن مقلد العبادي) وتسمى (الشريفات) وهي فخذ من قبيلة طفيل العربية المنتسبة إلى طفيل بن عامر القيسي.. جاء به أبوه صبياً إلى النجف وهو يطمح ان يكون أبنه عالماً أو خطيباً أسوة بأقربائه آل حرز الدين وهم بيت علم..


حياته
 تعلم مبادئ القراءة والكتابة في مدرسة (القوام) في محلة المشراق، لكن بعد وفاة أبيه انقطعت عنه المعونة فحالت دون مواصلته الدراسة.. لكنه لم يترك المدينة لتعلقه بها، بل عمل فيها عدة اعوام عامل بناء مختصاً في اخراج الماء من الآبار للعمل وشهرته آنذاك زاير البرسي أما لقب الدويج فهو تصغير ديك.. وفي تلك الحقبة لم يفارق المجالس الأدبية والحسينية اللتين كان لهما الأثر الكبير في تفجير شاعريته مبكراً.. لقد نظم الكثير من الشعر الجيد غير القصائد (المنبرية) التي كان يقولها ارتجالاً في كل المناسبات بين حشد كبير من الزائرين.. كان لمجرد ان يضع يده على جبينه ويقول: (ها خويه) يسترسل بعشرات الابيات مما يخيل لسامعيه انه قد اعد هذه القصيدة من قبل واجرى عليها تغييرات عديدة لقوة سبكها ووحدة معانيها.. لكنهم اكتشفوا هذه الموهبة المدهشة لأنهم أخذوا يطالبونه ان ينظم لهم قصيدة مطلعها على حرف هم يختارونه أو موضوع جديد لم يخطر في باله من قبل.. وقال رحمه الله عن ذلك (أن نظم المقفى الموزون أسهل عليَّ من الكلام العادي).
من هذا المنطلق الذي انفرد به دون الشعراء الآخرين طبقت شهرته الآفاق وأخذ الكثير من الشعراء يساجلونه وصار أسمه يتردد باعجاب في المجالس الأدبية ومضايف زعماء الفرات الأوسط لارتجاله الشعر بهذه الطريقة المميزة وبهذه الجزالة والأسلوب الشيق.. كما كان محباً للغناء ويجيد الضرب على الرق ويغني أشعاره مع ارتجالها بطريقة خاصة ما يزال البعض يسميها بالطور (الزايري).
عاد الى مسقط رأسه ليزاول مهنة الزراعة مع باقي افراد عشيرته لكنه لم يستقر بينهم طويلاً.. كان زعماء العشائر يبعثون اليه في افراحهم ليستمعوا الى شعره وصوته الشجي، وعقدت في مضايفهم الكثير من المباريات الشعرية بينه وبين شعراء كانت لهم مكانة مرموقة آنذاك لكنهم عجزوا امام مقدرته النادرة لانهم لم يصلوا الى سرعة بديهيته وايصال المعنى بصورة دقيقة وصادقة الى السامع.. لهذه المقدرة اتخذه صديقه مجهول آل شنته (مهوالاً) – هو شاعر القبيلة - لآل فتله، كما مدح ورثى الكثير من هؤلاء الزعماء.
حيث رثى المرحوم (مبدر آل فرعون) بهذه الأبوذية:

يروحي من زفير احشاي ورثي / اشتعلي
اوبكه سهمي الاسم والنوح ورثي / ارثه
اجابل دار ابو تكليف ورثي / ارثيه
رثه الشامي اعله دار البرمكيه
ورثى صديقه المرحوم عباس الشكرچي النجفي بقصيدة يخاطب فيها صديقه جاسم الكديش قائلاً:
يجاسم الهوه العذري او سناويه
بعد للكوس مدفع ما بكه بيه
* * *
بيه ما بكه مدفع بعد للكوس
ومن البين راسي اشكر يحمل دوس
لم جيشه عليه او لا رجع متعوس
صكني او صرت نيشان المراميه
ورثى المرحوم الرادود خليل الشماع النجفي، وقد ارخ وفاته بهذا الزهيري:
حزني اعله ولفاي دايم يا فاركه لحد / ليس له حد
وحدي انوح اكتفي ماريد ناس او لحد / ولا واحد
سيفي فكدته او غيره ما يفيد اله لحد / يسن
اشما چنت اكله حظر ما بين اديه ولف / اطوي
يا لايمي لو لمتني اشلون فاجد ولف / حبيب
(بالثلث مي هاو ثلاثين او ثلاثة ولف) / الف
(اسباطعش رمضان ارخ بي خليل ان لحد) / قبر
من خلال اتصاله بهؤلاء السادة والزعماء منحه بعضهم أرضاً واخذ يزرعها وتزوج من أرملة لديها بنت في الرابعة وقد أنجب منها بنتاً واحدة فقط واستقر معها في المشخاب في (أبو ذهب) وقصده صديقه صادق الهلالي بهذه المناسبة، فقالوا له قد غادرها مع زوجته إلى (أبو صفرة) وهي قريبة من المنطقة ذاتها فترك له هذا الزهيري:
أبات ليلي أو روحي امن الهضم والنده / تعبة
وأصبح بهم بثكل جبالها والنده / ندها
كاصرت جيش فلا بيهم يجيب النده / النداء
من حيث لن الدهر لشمولنا شتت / فرق
وأهل الجمايع علي بچلابها شتت / طاردته
اولاد المداس بكصور او حجر شتت / الشتاء
وآنه برض موحشه تحت الشمس والنده / الرطوبة
وتحول الى ضمانة البساتين ثم سيق إلى العسكرية بموجب قرار التجنيد الإجباري الصادر عام 1869 ميلادية وبعث إلى الخليج العربي ضمن الحملات التي كانت ترسل إلى هناك وكان في توديعه جمع غفير من الأهل والأصدقاء من بينهم صديقه الحميم هادي الخياط فخاطبه قائلاً:
هيهات يحكم بعد ملكانه
من حيث صار (الكطر) ممشانه
* * *
ممشانه حاكم والمكدر كدرك
انته امغرب ونا رحت الكطر
عنك (هادي) عبر سابع بحر
و(الرخ) منه تچل جنحانه
وكان معروفاً بين افراد الجيش باسم زاير علي وعند مروره في الديار الحجازية حج واشتهر بعدها باسم الحاج زاير.. وشاهد اثناء ذلك كل اقطار الخليج العربي، ولكن اشتياقه للوطن والاهل والاصدقاء جعله كالمجنون يصعد الى سور القلعة كل مساء ويتجه بوجهه نحو العراق باكياً مناجياً صديقه هادي بألم وحرقة وهو يردد بصوت عالي:
يهب ريح الصبه واتكدر
* * *
جبريل كبر ويشوف
ملاك السمه اصفوف اصفوف
* * *
احاه ماني سليت
عندي عكل ما خليت
تدري يهادي ظليت  مطروح الك واتفكر
بعد هذه الحالة من اللهفة التي اخذت تنتابه توسط له بعض الضباط العرب والعراقيين واعيد الى بغداد لاكمال الخدمة فيها.. وعند عودته وجد صديقه هادي قد قتل في حادث غامض واتهموه بقتله على اساس كان غلامه وهجره لانهم وجدوا لدى القتيل ثلاث قصائد بخط الحاج زاير جعلوا منها ذريعة لاثبات هذه التهمة، الاولى بعثها له من قطر يشرح فيها ألم الفراق حيث كان يحبه كأبنه لانه حرم من الابناء، من ابياتها:
يالتصل هادي دروح اوكله  جرح البكلبي كلف شيشله
* * *
ما شل جرح الذي ابكلبي خزن  صبنا دموعي شبه صب المزن
ذيچ الليالي الذي اوياكم جزن  ما ظن تعود او بعد نتسله
سفره في احد الافراح مطلعها:
الغرامك ما نمت ليلي
على فراكك نحل حيلي
والقصيدة الثالثة لها حكاية كان لهادي وابن عمه محل لخياطة (العبي) في الشامية جاءهم مرة الحاج زاير وخيط عندهم عباءة وتعرف عليه هادي لانه كان يحب الشعر والشعراء وصار كلما يأتي الى الشامية يتابعه كالظل في كل مجالسه وازدادت اواصر الصداقة بينهما وراح ينتظر قدومه بتلهف ويضيفه في دارهم ويعتني بضيافته مما كان الحاج زاير يفضلها على غيرها.. وغدا شبه راوية لاشعاره، وجاء ذات يوم الى الشامية ولم يجد (هادي) على عادته في انتظاره، وانما اخفى نفسه عنه.. وقد اخذه العجب من ذلك وسأل بعض الاصدقاء عنه، فكان جوابهم انه غادر المدينة في عمل طارئ.. لكنه لم يصدق ذلك لان لهجتهم كان فيها شيء من التبرم الذي جعله يشك في صدقهم.. وبعد الحاح قالوا: ان احد الاشخاص قال له انك قد قلت نلت منه ما يسيئه.
تألم عنذاك وتأسف على صداقته لمثل هذا الشاب الغرير الذي يسمع قول زيد وعمر دون ان يميز بين الاصدقاء والاعداء، وقبل ان يغادر المدينة ترك له هذه القصيدة:
شتصير روحي ابسكم دلالي
من شفت ولفي يود ابدالي
* * *
ابدالي يولفي تود شنهو السبب
ناوي اعلة چتلي ولا تخشه العتب
لاچن حسافة على ذاك التعب
وياك يطلع ولك بالخالي
* * *
بالخالي تعبي طلع ماي وملح
توني عرفتك وفه سز أو جبح
واللي يريد الشنيعة او يفتضح
يرفچ المثلك يخون التالي
* * *
لكنهم لم يستطيعوا ان يثبتوا التهمة عليه رغم كل محاولات اعدائه لانه في تاريخ الحادثة لم يكن موجوداً في العراق، لذلك بريء منها واطلق سراحه.
لكن هذه الحادثة قد اثرت عليه نفسياً، وقال في هذا الصديق الذي يعتبره ابنه الكثير من الابوذيات والقصائد منها هذا المطلع مع مقطع:
بكواي هادي سحك واذاني
ليلي او نهاري اهس خلاني
* * *
شكواي لله تشب سابع سمه
او للحجه حيدر علي حامي الحمه
روحي يحيدر عليك امحتمه
وتريد منك عهد رباني
ولما سرح من الجيش لم يكن ذلك المرح الساخر كما كان، وانما انطوى على نفسه وراح يعذلها بقصيدة طويلة منها:
كلما اعذل النفس وانهاها
واعله المعاصى زايد اعناها
* * *
اعناها يزود او تحملني خطه
وابليس غرها او علي جدمه خطه
دهري رماني او فلا سهم خطه
صاب الدليل او سعه ابماذاها
ولا يفوتنا ان نشير بعد هذه الحادثة الى ان القصائد التي اشار فيها الى يعض الاسماء المذكرة، هي كأي قصيدة لشاعر آخر يتغزل بالمذكر، لان المراة في ذلك الوقت محجوبة عن انظار الرجل واذا اراد ان يتغزل بها جاء غزله ايضاً بالمذكر.. وهذه الاسماء التي ذكرها تعود الى بعض راقصي الخشابة او مطربين لهم صوت ساحر.. التقى في احد الافراح بالمطرب خيون السعداوي وكان هذا الشاب يسمع بالحاج زاير لكنه لم يتعرف عليه، فغنى له بصوته العذب احدى ابوذياته ثم اعقبها بهذه الاغنية:
خط المعاتب جاك كوم استلم له
روحي امن الاهدانات شبعت مذله
فغنى له مرتجلا:
امنين اجتني هل اذيه
* * *
جبت حركك الكلب بيدي
بطلي يا روحي او هيدي
آه من نار السعيدي
هو هذبني ابهل بليه
ان من يعتقد بأن غزله هذا كان حقيقاً، ما هو إلا اتهام باطل.. لان الرجل كانت تتمثل فيه معالم التقوى والنزاهة، كما كان ورعاً راسخ الإيمان.
ثم سيق مرة اخرى في النفير العام عام 1914 كجندي احتياط وكان معه صديقه عبدالحسين الحلي يحرضه على الهروب بعد ان نكل الاتراك بأهل الحلة.
الا انه فر بعد الاعتداءات المماثلة التي حدثت في النجف واختفى في الكوفة لدى بني حسن حتى اعلن الجهاد الاسلامي واشترك مع المجاهدين في الحملة التي قادها السيد محمد سعيد الحبوبي الى الشعيبة عبر السماوة والناصرية للتصدي للقوات الانكليزية التي دخلت الفاو بمساعدة السيد خزعل، وكان يردد هذه القصيدة بين المجاهدين ليبعث فيهم الحماس:
وين ايروح اللي امعادينه
احنه الموت الما بي ظنه
* * *
للموت انـود امشهايـة
او متعنين اعليه اعنايه
غم خزعل كل عكل ورايه
يتمهل بالبصرة او يتهنه
وعند تراجع الجيش العثماني امام المحتلين تشتت تلك الحملة واختفى مرة اخرى في الكوفة مع الكثير من الهاربين من الجيش. ثم اخذه الشيخ محمد الكاشى الى السيد محمد كاظم اليزدي وطلب منه ان يعفو عنه عند الحاكم العام، وفعلا تم ذلك.. اعطاه السيد صك الامان امام جمع غفير من المتجمهرين في الصحن الحيدري فارتجل قصيدة منها هذا المقطع:
(دسكره) ابيمناي سلمني او مهر
ريس اهل الدين بالبر والبحر
ما ابالي بعد بدروب الخطر
او لا اخاف امن الزمان او جوره
قد مر النجف بأحداث عديدة بعد ذلك، ولكن لم نعثر في خضمها على نص شعري عند الحاج زاير يشير الى تلك الاحداث لا من قريب او بعيد سوى بيت الابوذية الذي رثى فيه مبدر آل فرعون وهذه المحاورة التي جرت في اواسط عام 1917 ميلادية كان الشاعر عبود غفله قد عاد من بغداد توا وجلس في الحضرة الحيدرية على دكة احدى (اللواوين) مع بعض الاصدقاء من بينهم الشاعر حسين قسام يحدثهم عن قوات الاحتلال.. واذا بالحاج زاير يقبل عليهم وفي صدر عباءته يحمل مقداراً من الطحين، فسلم ووقف يستمع الى الحديث.. ثم انهوا مجلسهم في ذلك المساء بهذه الابيات وهي على مطلع كان مشهوراً آنذاك:
اجمع افكارك قزموز
قال عبود غفله:
ببلادنه سكنت كفر
ووجوهها برس وسمر
تابعه حسين قسام قائلا:
روحي تفور من الچاي
شنهو البصر شنهو الراي
نصيت اريد اشرب ماي
والكيت مكسور الكوز
فأجابهم على البديهة مشيراً إلى الطحين:
شلت الطحين ابضبني
اهلي اعجنوا وانه ابني
كالت العجبه يبني
اطحين البضبنك مخبوز
كان آخر ايامه قد كل نظره ولم يخرج من بيته الا قليلا واتجه كلياً الى النظم في حق (آل البيت) (ع) طالباً منهم الشفاعة عند الله في العديد من القصائد والمواويل والزهيريات منها هذا الزهيري يخاطب فيه الامام علياً (ع) قائلاً:
يا بالحسن ضاك صدري والحشه حامي / حار
من جور دهري عليه ابسطرته حامي / مسرع
ما من مجير سواكم للدخيل حامي / تحميه
هل يوم كلت يحيدر حرفتي والحيل / الحيلة
والسمع مني ذهب بعد الظهر والحيل / القوة
عني توانوا او اجفوا خلتي والحيل / الحبيب
(وامسيت (چتان) يا حامي الحمه حامي / ركيك
وهذه الابوذية رثى بها نفسه قبل وفاته بأيام قلائل:
وحكك التين والزيتون والمن / المن والسلوى
اجروحي الطابن امن اسنين ولمن / عادن
السدر والچفن والكافور والمن / حضرن
كبل طرت الفجر يسرون بيه
وتوفي في النجف في عام 1919 ميلادية قبل وفاة المجتهد السيد اليزدي بشهر وعاش تسعة وخمسين عاما، وليس كما ذكر حمود الساعدي توفي في الكوفة بعد انتهاء ثورة العشرين عام 1338 هجرية، وقد رثاه الكثير من الشعراء ومنهم صديقه الشاعر حميد السداوي بهذه الابوذية:
يزاير ما بعد بجفاك خليت / الخلة
الدليلي اخلال يوم اجفاك خليت / اذيت
بمچانك ما بعد للنظم خليت / ابقيت
انـدفن ويــاك بتـــراب الوطيـــه

عن كتاب (الحاج زاير)
 للباحث الراحل صادق حمودي



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية